نشرت مجلة فورين بوليسي الأمريكية مقالًا لـ برينا آرتينجر، الباحثة المستقلة الحاصلة على الماجستير في الدراسات البوذية من جامعة أكسفورد، ومايكل روان، الكاتب المتخصص في الشؤون الدولية، استعرضا فيه ما وراء دعم رجال الدين البوذيين للانقلاب العسكري في ميانمار.

أشار الباحثان في مستهل مقالهما إلى تظاهر الرهبان البوذيين قبل أيام من سيطرة الجيش على حكومة ميانمار في مطلع فبراير (شباط)، دعمًا للقوات المسلحة في ميانمار، المعروفة باسم «تاتماداو». وسار الرهبان المتظاهرون في شوارع مدينة يانجون حاملين لافتات تندد بمزاعم تزوير الانتخابات، ومرددين هتافات تعلن أن الجيش هو حامي الدولة.

دولي

منذ 9 شهور
مترجم: بوريس جونسون يندد بانقلاب ميانمار.. لكن لماذا لم يتحدث عن الروهينجا؟

الجيش والشعب في ميانمار.. علاقة تكافلية

ولفت التقرير إلى أن هذه المشاهد ليست غريبة على ميانمار، حيث ترتبط البوذية ارتباطًا وثيقًا بثقافة البلاد. وقد يبدو الانقلاب وكأنه فرصة سانحة أمام القوميين البوذيين الذين دعموا الجيش وقمعه للمسلمين، ولكن الانقلاب ذاته قد يحمل أنباءً سيئة للبوذية في ميانمار؛ بسبب القيود التي يفرضها على الحرية الدينية. وقد يؤدي أيضًا إلى تفاقم النزعة القومية البوذية والأفكار الدينية المتطرفة السائدة في البلاد.

ونادرًا ما يربط الغربيون بين البوذية والتطرف أو العنف، لكن المقال يلفت إلى أن الحركات البوذية في آسيا كثيرًا ما أثارت قدرًا من الهواجس حول استخدام القوة. وقد بررت السلطات الدينية البوذية أحيانًا العنف ضد من اعتبرتهم أعداء الدين، ودعمت الأنظمة الاستبدادية.

وميانمار ليست استثناء؛ فمنذ نهاية الحكم البريطاني على الأقل، اضطلع المجتمع الرهباني البوذي (أو سانجا) بدور فعال في المشهد السياسي الميانماريّ. ففي أعقاب التحول إلى حكومة ديمقراطية بقيادة المدنيين في عام 2011، ونهاية الإقامة الجبرية لـ أونج سان سو تشي، سمح التحول في السلطة للحركات البوذية القومية باكتساب القوة والنفوذ في الصراع على السلطة الذي أعقب ذلك، مثل «الرابطة الوطنية لميانمار» و«حركة 969».

ويستشهد المقال بما كتبه فرانسيس واد، مؤلف كتاب «عدو ميانمار في الداخل: العنف البوذي وتحويل المسلم إلى آخر»، حول سعي هذه الجماعات «إلى استغلال شعور السكان بانعدام الأمن نتيجة التغير السريع من خلال الضرب على وتر عواقب ذلك التغيير».

ويتجسد هذا الاستغلال في أيديولوجيات بوذية متطرفة تثير العنف ضد الآخر، دينيًّا وثقافيًّا. كما انتشر فكر الرهبان البوذيين القوميين تاريخيًّا في الدول البوذية الأخرى في جنوب شرق آسيا، كما حدث خلال أعمال الشغب عام 1915 ضد شعب التاميل في سريلانكا.

Embed from Getty Images

وغالبًا ما تتجلى القومية البوذية باعتبارها نوعًا من النعرة العرقية التي ترتكز دعايتها على حماية الهوية البوذية الميانمارية. وكما ذهب بول فولر، خبير الدراسات البوذية، فإن مثل هذه الأطر القومية البوذية تتضمن أفكارًا من قبيل أن «البوذية مهددة وتحتاج إلى الحماية، والتهديد بالتحول عن الديانة، وأن التعاليم البوذية يمكن أن تفسد وتصبح عرضة للأفول».

ويُصوَّر الإسلام على أنه تهديد وجودي للعقيدة والأمة، الأمر الذي يبرر اضطهاده كإجراء وقائي. يستشهد الباحثان بما حدث في أكتوبر (تشرين الأول) 2017، حين ألقى الراهب البوذي البارز سيتاجو سايادو خطبة وعظية أمام حشد من الضباط العسكريين سمح فيها بممارسة العنف ضد أقلية الروهينجا لأنهم، بوصفهم مسلمين، لا يعدون بشرًا كاملي البشرية.

وهكذا يتضح أن العلاقة بين القوميين البوذيين والعسكريين في ميانمار علاقة تكافلية يعمل بموجبها الجيش على تعزيز أهداف القوميين البوذيين من خلال حماية البوذية من التهديد الإسلامي المتصور، وفي المقابل يمنح القوميون البوذيون الجيش المبرر الديني والثقافي لارتكاب فظائعه.

وأشار المقال إلى أن أعمال العنف ضد الروهينجا بدأت في عام 2016، خلال حملة عسكرية قمعية أجبرت في بدايتها 87 ألفًا من مسلمي الروهينجا على الفرار من ميانمار إلى دولة بنجلاديش المجاورة، وهو العدد الذي ازداد منذ ذلك الحين إلى أكثر من 700 ألف شخص.

ونتيجة لذلك، تحاكم الآن ميانمار في محكمة العدل الدولية بتهمة الإبادة الجماعية. ولطالما دافعت «أونج سان سو تشي»، زعيمة ماينمار التي أطاحها الانقلاب، عن هذه الفظائع على الصعيد الدولي، ولكن حتى دفاعها العلني عن تصرفات تاتماداو (جيش ماينمار) لم يشفع لها للحفاظ على موقعها في السلطة. وما لم يعكس تاتماداو مساره، ويتخلى عن السلطة؛ يحذر المقال من أن النزعة البوذية العرقية والقومية في ميانمار ستستفحل.

تأثير البوذية في ميانمار

ونوَّه المقال إلى التأثير الهائل للبوذية في الحياة في ميانمار؛ حيث يعتنق 89% من السكان البوذية، في معظمهم ضمن تقاليد «تيرافادا» (أحد ثلاثة فروع رئيسية في البوذية). وتُعد البوذية أحد الجوانب التي تُشكل الحياة في ميانمار، حيث يقدم الأشخاص العاديون الصدقات باعتبارها المصدر الوحيد لإعالة الرهبان، بينما يُعلم الرهبان الناس التعاليم البوذية. مثل هذه التعاليم التي يدرسها الرهبان هي وسيلة الأشخاص العاديين لتعلم دينهم، وهي لا توفر التعليم الديني فحسب، بل تمنح الرهبان أيضًا قدرًا هائلًا من التأثير في مجتمعاتهم.

Embed from Getty Images

من الأمثلة البارزة التي يستشهد بها المقال على محاولة الرهبان القوميين تغيير وجهات نظر السكان: ما حدث في عام 2015؛ عندما وقف الرهبان ضد انتخاب الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية، قائلين: «هل ترغبون في التصويت لحزب يدعم الإسلام؟» وفي عام 2013، دعت «حركة 969» إلى مقاطعة الأعمال التجارية التي يملكها مسلمون، ووصف الزعيم الرهباني آشين ويراثو المساجد بأنها «قواعد للعدو». وفي الآونة الأخيرة، تظاهر عوام الناس والرهبان معًا احتجاجًا على القيود المرتبطة بتفشي جائحة كوفيد – 19، ونتائج انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني)، ودستور ميانمار.

في بلد يقطنه سبع مجموعات عرقية مختلفة، تشكل كل منها أكثر من 2% من السكان، غالبًا ما تُستخدم البوذية لأغراض قومية. وقد لعب الرهبان البوذيون دورًا بالغ الأهمية في هذا التوجه، قبل الاستقلال وبعده. فمن المثبت أن الرهبان البوذيين شاركوا في المقاومة المسلحة والمقاومة السلبية (غير العنيفة) ضد الحكم الاستعماري البريطاني في وقت مبكر من ثمانينيات القرن التاسع عشر.

ومع نمو الحركة من أجل الاستقلال في الأربعينيات من القرن الماضي، دمج أحد الشعارات الأكثر شيوعًا الدين والجنسية معًا، في جملة: «أن تكون بورميًا تعني أن تكون بوذيًا!». واستمرت هذه الرؤية التي تُقصي الأقليات الدينية على نحو مخيف منذ الاستقلال. وبعد الاستقلال، شارك الرهبان أيضًا في قمع مقاومة الأقليات العرقية للحكومات البورمية المتعاقبة.

وغالبًا ما تُحرم أقلية الروهينجا، على وجه الخصوص، من كينونتها العرقية، وبدلًا من ذلك تُطلق عليهم الشخصيات البارزة اسم البنجاليون. يستشهد المقال بقول آشين ويراثو لرهبان آخرين في عام 2013: «إذا كنا ضعافًا، فسوف تصبح بلادنا أرضًا مسلمة». وعندما دافعت أونج سان سو تشي عن تاتماداو في لاهاي، لم تستخدم حتى كلمة الروهينجا. فمن خلال إنكار وجود الاختلافات العرقية والمطالبة بالقضاء على الروهينجا، تعمل الغالبية من العرق البرماوي البوذي على تعزيز التجانس الوطني.

الرهبان.. نزعة حاضرة في أماكن أخرى

وأضاف المقال أن القومية الدينية في ميانمار لها أوجه تشابه عديدة مع أماكن أخرى من العالم، مشيرًا إلى أن عدم الرغبة في الاعتراف بالمسلمين بوصفهم جزءًا من الأمة تتضح جليًا في حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف في فرنسا، وكذلك في رفض رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان قبول اللاجئين، وأيضًا في فرض الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب حظر سفر المسلمين.

Embed from Getty Images

وكذلك يبرز التحالف بين الاستبداد العسكري والدين، والمُغلف بنزعة قومية، في بنية سلطة الرئيس الروسي فلاديمير بوتن والكنيسة الأرثوذكسية الروسية. وربما كان الاضطهاد الدموي للمسلمين باعتبارهم تهديدًا أجنبيًا أكثر وضوحًا في مسعى الدولة الصينية الملحدة لتنفيذ الإبادة الجماعية ضد شعب الإيجور. وتُشكل هذه الأحداث جزءًا من سباق دولي محموم أوسع نطاقًا للأيديولوجيات يتعلق بالقومية والسلطوية.

وتزداد حركة الاحتجاج والعصيان المدني في شوارع يانجون والمدن الكبرى الأخرى، لكن في الوقت الحالي، يتكيف المجتمع الدبلوماسي الأجنبي مع تاتماداو باعتباره القوة السياسية المهيمنة في البلاد. ومع ذلك، لا تزال حالة من عدم اليقين السياسي تكتنف المشهد في ميانمار؛ إذ اتسعت تدريجيًا رقعة المشاركة في الاحتجاجات، لكن الجيش اكتسب نفوذًا أكبر مما كان عليه منذ عقد.

وبحسب ما يختم التقرير، فعلى الرغم من الدعم القومي الذي يحظى به الجيش في بعض الأوساط، فإن بوذية ميانمار ليست كتلة واحدة متجانسة؛ إذ احتج الرهبان أيضًا ضد الانقلاب. وكذلك كان للرهبان البوذيين من أتباع التقاليد غير العنيفة، الذين اضطلعوا بدور ريادي خلال حركة الاستقلال، دورًا فاعلًا في تخفيف قبضة الحكم العسكري خلال ثورة الزعفران في عام 2007، وكذلك تحدثوا صراحة ضد العنف الذي يستهدف المسلمين. ويُشكل تجاور المقاومة غير العنيفة مع الاضطهاد، والديمقراطية مع الاستبداد، والتسامح البوذي مع نزعة القومية البوذية؛ الأسس التي تُبنى عليها إعادة تعريف الهوية الوطنية لميانمار.

دولي

منذ 9 شهور
«فورين بوليسي»: هل تدعم الصين انقلاب ميانمار؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد