مصطفى أديب ليس غريبًا على الحكومة اللبنانية ونخبتها السياسية، لكنه كان قابعًا في الظل.

نشر «ميدل إيست آي» الإخباري مقالًا لكريم شهيب، صحافي لبناني مقيم في بيروت، تناول فيه تعيين رئيس وزراء لبنان الجديد، مصطفى أديب، الذي تولى مؤخرًا مهمة رئاسة الوزراء خلفًا لحسان دياب، الذي استقال وحكومته بالكامل في أعقاب كارثة انفجار مرفأ بيروت.

وفي مستهل مقاله، ذكر الكاتب أن الأحزاب الحاكمة في لبنان المنكوبة بالأزمات عيَّنت رئيسًا جديدًا للوزراء، للمرة الثانية خلال ثمانية أشهر، ويأتي ذلك بعد استقالة رئيس الوزراء اللبناني السابق، حسان دياب، بعد أقل من أسبوع من الانفجار المدمر الذي ضرب مرفأ بيروت.

وعلى الرغم من أن الوجوه والأسماء المألوفة في السراي الكبير (مركز رئاسة مجلس وزراء لبنان حاليًا) – مثل سعد الحريري وتمام سلام – كانت من بين المنافسين الأوائل، ظهر اسم سفير لبنان في ألمانيا، مصطفى أديب، لأول مرة قبل أقل من 24 ساعة من تعيينه في المنصب. وفي المساء نفسه، توجَّه إلى بيروت قادمًا من العاصمة الألمانية.

لا وقت للكلام

وأفاد الكاتب أنه من بين 120 نائبًا تشاور معهم الرئيس، ميشال عون، لاختيار رئيس وزراء جديد، حصل أديب على 90 صوتًا. وحل في المركز الثاني قاضي محكمة العدل الدولية، نواف سلام، بحصوله على 15 صوتًا فقط. وبعيدًا عن حزب القوات اللبنانية المسيحية (LF)، أيَّدت أحزاب لبنانية رئيسة أخرى، منها حزب الله الشيعي وتيار المستقبل السني، اختيار أديب رئيسًا منتخبًا للوزراء.

وقال رئيس الوزراء الجديد، الذي يبلغ من العمر 48 عامًا، في أول خطابٍ له في قصر بعبدا الرئاسي بعد تعيينه يوم الاثنين: «لا وقت للكلام والوعود والتمنيات، بل حان الوقت للعمل بكامل قوتنا وبتعاون الجميع من أجل مداواة أمتنا، واستعادة الأمل في غدٍ أفضل».

وفي حين أن الخطاب الذي ألقاه رئيس الوزاء الجديد كان معروفًا في لبنان الذي يعاني من ضائقة مالية، لم يكن الرجل الذي يلقي الخطاب على المنصة معروفًا. وفي الواقع، ربما لم يسمع عنه معظم اللبنانيين قبل يوم الأحد.

مصطفى أديب.. من بيروت إلى برلين

ولفت الكاتب إلى أن رئيس الوزراء الجديد ليس غريبًا على الحكومة اللبنانية ونخبتها السياسية، لكنه كان دائمًا في الظل، ولم يتبوأ مثل هذا المنصب الرفيع من قبل. وعلى الرغم من أن رئيس الوزراء الأسبق سعد الحريري رشَّحه للمنصب، فإن أديبًا مقرب من رئيس وزراء أسبق آخر، وهو الملياردير نجيب ميقاتي؛ إذ عمل أديب مستشارًا له بصلاحيات مختلفة على مدى السنوات العشرين الماضية. وعلى الرغم من أنه مستقل رسميًّا، فإن أديبًا يرأس مركز العزم الثقافي، وعضو مجلس إدارة منظمته الخيرية. وعندما كان ميقاتي رئيسًا للوزراء في عام 2011م، عيَّن أديبًا أمينًا لمجلس الوزراء.

Embed from Getty Images

حصل أديب على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية والقانون من فرنسا. وعلى مدى السنوات السبعة الماضية، كان رئيس الوزراء الجديد مُقيمًا في العاصمة الألمانية برلين؛ حيث كان سفيرًا للبنان.

أمامنا مهمة شاقة

وأوضح المحلل السياسي أن رئيس الوزراء المنتهية ولايته، حسان دياب، كان قد عُيِّن في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بينما كان الاقتصاد اللبناني في أسوأ حالاته. وعلى العكس من سلفه، الذي كُلِّف بإنقاذ لبنان من المستنقع الذي كان يرزح فيه، يتحمل أديب الآن مسؤولية انتشال لبنان من الهاوية؛ إذ إن الرفاهية الاجتماعية والاقتصادية للبلاد في تدهور مستمر وسط انتشار جائحة فيروس كورونا، وبعد شهر تقريبًا من انفجار مرفأ بيروت.

وكشف تقرير مروع نشرته الأمم المتحدة مؤخرًا عن أن أكثر من نصف لبنان يعيش الآن في فقر – ​​بما في ذلك 23% يعيشون في فقر مدقع – بينما يمتلك 10% من السكان أكثر من 70% من ثروة البلاد.

وبعد شهرين من المفاوضات الفاترة مع صندوق النقد الدولي (IMF) من أجل التوصُّل إلى خطة إنقاذ اقتصادي، تجمدت هذه المفاوضات بسبب أن القادة السياسيين، والبنوك، وحكومة دياب، لم يتمكنوا من الاتفاق على بيانات موحدة ومسار للمضي قدمًا، وأعقبت ذلك استقالات بعض الأعضاء في فريق التفاوض. وخلَّف انفجار بيروت ما يقرب من 200 قتيل، وأكثر من 6 آلاف جريح، ومئات الآلاف من المشردين، إلى جانب أضرار مادية تقدر تكلفتها وحدها بحوالي 4.6 مليار دولار.

والآن، يواجه رئيس الوزراء الجديد مهمة شاقة تتمثل في محاولة استعادة ثقة المواطنين الغاضبين والمجتمع الدولي. ومن غير المعروف مَنْ مِنْ هؤلاء سيكون استرضاؤه أصعب بالنسبة لأديب.

وسارع منسق الأمم المتحدة في لبنان، يان كوبيس، بالاحتفاء بتعيين أديب في منصب رئيس الوزراء، داعيًا على الفور إلى تشكيل «حكومة ذات مصداقية وفاعلية… لتنفيذ الإصلاحات بسرعة» واستعادة ثقة الشعب اللبناني والعالم بأسره. لكن الدبلوماسي في الأمم المتحدة حذَّر أيضًا من أن أي فشل في تنفيذ تغيير جاد سيؤدي إلى «تعميق الانهيار والبؤس، ولن يقبله الناس بعد الآن».

سباق مع الزمن

وألمح الكاتب إلى أنه بعد انقضاء المؤتمر الصحفي يوم الاثنين، ذهب أديب لتفقد الأضرار التي لحقت بالمباني في الجميزة ومار مخايل، اللذين تضررا بشدة إثْر انفجار مرفأ بيروت. وتحدث أديب إلى عمال الإغاثة والأسر المتضررة من الانفجار بطريقته الهادئة، لكنه قوبل أيضًا بمواطنين غاضبين ومتظاهرين. وعندما سأله أحد المتظاهرين عما إذا كانت حكومته ستستبعد الشخصيات السياسية الفاسدة، أجاب قائلًا: «إن شاء الله»، ومن ثم قاده رجال الأمن بعيدًا عن التظاهرات. لقد حاول أن يؤكد للآخرين على أنه ليس ممثلًا للطبقة الحاكمة. وقال أديب في قصر بعبدا: «إن شاء الله، سنتفق على أن يكون لدينا فريق وزاري من المتخصصين الأكفاء، وسننطلق للعمل من أجل تنفيذ الإصلاحات الأساسية بسرعة لوضع البلاد على طريق الانتعاش».

Embed from Getty Images

وقد وعد أديب، كما فعل سلفه دياب من قبل، بتشكيل حكومة من الخبراء، بناءً على مهاراتهم وقدراتهم. لكن تشكيل حكومة في لبنان يمكن أن يكون مهمة معقدة؛ إذ يميل القادة السياسيون إلى الخلاف حول تمثيلهم بناءً على الوزن السياسي والطائفي. ويمكن أن تستغرق المهمة وقتًا طويلًا، وقد تكون مهمة تعجيزية. وكان دياب قد استغرق ثلاثة أشهر لتشكيل الحكومة، لكن الوقت حاسم جدًّا بالنسبة للطبقة الحاكمة في لبنان، ولأديب كذلك.

وفضلًا عن كل هذا، يستبعد أن تكون الحكومة الجديدة، بغض النظر عن تركيبتها، قادرة على العمل باستقلالية دون تدخل من الأحزاب الحاكمة في البلاد وجماعات الضغط المصرفية. وكثيرًا ما أعربت حكومة دياب عن أسفها بسبب التدخلات التي قالت إنها جهود باسلة لتحقيق إصلاحات هيكلية.

واختتم الكاتب مقاله بالإشارة إلى وصول الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إلى بيروت بعد ساعات من تعيين أديب. ولم يكن اللقاء مع رئيس الوزراء الجديد على أجندة ماكرون، لكن خلفية أديب غير المعروفة وتعيينه بشبه إجماع من النخبة السياسية أمر سيطمئن معظم المجتمع الدولي ، بما في ذلك ماكرون. لكن الأيام وحدها كفيلة بإظهار هل سيكون أديب قادرًا على إقناع شعب لبنان؟

عربي

منذ 3 أسابيع
«الجارديان»: هل يزيح انفجار بيروت الطبقة القابضة على السلطة في لبنان؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد