هناك الكثير من الطرق المختلفة التي يصل الناس بها إلى الإلحاد، يصل إليه بعضهم في بداية نضجهم بعد قضاء طفولتهم في الكنيسة، وينشأ بعضهم على الإلحاد على يد أبوين مُلحدَين، ويصل بعضهم إليه بعد سنوات من الدراسة الدينية. أمَّا أنا فوصلتُ إلى الإلحاد بنفس الطريقة التي يصل بها الكثير من المسيحيين إلى المسيحية؛ عن طريق الإيمان.

كنتُ في السادسة من عمري، جالسةً ومرتديةً فستان عيد الفصح الأصفر المكشكش الخاص بي، وألقي بحبَّات الحلوى الهلامية في الحديقة، عندما بدأت أمي تشرح لي قصة عيد الفصح، شرحَت صلب يسوع وبعثه بصفته ابن الله، مستفيضةً في التفاصيل. وعندما انتهت من حَكي القصة التي شكَّلَت أحد أُسس إيمانها لمعظم سنوات حياتها، نظرتُ إليها وقلتُ: «لا أعتقد أنَّ هذا قد حدث حقًّا».

لم أتوصَّل إلى هذا الاستنتاج لأنَّ قصة رجلٍ يُبعَث من الموت لم تبدُ منطقية، إذ لم أكُن طفلة تحليليَّة جدًّا، فكنتُ أؤمن ببابا نويل وأرنب عيد الفصح، ولكن عندما كنتُ أبحث بداخلي عن أي حسٍّ إيماني بقوةٍ عُليا، لم يكُن موجودًا ببساطة. كنتُ أريده أن يكون موجودًا، فكَم من المريح أن يكون للمرء إله، ولكنَّ هذا الحس لم يكُن موجودًا، وما زال غير موجود حتى اليوم.

إنَّ ثقة أصدقائي في إيمانهم بأنَّ يسوع يسير إلى جوارهم هي نفس ثقتي في أنَّ لا أحد يسير معي، تصحبني دائمًا الحقيقة المُرَّة بأنَّني عندما أموت سأتوقَّف عن الوجود سوى في ذاكرة أولئك الذين أتركهم ورائي، وأنَّ أولئك الذين أحبهم ويغادرون قد غادروا للأبد. هذه حقائقي، ولا أحب هذه الحقائق، فبصفتي أُمًّا؛ قد أفعل أي شيء لأؤمن بأنَّه إذا حدث أي شيء لأطفالي، سيحيون إلى الأبد في مملكة إله مُحِبٍّ، ولكنَّني لا أؤمن بذلك.

ولكن اقتناعي بعدم وجود إله هو مع ذلك قفزة ثقة، فكما عجزنا عن إثبات وجود إله، عجزنا كذلك عن إثبات عدم وجوده. إنَّ الشعور الموجود بداخلي بأنَّ ليس هناك إلهًا هو ما يُحرِّكني، ولكنَّني لا أتوهَّم أنَّ ذلك الشعور أكثر صحةً من اعتقاد المؤمنين العميق بوجود الله. أحتفظ بهذه الحقيقة في عقلي -أنَّ إلحادي قفزة ثقة- لأنَّ دونها سيكون من السهل أن أصبح مغرورةً. فمن السهل أن ينظر المرء إلى الأفعال الإرهابية التي تُرتكَب باسم الآلهة المختلفة، والمناظرات حول دور النساء في الكنائس المختلفة، والطقوس والقواعد الدينية المُفصَّلة غير المألوفة، ويُفكِّر: «انظروا إلى هؤلاء المُتديِّنين الحمقى». من السهل النظر إلى الأديان بوصفها جذور أمراض المجتمع.

ولكن الإلحاد بوصفه «إيمانًا» يتبنَّى سريعًا مواقف قمعية وخلافية، فلدينا مواقع إلكترونية مُخصَّصة لإهانة الإسلام والمسيحية، ولدينا قادة فكر مُلحدين يبثُّون عداوة المرأة ويدعون لتنميط المسلمين. أواجه بصفتي ملحدة سوداء نفس القدر من العنصرية بين الملحدين الآخرين كما في كل مكانٍ آخر. لدينا مئات الآلاف من الملحدين الذين يتبعون القادة المُلحدين مثل ريتشارد دوكينز اتِّباعًا أعمى، ويقذفون إهانات، بل وتهديدات، في وجه أولئك الذين يجرؤون على التشكيك فيهم.

انظروا في المواقع الإلكترونية وحسابات تويتر الإلحادية الجديدة، سترون نفس الكراهية والتعصُّب اللذين يطلقانهما المؤمنون تجاه المؤمنين الآخرين منذ ألف عامٍ. ولكن عندما نُواجَه بهذا التعصُّب، نقول: «ولكنَّني أشعر بهذا الشعور تجاه كل الأديان»، وكأنَّ هذا يُحسِّن من الوضع.

ولكن اعتقادنا بأنَّنا مُحقُّون بينما الجميع مُخطئ، واعتقادنا بأنَّ إلحادنا أكثر أخلاقيةً، واعتقادنا بأنَّ الآخرين تائهون، ليست اعتقادات مستحدثة. ربما لا يتعلَّق الأمر بالدين، ربما هي طبيعة بشرية، ربما إذا أتيح لنا أن نفعل ما نريد، نسعى للحصول على القوة عبر صنع «آخر» للاتِّحاد ضده. ربما نحن جميعًا جزء من نظامٍ يصنع هيراركيات مبنية على الطبقة أو النوع أو العرق أو الإثنية، لأنَّ هذه هي الطريقة الأسهل لكي تُخضِع الأقليةُ الأغلبيةَ لها. ربما نسلُك جميعًا ذات السلوك لأنَّنا نبحث عن أي نظام اجتماعي -سواء كان المسيحية أو الإسلام أو الاشتراكية أو الإلحاد- لكي نجد منطقًا ونشعر أنَّ لنا أهمية في عالمٍ يُرينا مرة تلو الأخرى أنَّ لا أهمية لنا.

إذا أردنا أن نُحرِّر أنفسنا حقًّا من ميول المجتمع العرقية والطبقية والتي تُميِّز على أساس الجنس وتعاني من رهاب المثلية، فإنَّنا بحاجة إلى تجاوز الدين. أجل، يحتاج الدين إلى فحص ومناظرة بانتظامٍ وبشدَّة، ولكنَّنا كذلك بحاجة إلى فحص أنظمتنا التعليمية وأنظمتنا الطبية وأنظمتنا الاقتصادية وسياساتنا البيئية.

الإيمان ليس هو العدو، والكلمات الموجودة في أحد الكتب ليست مسؤولة عن الفظائع التي يرتكبها البشر، نحن في حاجةٍ مستمرة إلى فحص طبيعتنا باعتبارنا حيوانات تحاول باستمرار تصنيف الآخر لكي تشعر بالأمان عن طريق كل الأنظمة التي نبنيها في المجتمع، وحينها فقط سنُصبِح أحرارًا من الدوغما كما ندَّعي -نحن المُلحدين-.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد