الصراعات القائمة بين النخبة الحاكمة في ميانمار والتنظيمات المسلَّحة العِرقية تسكب مزيدًا من الوقود على نار فتنة الحرب الأهلية.

نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية تحليلًا كتبه لوكاس مايرز، وهو مشارك في إعداد برنامج آسيا في مركز ويلسون والذي يركز على تحليل السياسات والثقافة والقضايا الخاصة بمنطقة آسيا، سلَّط فيه الضوء على إمكانية اندلاع حرب أهلية في ميانمار في خضم الصراعات الجارية بين جيش مينامار أو جيش «التاتماداو» والتنظيمات المسلَّحة العِرقية.

 هل تكون التنظيمات المسلحة في ميانمار مفتاح الاستقرار؟

وفي مستهل تحليله، أشار الكاتب إلى أن استقرار ميانمار، منذ الانقلاب العسكري الذي وقع في الأول من فبراير (شباط)، سرعان ما تزعزع وتحوَّلت البلاد إلى ساحة للاحتجاجات العارمة وأعمال العنف العشوائي. وبحسب رابطة مساعدة السجناء السياسيين، وهي إحدى مجموعات المراقبة والرصد، قُتِل ما لا يقل عن 614 متظاهرًا واعتُقل قرابة 2857 شخص حتى تاريخ 8 أبريل (نيسان). ويبدو أن جيش ميانمار، والذي يُطلق عليه اسم جيش «التاتماداو»، ليس لديه استعداد للتراجع على الرغم من الضغوط الدولية المتزايدة ضده.

Embed from Getty Images

يقول الكاتب: وبغض النظر عن الاحتجاجات التي تملأ مدن ميانمار، لكن الدور الذي تختار «التنظيمات المسلَّحة العِرقية في ميانمار (EAOs)» أن تلعبه يمكن أن يُصبح مفتاحًا لاستقرار البلاد على المدى البعيد. وكما حذَّر مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى ميانمار، قد ينزلق الوضع إلى حرب أهلية شاملة سيكون لها آثار وتداعيات عميقة ليس على شعب ميانمار فحسب، ولكن على الاستقرار الإقليمي كذلك.

وأوضح الكاتب قائلًا: إن ميانمار تعاني منذ حصولها على الاستقلال من أعمال العنف المستمرة بين الأقليات العِرقية في ميانمار والأغلبية البوذية «بامار». وعانت مجموعات الأقليات العِرقية المختلفة في البلاد – والتي تمثل نحو ثلث سكان البلاد – من التهميش، مما أدَّى إلى إنشاء قرابة 20 تنظيمًا من التنظيمات المسلَّحة العِرقية في ميانمار، والتي شنَّت أعمال تمرد متفرقة. والتنظيمات المسلَّحة العِرقية في ميانمار عبارة عن مجموعة متنوعة من المجموعات المتمردة، التي يتراوح حجمها من قوات صغيرة لا يزيد عددها عن مئات الأفراد إلى منظمات أكبر حجمًا تحشد عدة آلاف من المقاتلين المسلحين تسليحًا جيدًا. 

مظالم وإصلاحات بطيئة

ويزعم معظم التنظيمات المسلَّحة العِرقية في ميانمار أن هذه التنظيمات تُمثل مجموعات عِرقية معينة، والتي تجنِّد من خلالها مجنَّديها، لكن هناك تقارير تفيد بأن هذه التنظيمات تستخدم التجنيد الإجباري وأصبح تجنيد الأطفال شائعًا بين صفوفها. وتقع معظم هذه التنظيمات في المناطق الوعرة في ميانمار، وفي الدول الحدودية التي تهيمن عليها الأقليات العِرقية، وبعضها يحكم مناطق حكم ذاتي بحكم الأمر الواقع دون تدخل الحكومة المركزية، وتحصل على التمويل اللازم في أغلب الأحيان عن طريق الاتِّجار في المخدِّرات. وقد عانى جيش «التاتماداو» الأمَرَّيْن من أجل تحقيق انتصارات حاسمة على التنظيمات المسلَّحة العِرقية في ميانمار بسبب تضاريس البلاد الوعرة والنقص الدائم للتنمية، بالإضافة إلى مظالِمه التي تُغذِّي التمرد ضده.

ولفت الكاتب إلى أنه في الوقت الذي أصدرت فيه الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية، الحزب الحاكم سابقًا في البلاد، عدة تصريحات وبيانات بشأن معالجة مشاكل النظام الفيدرالي بعد التحوُّل الديمقراطي، وُجِّهت إلى الرابطة عدة اتِّهامات بشأن الإصلاحات التي تُنفَّذ ببطء. ومع ذلك، فإن مخاوف الأقليات العِرقية من الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية تتضاءل إذا ما قورنت بالقمع الذي عانوا منه في ظل حكم جيش «التاتماداو»، وهو ما يُفسِّر السبب وراء خروج الأقليات بأعداد غفيرة للتصويت لدعم الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020.

واستطرد الكاتب قائلًا: وقبل الانقلاب، حافظت التنظيمات المسلَّحة العِرقية في ميانمار على مجموعة متنوعة من الترتيبات مع الحكومة. إذ وقَّعت الحكومة وعدد من التنظيمات المسلَّحة العِرقية في ميانمار، وأبرزها «اتحاد كارين الوطني» القوي في عام 2015 على اتفاقية وقف إطلاق النار على الصعيد الوطني والانخراط في عملية سلام، وإن كان لم يحقق سوى قليل من التقدم. كما ظلت مجموعات متمردة أخرى خارج المجلس الوطني التأسيسي، لكنها وافقت على اتفاقية وقف إطلاق النار الثنائي. ويُعد «جيش ولاية وا المتحد (UWSA)» من أكبر هذه المجموعات المتمردة المشاركة في الصراع في البلاد وأكثرها قدرة والذي يحصل على أسلحة ودعم سري من جهات فاعلة محلية مستقلة في ولاية يونان الصينية، وحتى الوقت الراهن لم يزل جيش ولاية وا المتحد هادئًا بشأن الانقلاب (ربما بسبب النفوذ الصيني).

قتال دام عقد كامل

وأضاف الكاتب أن هناك تنظيمات مسلحة أخرى انخرطت على مدار العقد الماضي في نزاعات ومعارك منتظمة مع حكومة ميانمار، مثل جيش أراكان، وجيش استقلال ولاية كاشين، جيش تحالف ميانمار الوطني الديمقراطي، والجيش الوطني لتحرير تانج – الذين يُشكلون معًا التحالف الشمالي. وتستفيد هذه التنظيمات المسلحة أيضًا من الأسلحة الصينية (التي من المحتمل أن تأتي عبر جيش ولاية وا المتحد)، كما أنها تحافظ على علاقاتها الوثيقة نسبيًّا مع الصين. لكن في بعض الأحيان، ساد وقف إطلاق النار المؤقت بين تحالف الشمال وجيش «التاتماداو».

دولي

منذ شهرين
مترجم: هل تتعارض المصالح الأمريكية والصينية في إيران وميانمار فعلًا؟

وشدد الكاتب على أن الانقلاب الأخير كان سببًا أساسيًّا في تغيير هذا الوضع القائم. وتحرك جيش «التاتماداو» سريعًا لطمأنة مجموعات الأقليات العِرقية، التي من المفترض أن تكون قلِقة بشأن قواتها التي ستصبح محدودة. وفي البداية، التزمت بعض التنظيمات المسلَّحة في ميانمار الصمت في أعقاب الانقلاب، ومدَّ جيش «التاتماداو» للآخرين يده بأغصان الزيتون عن طريق شطب اسم جيش أراكان، أحد أبرز المجموعات المتمردة المسلحة، من قائمة المنظمات الإرهابية، بالإضافة إلى إنشاء لجان لصنع السلام. وفي الأيام الأولى بعد الانقلاب، بدا أن الموقِّعين على اتفاقية وقف إطلاق النار على الصعيد الوطني يلتزمون بالحياد، لكن سرعان ما علَّقت التنظيمات المسلَّحة المفاوضات مع جيش ميانمار في أواخر فبراير (شباط).

وتابع الكاتب موضحًا أن هناك حزبين سياسيين من الأقليات العِرقية، وهما حزب أراكان الوطني وحزب الوحدة الواحد، قد دَعَما استيلاء الجيش على السلطة، أو على الأقل رَضَخا للانقلاب. ووافق كلا الحزبين على الحصول على مقاعد في الهيئة الإدارية الجديدة للنظام الحاكم، لكن الأمر أثار جدلًا داخليًّا. ولم يحظَ تواصل جيش «التاتماداو» مع أحزاب الأقليات الأخرى بترحيب كبير. وانضم نائب رئيس حزب ولايات كاياه الديمقراطي إلى النظام، لكن قيادة الحزب طردته فيما بعد.

بوادر تثير المخاوف

وفي الوقت الراهن، تظهر بوادر مثيرة للقلق بشأن تجدد المعارك والقتال. إذ فتح اتحاد كارين الوطني، أحد الموقِّعين على المجلس الوطني التأسيسي، في إشارة واضحة إلى التصعيد، باب اللجوء أمام السياسيين الفارِّين من الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية، وشرع في تنفيذ عمليات عسكرية ضد جيش «التاتماداو»، واستولى على نقطة تفتيش على طول الحدود مع الصين. وردًا على ذلك شن جيش «التاتماداو» غارات جوية. وفي شمال البلاد، هاجم جيش استقلال ولاية كاشين جيش «التاتماداو» ونقاط تابعة للشرطة. 

وفي الوقت نفسه أصدر كل من جيش أراكان والجيش الوطني لتحرير تانج وجيش تحالف ميانمار الوطني الديمقراطي بيانًا مشتركًا يفيد أنهم ربما يقفون إلى جانب المتظاهرين إذا واصل الجيش حملته. وفي إشارة إلى أن عملية السلام قد تنهار، كما طالبت المجموعات العشر الموقِّعة على اتفاقية وقف إطلاق النار علنًا بوقف عنف جيش «التاتماداو» وطالبوا بالمساءلة. وإذا انضم جيش أراكان، والجيش الوطني لتحرير تانج، وجيش تحالف ميانمار الوطني الديمقراطي، والموقِّعون الآخرون على اتفاقية وقف إطلاق النار، إلى اتحاد كارين الوطني وجيش استقلال ولاية كاشين في قتال مفتوح، فإن معظم ميانمار ستغرق في حرب أهلية.

ائتلاف مناهض للطغمة العسكرية الحاكمة

وأبرز الكاتب أن بعض المتظاهرين يُغازلون في الوقت الحالي بعض التنظيمات المسلَّحة لتوحيد قواها ومحاربة جيش «التاتماداو». وكانت حملة القمع التي شنَّها جيش «التاتماداو» بمثابة حافز لمحاولات تشكيل ائتلاف مناهض للحكم العسكري في ميانمار. وشكَّلت مجموعة من السياسيين المعزولين من الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية – المعروفة باسم اللجنة التي تمثل بييداونجسو هلوتاو (مجلسي السلطة التشريعية) – حكومة «وحدة وطنية» موازية. والأهم من ذلك، أن بييداونجسو هلوتاو يجمع الجهات الفاعلة في المجتمع المدني والسياسيين وبعض التنظيمات المسلحة، بالإضافة إلى أنه يتعهد بإلغاء دستور 2008، وإنشاء جيش اتحاد فيدرالي وتوفير قدر أكبر من الحكم الذاتي للبرلمانات الحكومية والإقليمية.

Embed from Getty Images

ويُرجِّح الكاتب أن يكون الهدف من هذه السياسات هو معالجة المخاوف القديمة للأقليات العِرقية بشأن عدم إحراز أي تقدم في النظام الفيدرالي. وعلاوةً على ذلك، بدأ بعض الناشطين المناهضين للانقلاب في بامار في إحصاء علني لحالات التهميش السابقة لمطالب الأقليات العِرقية وتجاهل محنة الروهينجا، وهو الأمر الذي قد يُعزز على الأرجح التضامن بين الجماعات العِرقية.

وباختصار يحاول بييداونجسو هلوتاو علانيةً إشراك التنظيمات المسلَّحة العِرقية في حركة المقاومة الخاصة به. وخلال مقابلة أجراها موقع إيراوادي مع ممثل بييداونجسو هلوتاو، أظهر فيها موافقة شديدة على احتمالية اندلاع حرب أهلية قائلًا: إن «شعب ميانمار، ومنهم الجيل زد (جيل الألفية الجديدة)، مصمم على الإطاحة بالنخب العسكرية، التي مارست الإرهاب ضد البلاد واستغلَّت مواردها لسنوات عديدة. وسوف تستخدم ثورة الربيع في ميانمار جميع الوسائل الممكنة، وإجابة السؤال القائل هل تتحول هذه الثورة إلى حرب أهلية تعتمد في الواقع على الجيش».

هل يتحمل جيش ميانمار القتال على جميع الجبهات؟

ونوَّه الكاتب أن جيش «التاتماداو» أعلن في 31 مارس (آذار)، بعد استشعاره الخطر، وقف إطلاق النار لمدة شهر من جانب واحد مع الجماعات التي لم تعارض حملته القمعية. ومع انتشار عديد من قوات النخبة وغيرها في المدن، فإن الجيش على الأرجح يرنو إلى سَحْق الاحتجاجات أولًا لتأكيد سيطرته دون الحاجة إلى حماية ظهره من خطر غير متوقع. ويُمكن أن يُؤدي التعاون الوثيق بين بييداونجسو هلوتاو والتنظيمات المسلَّحة العِرقية إلى التصدي للجيش على نحو خطير. وعلى الرغم من أن جيش «التاتماداو» عبارة عن قوة مسلحة تسليحًا جيدًا وتمتلك قدرة قتالية قوية، إلا أن القتال المتزامن في آن واحد على عدة جبهات في شمال البلاد وغربها، وشرقها، ووسطها، من شأنه أن يُحمِّل موارده فوق طاقتها.

وأكد الكاتب على أن جهود الحركة المناهضة للانقلاب لن يُكتَب لها النجاح. إذ على سبيل المثال، لا يبدو أن تحالف عموم التنظيمات المسلَّحة العِرقية الذي يضم جميع المجموعات لن ينظر في حل للصراعات الداخلية بينهم، فضلًا عن تأثير الصين على «جيش ولاية وا المتحد (UWSA)». وبالإضافة إلى ذلك، لم يزل من غير الواضح هل يتمتع بييداونجسو هلوتاو بالسلطة أو التأثير لتنفيذ مطالبه، وإلى أي مدى تُمثل هذه المطالب الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية أو حركات الاحتجاج. وكما رأينا مع حركة خوان جوايدو، زعيم المعارضة في فنزويلا، فإن الحكومة الموازية في المنفى، بغض النظر عن مدى شعبيتها أو شرعيتها، لا يمكنها أن تحقق ثورة ناجحة.

مخاوف اندلاع حرب أهلية

ويضيف الكاتب: وفي الوقت ذاته، إذا لم يُوقَف إطلاق النار من جانب واحد، أو لم يتكوَّن جيش فيدرالي حقيقي (أو حتى مُنسَّق شكليًّا)، أو لم يبدأ الناشطون المؤيدون للديمقراطية في تسليح أنفسهم بجدية، فمن المحتمل أن يؤدي ذلك إلى اندلاع حرب أهلية. وهناك بالفعل بعض البوادر المتصاعدة لممارسة المحتجين للعنف. وذكر الجيش في أواخر الشهر الماضي أنه ألقى القبض على بعض أعضاء الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية الذين كانوا يسعون للحصول على تدريبات تخص صناعة المتفجرات تحت إشراف التنظيمات المُسلَّحة العِرقية، وظهرت تقارير أخرى تفيد ممارسة بعض المتظاهرين المناهضين للانقلاب أعمال عنف ضد أهداف عسكرية باستخدام قنابل محلية الصنع.

Embed from Getty Images

وعلى الرغم من أرجحية صعوبة حصول المُحتجِّين على أعداد كبيرة من الأسلحة، يمكن أن تزودهم التنظيمات المُسلَّحة العِرقية بالأسلحة والتدريب، مع أن الوحدات العسكرية التابعة للوحدات الأقل ثباتًا من الناحية الأيديولوجية يمكنها أن تفر من الجندية، وهو ما أوضحه مؤخرًا بعض رجال الشرطة الذين يطلبون اللجوء في الهند ومجموعة من جنود جيش «التاتماداو» الذين أفادت تقارير أنهم انشقُّوا عن اتحاد كارين الوطني.

ويرى الكاتب أن هذا التصعيد قد يُمثِّل أسوأ السيناريوهات. ونظرًا لأن مينامار تتمتع بموقع محوري بين جنوب شرق آسيا وجنوب آسيا، يمكن أن يؤدي اندلاع حرب أهلية فيها إلى زعزعة استقرار المنطقة الأوسع نطاقًا. وعلى الصعيد الإقليمي، تمثِّل هذه التطورات أزمة شديدة لرابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) وهي المعتادة على عدم التدخُّل. وأعربت تايلاند، التي امتنعت في الغالب عن توجيه أي انتقادات، الأسبوع الماضي عن «قلقها البالغ» بشأن ممارسة أعمال عنف. ومع عبور اللاجئين الحدود بالفعل، ربما تشير هذه الانتقادات الجديدة إلى خوفٍ حقيقيٍ في تايلاند من انهيار ميانمار.

وانضمت فيتنام أيضًا إلى دعوة جميع الأطراف إلى وقف ممارسة العنف ضد المدنيين. وتواجه بنجلاديش صعوبات بالفعل في استضافة أكثر من 742 ألف لاجئ من الروهينجا. كما تخشى الهند أيضًا على الأرجح من اندلاع أزمة لاجئين. وفيما يخص الجهات الفاعلة خارج المنطقة، لا يمكن الاضطلاع بدور كبير على الأرجح. ولم يكن للدبلوماسية الدولية أو العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة والبلدان الغربية الأخرى سوى فعالية محدودة.

مزيد من التعقيد

ويؤكد الكاتب أن الصين تضيف مزيدًا من التعقيد إلى الموقف في ميانمار. وكانت السلطات الصينية (أي الجهات الفاعلة المحلية المتمركزة في ولاية يونان الصينية على وجه التحديد) قد شاركت في عملية السلام وفي دعم التنظيمات المُسلَّحة العِرقية على طول الحدود، في حين أنها تعمل أيضًا باعتبارها الداعم الدولي الرئيس للحكومة المركزية في ميانمار. وفي الوقت ذاته، لا يثق جيش «التاتماداو» في التدخُّل الواسع للصين على الرغم من إدراكه أنه لا يمكنه التخلي تمامًا عن الصين؛ المدافع الدولي عنه.

ونظرًا لقلقها الواضح بشأن احتمالية زعزعة الاستقرار في ميانمار، أعربت الصين عن استيائها من حالة عدم الاستقرار في نايبيداو، ولكنها ظلَّت غير راغبة في اتخاذ موقف مناهض للجيش خشية أن يُقوِّض مصالحها الأساسية الثلاثة، وهي: الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، وحماية الصينيين الذين يعيشون في ميانمار، وتنفيذ مشروع الممر الاقتصادي بين الصين وميانمار الذي بلغت تكلفته مليارات الدولارات. وفي صورة مُصغَّرة لهذا التوازن الدقيق، وصفت وسائل الإعلام الحكومية الصينية الانقلاب في البداية باعتباره «تعديلًا وزاريًّا كبيرًا».

وفي الأساس يُعرِّض عدم الاستقرار في ميانمار مصالح الصين للخطر. وقد أسفرت الصراعات السابقة بين التنظيمات المُسلَّحة العِرقية وجيش «التاتماداو» عن مقتل مواطنين صينيين، ما أدَّى إلى تدفقات اللاجئين. ويُلقي كثير من المُحتجِّين باللوم على الصين بسبب دعمها للانقلاب العسكري، ما دفعهم إلى استهداف الاستثمارات الصينية. ووفقًا لتقرير داخلي مُسرَّب، حضَّ مسؤولون صينيون جيش «التاتماداو» على بذلِ مزيدٍ من الجهود من أجل حماية الاستثمارات الصينية. وظهرت تقارير في أوائل أبريل تفيد بأن الصين نقلت قوات جيش التحرير الشعبي إلى الحدود، فيما يبدو ظاهريًّا لحماية بِنْيتها التحتية في المنطقة، ولكن هذه الخطوة تشير إلى احتمالية تدخُّل عسكري مباشر على نحوٍ أكبر.

موقف الصين من الانقلاب قد يتغير!

ويشير الكاتب إلى أن موقف بكين الحالي المتمثل في قبول الانقلاب يمكن أن يتغير على مضض في حالة حدوث زعزعة خطيرة للاستقرار. وعلى الرغم من أن الصين عادةً ما تتجنب التدخلات الدولية، تشير عمليات الإخلاء في اليمن التي أجراها جيش التحرير الشعبي الصيني عام 2015 إلى أن الصين فكَّرت بجدية في إرسال طائرة من دون طيار من أجل اغتيال أحد مهرِّبي المخدرات في ميانمار في عام 2013، كما تُظهر جميع مشاركاتها المتزايدة في عمليات حفظ السلام ثقة متزايدة في اتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن مصالحها في الخارج.

دولي

منذ 3 شهور
60 قتيلًا.. حصاد انقلاب ميانمار بعد 38 يومًا بلغة الأرقام

وكما أشار مندوب الصين الدائم لدى الأمم المتحدة الأسبوع الماضي، على الرغم من مخاوفها المتزايدة، لا تزال بكين ترغب في تسوية الأزمة داخليًّا وترفض التدخل الدولي في هذا الوقت. ومع ذلك، ونظرًا لتاريخ الصين الذي يربطها بميانمار، يُعدُّ التدخل المباشر لجيش التحرير الشعبي في ميانمار أمرًا معقولًا نسبيًّا في حالة اندلاع حرب أهلية، ولكن من غير الواضح إلى أي جانب ستنحاز الصين.

ويمضي الكاتب قائلًا: وبعد أن باتت احتمالية وقوع مزيد من انتهاكات حقوق الإنسان وممارسة العنف السياسي شبه مؤكَّدة، وأصبح اندلاع حرب أهلية تؤدي إلى زعزعة الاستقرار يلوح في الأفق، من الطبيعي أن يبحث صُنَّاع السياسات عن خيارات. ومع ذلك، تكمن الحقيقة المؤلمة في أن الخيارات المتاحة أمام الجهات الفاعلة الخارجية تفتقر ببساطة إلى التأثير اللازم لتغيير حسابات جيش «التاتماداو» الداخلية. وفي الوقت الذي بدأت فيه الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي ونيوزيلندا جميعًا فَرْض عقوبات جديدة، تشير الأدلة إلى أن جيش «التاتماداو» يتقبل مخاطر نظام العقوبات الطويل الأمد.

إحجام عن فرض عقوبات

وعلاوةً على ذلك أبدى حليفان رئيسان للولايات المتحدة، وهما اليابان وأستراليا، إحجامهما عن فرض عقوبات من جانبِهما. والأهم من ذلك، هو أن التدخل العسكري من جانب الولايات المتحدة أصبح أمرًا مستبعدًا على الأرجح بعد فشلها الذريع في العراق وأفغانستان. وتمتلك التنظيمات المُسلَّحة العِرقية نفسها سجلات مثيرة للقلق في مجال حقوق الإنسان، ومن المرجَّح ألا يؤدي دعمها بالسلاح إلا إلى تفاقم أعمال العنف.

Embed from Getty Images

وحاولت الصين ورابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) على حدٍ سواء استخدام الدبلوماسية من أجل الوصول إلى نوعٍ من التسوية بين جيش «التاتماداو» والرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية، ولكن قيادة الانقلاب لم تُظهِر سوى قليل من الاهتمام بالمخاوف الدولية. ونظرًا إلى حجم العنف حتى الآن، من الصعب أن نتخيل أن جيش «التاتماداو» سيقرر الاستسلام فجأة. وفي الوقت الحالي، يمكن أن تركز الولايات المتحدة وحلفاؤها من ذوي التفكير المماثل على المساعدات الإنسانية ومواصلة الضغط، وإن كان ذلك لن يقود إلى أمل كبير في النجاح.

ويختتم الكاتب مقاله بالإشارة إلى أن الحرب الأهلية ليست حتمية، ولكن احتمالية وقوعها آخذة في الازدياد. وعلى الرغم من الجهود التي يبذلها جيش «التاتماداو» للوقيعة بين التنظيمات المُسلَّحة العِرقية واللجنة التي تُمثِّل الأعضاء المخلوعين في البرلمان، سيُمثِّل التنسيق بين هذه المجموعات تهديدًا خطيرًا لاستمرار قوة الجيش. ويدرك جيش ميانمار أنه تجاوز نقطة اللاعودة، ومن المرجَّح أن يبذل ما في وُسعِه من أجل البقاء في السلطة. ويبدو أن احتمالية اندلاع حرب أهلية والكارثة التي ستلقي بظلالها على شعب ميانمار والاستقرار الإقليمي ليست من الوقوع ببعيد.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد