يخلط قادة وزعماء عالميون وجهات دولية فاعلة ما بين «معاداة السامية» و«معاداة الصهيونية»، سواءً عن عمدٍ وسابق معرفة أو عن غير قصدٍ، ولهذا السبب يأتي مقال المحلل السياسي الأمريكي وبروفسور الصحافة والعلوم السياسية بيتر بينارت في صحيفة «الجارديان» ليبين حقيقة هذا الخلط والدوافع الكامنة وراءه، ويفنّد حجج من يحاولون وصمَ أيّ عملٍ أو رأيٍ مناهض للصهيونية باعتباره معادٍ للسامية.

مؤتمر «هرتسيليا» الأمني.. أوراق «إسرائيل» الخطيرة التي لا تقرأ عربيًا

ماكرون ينضمّ للركب

يستهلّ الكاتب مقاله بالإشارة لكون الوقت الحالي أصبح محيرًا ومُربكًا للشخص اليهودي، وذلك لتصاعد عداء السامية وفي نفس الوقت استجابة العديد من السياسيين لها ليس بحماية اليهود، بل بإيذاء الفلسطينيين.

في 16 فبراير (شباط)، وجه أعضاءٌ من حركة السترات الصفراء الفرنسية إهاناتٍ معادية للسامية للفيلسوف اليهودي الفرنسي البارز آلان فينكيلكروت. في 19 فبراير (شباط)، عُثر على صلبانٍ معقوفة (رمز النازية) على 80 شاهد قبر في منطقة ألزاس الفرنسية، وبعد ذلك بيومين كشف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن إجراءات جديدة لمحاربة معاداة السامية بعد تصريحه السابق بأن أوروبا تواجه عودة معاداة السامية بشكلٍ لم يُشهد مثله منذ الحرب العالمية الثانية.

من بين تلك الإجراءات تعريفٌ رسمي جديد لمعاداة السامية، وهو تعريفٌ أعده «التحالف الدولي من أجل ذكرى الهولوكوست» في عام 2016، يتضمن «أمثلةً معاصرة» على عداء السامية «ترفض منح الشعب اليهودي حقه في تقرير مصيره». وبعبارة أخرى، فإن معاداة الصهيونية هي عداوة لليهود. وبهذه الخطوة، انضم ماكرون إلى ألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة وحوالي 30 حكومة أخرى، ومثلهم ارتكب خطأ مأساويًا وفقًا للكاتب.

ليست معاداة الصهيونية معاداةً للسامية بحكم طبيعتها-وادعاء ذلك يستغل المعاناة اليهودية لمحو التجربة الفلسطينية. صحيح أن معاداة السامية تتزايد، وصحيحٌ وجوب محاربة قادة العالم لها بشراسة، لكن وكما يعبر عنها مفكر صهيوني: «ليست هذه هي الطريقة».

ليسا سواء

يعدد الكاتب ثلاث ركائز تستند إليها الحجة القائلة بكون معاداة الصهيونية بطبيعتها معاداة للسامية. الركيزة الأولى أن معارضة الصهيونية معاداة للسامية لكونها تنكر على اليهود ما يتمتع به كل شعب آخر: دولة خاصة بهم، وكما صرّح زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ الأمريكي تشاك شومر عام 2017: «فكرة أن جميع الشعوب الأخرى يمكن أن تسعى وتدافع عن حقها في تقرير المصير ولكن ليس لليهود ذلك هي معاداة السامية». أيضًا تصريح رئيس اللجنة اليهودية الأمريكية ديفيد هاريس في العام الماضي: «إنكار حق الشعب اليهودي –دونًا عن جميع شعوب الأرض- في حق تقرير المصير هو أمر تمييزي بكل تأكيد».

إن كان تقرير المصير الوطني حقًا ومطلبًا شرعيًا لليهود فلِماذا ينكرونه على الفلسطينيين؟

يردد الكاتب سؤاله مستنكرًا: جميع الشعوب على وجه الأرض؟ لا يملك الأكراد دولتهم الخاصة، ولا شعوب الباسك أو كاتالونيا أو أسكتلندا أو كشمير أو أبخازيا أو أوسيتيا أو لومبارديا أو إغبويا أو أورومو أو الإيغور أو تاميل أو كوبيك وكذلك حال العشرات من الشعوب الأخرى المؤسسة لحركاتٍ قومية ساعية لتقرير المصير لكنها أخفقت في تحقيق ذلك.

لكن لا أحد يقترح أن معارضة الأكراد أو الكاتالونيين يجعلك متعصبًا معاديًا للأكراد أو معاديًا للكتالونية. من المعترف به على نطاقٍ عالميّ واسع أن الدول القائمة على القومية العرقية –الدول المُنشأة لتمثيل وحماية مجموعة عرقية معينة- ليست هي الطريقة الشرعية الوحيدة لضمان النظام العام والحرية الفردية. في بعض الأحيان، يكون من الأفضل تعزيز القومية المدنية، القومية التي تستند إلى الحدود عوضًا عن التراث: لجعل الهوية الإسبانية شاملةً أكثر للكاتالونيين أو لجعل الهوية العرقية أكثر شمولًا للأكراد، بدلًا من تقويض تلك الدول متعددة الأعراق.

ستعتقد أن القادة اليهود سيفهمون هذا –يتابع الكاتب- ستعتقد ذلك لأن العديد من القادة اليهود المنادين بحق تقرير المصير الوطني باعتباره حقًا عامًا هم أنفسهم يشعرون بأريحية تامة لإنكاره على الفلسطينيين.

يطالب المؤيدون للصهيونية بحق إقامة دولة قوميةٍ لشعبهم، لكن أليس من الأفضل تعزيز القومية المدنية الشاملة لجميع عناصر ومشارب سكان الأرض المعنية؟ وإن كان تقرير المصير الوطني حقًا ومطلبًا شرعيًا لليهود فلِماذا ينكرونه على الفلسطينيين؟

مزاعم سلب الدولة من الإسرائيليين

الحجة الثانية التي يرتكز إليها ذلك الارتباط يوضح الكاتب أنها مجرد تنويع على الموضوع الأساسي: ربما ليس من التعصب معارضة سعي مجموعة بشريةٍ ما لإقامة دولة، ولكن من التعصب سلبها منهم بعد تحقيقها.

ومن ضمن ذلك ما احتج به بريت ستيفنز كاتب عمود في صحيفة نيويورك تايمز هذا الشهر بقوله: «الأمر مختلف عن المجادلة -في المحكمة الصورية للافتراضات التاريخية-  بأنه لم يكن على إسرائيل أن تظهر للوجود.

تظاهرة معادية للفلسطينيين  وللإسلام في تورنتو – كندا

إسرائيل الآن موطن لحوالي 9 ملايين مواطن، بهوية إسرائيلية متمايزة ومُفتخرٌ بها كما يكون الهولنديون هولنديين أو الدنماركيون دنماركيين. لا تقترح معاداة الصهيونية أي شيء أقل من استئصال تلك الهوية والتجريد السياسي لمن يعتز بها-.

لكنه ليس تعصبًا محاولة تحويل دولة قائمة على القومية العرقية إلى دولة قائمة على القومية المدنية لا تتمتع فيها أي مجموعة عرقية بامتيازات خاصة.

في القرن التاسع عشر، أنشأ الأفريكانيون (وهم الجنوب أفريقيين البيض المنحدرون من مستعمرين هولنديين وأوروبيين) عدة بلدانٍ مصممة خصيصًا لتحقيق سعيهم وراء تقرير المصير الوطني، بما في ذلك ترانسفال ودولة أورانج الحرة اللتان اندمجتا لاحقًا –عام 1909- مع مقاطعتين يهيمن عليهما البيض الناطقين باللغة الإنجليزية ليتشكل اتحاد جنوب أفريقيا (ومن ثم جمهورية جنوب أفريقيا)، وهو ما وفّر نوعًا من تقرير المصير الوطني للجنوب أفريقيين البيض.

لكن نسخة تقرير المصير هذه التي أقرتها ترانسفال ودولة أورانج الحرة وجنوب أفريقيا زمن الأبارتيد (الفصل العنصري) بها مشكلة كبيرة تتمثل باستبعادها ملايين السود الذين يعيشون في حدود تلك الدول.

تغير هذا الحال عام 1994، عند إنهاء نظام الفصل العنصري وتغيير القومية العرقية الأفريكانية والقومية العنصرية البيضاء إلى القومية المدنية الشاملة لجميع الناس من مختلف الأعراق والإثنيّات. رافق ذلك تدشين دستورٍ يضمن «حق شعب جنوب أفريقيا بأكمله في تقرير المصير». ذلك لم يكن تعصبًا، بل نقيضه.

لدى جنوب أفريقيا تجربة ناجحة –رغم كل ماضيها- بتغيير القومية العرقية العنصرية إلى قوميةٍ مدنية شاملة، وتدشين دستور يضمن حق شعب جنوب إفريقيا بأكمله في تقرير المصير

يشير الكاتب هنا إلى أنه لا يعتبر إسرائيل دولة يحكمها الأبارتيد أيضًا، لكن قوميتها العرقية تستثني الكثير من الأناس الخاضعين لسيطرتها.  يذكر ستيفنز الـ9 ملايين مواطن الذين تحتويهم إسرائيل، لكنه يُغفل ذكر الـ5 ملايين من غير المواطنين الذين تحتويهم أيضًا: وهم الفلسطينيون الذين يعيشون تحت السيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية وغزة محرومين من حقوقهم الأساسية في الدولة المهيمنة على حياتهم.

تمتنع إسرائيل عن منح هؤلاء الفلسطينيين الجنسية لأسباب عدة، أحدها حقيقة تصميمها دولةً يهودية مخصصة لحماية اليهود وتمثيلهم، ولذلك تريد الاحتفاظ بأغلبيةٍ يهودية وإعطاء 5 ملايين فلسطيني حق التصويت سيعرض ذلك للخطر. وحتى بين الملايين التسعة من المواطنين الإسرائيليين هنالك ما يقرب من مليوني شخص فلسطيني.

يقول ستيفنز إن الانقلاب على الصهيونية سيعني «تجريدًا سياسيًا» للإسرائيليين، لكن استطلاعات الرأي تدل على أن وجهة نظر معظم المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل تعاكس ذلك. بالنسبة لهم، تمثل الصهيونية شكلًا من أشكال التجريد السياسي: فهم يعيشون في دولة تُعطي امتيازاتها لليهود، وعليهم تحمل سياسة هجرة تسمح لأي يهودي في العالم بالحصول على جنسية إسرائيلية فورية، بالمقابل تجعل الهجرة الفلسطينية إلى إسرائيل شبه مستحيلة.

إنهم يعيشون في دولة يتحدث نشيدها الوطني عن «الروح اليهودية» وتظهر نجمة داوود على علمها وتستثني –بحكم التقاليد- الأحزاب الفلسطينية في إسرائيل من تحالفاتها الحاكمة. وصفت لجنة أنشأتها الحكومة الإسرائيلية نفسها عام 2003 «تعامل إسرائيل مع القطاع العربي» بأنه «قائم على التمييز».

طالما بقيت إسرائيل دولة يهودية، لا يمكن لأي مواطن فلسطيني إخبار أبنائه باحتمالية ترقيهم في المستقبل منصب رئيس الوزراء في البلد الذي يعيشون به. بهذه الطرق وغيرها تُنكر القومية العرقية الإسرائيلية –الصهيونية- المساواة مع غير اليهود الذين يعيشون تحت السيطرة الإسرائيلية نفسها.

ويذكر الكاتب حلّه المفضل بأن تصبح الضفة الغربية وغزة دولة فلسطينية، ما يمنح الفلسطينيين في تلك الأراضي مواطنة في بلدٍ قومي عرقي يخصهم (على أمل أن يكون ديمقراطيًا أيضًا). وكذلك إضفاء شمول أكبر على القومية العرقية في إسرائيل، عبر خطواتٍ متعددة منها إضافة مقطع يقرّ بتطلعات المواطنين الفلسطينيين في نشيد إسرائيل الوطني. لكن في عالم ما بعد الهولوكوست، حيث معاداة السامية ما زالت منتشرة انتشارًا مخيفًا، فإن الكاتب مهتم بإبقاء إسرائيل دولة لها التزام خاص بحماية اليهود.

عند إلقاء نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس خطابًا في الكنيست، طُرد النواب العرب لاحتجاجهم على قرار الولايات المتحدة بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.  

بيد أن السعي إلى تحويل القومية العرقية لإسرائيل إلى قومية وطنية ليس تعصبًا في حد ذاته كما يوضح الكاتب. في العام الماضي، قدم ثلاثة أعضاء فلسطينيون في الكنيست مشروع قانون لتحويل إسرائيل من دولة يهودية إلى «دولة لجميع مواطنيها».

وكما شرح النائب في الكنيست جمال زحالقة: «نحن لا ننكر إسرائيل ولا حقها في الوجود موطنًا لليهود. ببساطة نقول أنا نريد تأسيس وجود الدولة ليس على تفضيل اليهود، لكن على أسس المساواة.. ينبغي أن توجد الدولة في إطار المساواة، وليس في إطار التفضيل والغلبة».

قد يعترض المرء بأن محاولة الفلسطينيين إلغاء الدولة اليهودية داخل الحدود الإسرائيلية وفي الوقت نفسه الترويج لقيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية وغزة ضربٌ من النفاق. قد يسأل المرء أيضًا عن احتمالية سذاجة رؤية زحالقة للمساواة اليهودية والفلسطينية في دولة ما بعد الصهيونية بالنظر إلى وجود حركاتٍ فلسطينية قوية مثل حماس تنشد الهيمنة الإسلامية لا المساواة.

هذه انتقادات معقولة، لكن هل زحالقة وزملاؤه –مع ما يعانوه من تمييز هيكلي في دولة يهودية- معادون للسامية لأنهم يريدون تبديل الصهيونية إلى قومية وطنية تَعِدُ بالمساواة للناس من جميع مشاربهم العرقية والدينية؟ يجيب الكاتب بنفسه: بالتأكيد لا.

يبغضون اليهود ويحبون الصهيونية

هناك الحجة الثالثة والأخيرة لجدلية مساواة معاداة الصهيونية بمعاداة السامية، بكونهما ضمن العداوات المترافقة عادة، أو كما يكتب سيتفنز: «بالطبع التمييز النظري ممكن بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية، تمامًا كما يمكن نظريًا التمييز بين التفرقة والتمييز العنصري»، وهو يقصد أنه كما يكون أغلب الداعين إلى التفرقة والتمييز عنصريين أيضًا، فإن جميع مناهضي الصهيونية تقريبًا معادون للسامية أيضًا، ونادرًا ما تجد أحدهما دون الآخر.

لكن هذا الادعاء زائف عمليًا كما يحاجج الكاتب، ففي الحياة الواقعية لا تتقاطع معاداة الصهيونية دائمًا بمعاداة السامية. يسهل إيجاد معاداة السامية في أناسٍ أبعد ما يكونون عن معاداة الصهيونية، بل هم على النقيض يتبنونها بحماسة.

القصف الجوي الإسرائيلي على غزة – 2018

قبل قيام إسرائيل، روّج بعض قادة العالم وتبنوا مسألة الدولة اليهودية بقوة فقط لأنهم لا يريدون اليهود في بلادهم. على سبيل المثال، السياسي ووزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور، وقبل أن يعلن عام 1917 أن بريطانيا «تنظر بعين الرعاية إلى تأسيس وطن قومي في فلسطين للشعب اليهودي»،  دعم قانون الأجانب لعام 1905 الذي فرض قيودًا على الهجرة اليهودية إلى المملكة المتحدة.

وبعد عامين من وعد بلفور الشهير ذاك، قال بلفور أن الصهيونية «ستخفف المآسي طويلة الأمد في الحضارة الغربية الناجمة عن وجودها في وسط جسدها (يقصد وجود اليهود)، والذي اُعتبر غريبًا وحتى عدائيًا لأمدٍ طويل، لكن تعذر أيضًا طرده أو استيعابه».

يدعم بعض الزعماء والمسؤولون الصهيونية بحماسة شديدة، لكنهم في حقيقة أمرهم عنصريون ومعادون للسامية.. إنما إرادتهم في إنشاء دولةٍ لليهود ليتخلصوا منهم في بلادهم أو لمآرب أخرى تصبّ في مصالحهم الخاصة.

في ثلاثينيات القرن الماضي، تبنت الحكومة البولندية مسارًا مماثلًا. فالحزب الحاكم فيها –الذي استبعد اليهود- درّب المقاتلين الصهاينة في القواعد العسكرية البولندية. لماذا؟ لأنه أراد هجرة اليهود البولنديين، والدولة اليهودية ستأمن ملاذًا لهم ليذهبوا إليه.

تجد لمحاتٍ من الصهيونية المعادية للسامية هذه أيضًا بين بعض المسيحيين الأمريكيين من التوجه اليميني الودودين ليهود إسرائيل بدرجةٍ تفوق بكثير ودهم مع اليهود في الولايات المتحدة الأمريكية. عام 1980، قال جيري فالويل –وكان حليفًا مقربًا لرئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك مناحم بيجن- أن اليهود «يمكنهم كسب مالٍ بالصدفة أكثر مما يمكنك أنت عن قصد».

صرّح رئيس وزراء إسرائيل الحالي بنيامين نتنياهو عام 2005 بالتالي: «ليس لدينا في العالم كله صديقٌ أعظم من بات روبرتسون»-وهو بات روبرتسون نفسه الذي وصف قاضي القوات الجوية الأمريكية السابق مايكي واينستين بـ«الراديكالي اليهودي الصغير» لترويجه للحرية الدينية في الجيش الأمريكي.

أما الإعلامي جلين بيك الذي تعرض لانتقاداتِ رابطة مكافحة التشهير عام 2010 لوصفه جورج سوروس بكونه «محرّك الدمى» الذي «يريد تركيع أمريكا» و«جني أرباح فاحشة منا»، فقد سافر بعدها إلى القدس ليقيم مسيرة مؤيدة لإسرائيل هناك.

وفي عهدٍ أقرب، أقدم دونالد ترامب –الذي قال للائتلاف اليهودي الجمهوري عام 2015: «لن تدعموني لأني لا أريد أموالكم»-  على دعوة القس روبرت جفريس –والذي قال بذهاب اليهود للجحيم لعدم قبولهم المسيح- لإجراء صلاة في حفل افتتاح السفارة الأمريكية في القدس.

وفي عام 2017، أطلق ريتشارد سبنسر -الذي يهتف أمام جماهيره بالهتافات النازية- على نفسه لقب «الصهيوني الأبيض» الذي يعد إسرائيل نموذجًا للوطن الأبيض الذي ينشده في الولايات المتحدة الأمريكية.

كما يذكر الكاتب بعض الزعماء الأوروبيين المؤيدين لمعاداة السامية بصورةٍ سافرة – رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، وزعيم حزب الحرية النمساوي اليميني المتطرف هاينتس-كرستيان شتراخه، والسياسية المنتمية لحزب «البديل من أجل ألمانيا» بياتريكس فون شتورش المروّجة لأيام الرايخ الثالث– لكنهم مؤيدون للصهيونية علنيًا أيضًا (رغم معاداتهم الصارخة للسامية واليهود).

الحزب الشيوعي الإسرائيلي (راكاح).. ضد الصهيونية وتأييدًا لمجازر الأسد في حلب

منتمون لليهود لكن ضد الصهيونية

وكما توجد معاداة السامية منفصلة عن معاداة الصهيونية، توجد معاداة الصهيونية منفصلة أيضًا عن قرينتها المزعومة.

يذكر الكاتب أنموذجًا رئيسيًا على ذلك: طائفة ساتمار وهم أكبر جماعة حسيدية في العالم. احتشد 20 ألفًا من رجال ساتمار عام 2017 –وهو عدد يفوق حضور مؤتمر اللجنة الأمريكية الإسرائيلية لشؤون العلاقات العامة لذلك العام- لمسيرة في بروكلين تُظهر –على حدّ تعبير أحد المنظمين-: «أنه ينبغي ألا يكون ولا يمكن أن يكون هناك دولة إسرائيل قبل مجيء المشيح».

وفي العام الماضي، خطب حاخام ساتمار آرون تيتلباوم أمام الآلاف من أتباعه قائلًا: «سنواصل القتال في حرب الله ضد الصهيونية وجميع جوانبها». يعقب الكاتب: قل ما شئتَ قوله عن الحاخام تيتلباوم وعن الساتمار، لكنهم ليسوا معاديين للسامية قطعًا.

الحال مماثل مع الكاتب والسياسي الإسرائيلي أفراهام بورج، وهو متحدث سابق باسم الكنيست، وقد صرح عام 2018 بأن نمو المستوطنات في الضفة الغربية تسبب باستحالة تحقيق حلّ الدولتين، وبالتالي يجب على الإسرائيليين «تحييد النموذج الصهيوني، والانتقال إلى نموذج أكثر شمولًا. يجب على إسرائيل الانتماء لجميع سكانها، بما في ذلك العرب، وليس لليهود وحدهم». وقد اتبع تقدميون إسرائيليون آخرون مسارًا مماثلًا، بمن فيهم نائب رئيس بلدية القدس السابق ميرون بنڤينستي، وكاتب العمود في هآرتس جدعون لڤي ونشطاء حركة الاتحاد وغيرهم.

هل يمكن للمرء مساءلة مقترحاتهم؟ يجيب الكاتب: بالطبع، لكن هل هم معادون للسامية؟ بالطبع لا. لا شك أن هنالك مناهضين للصهيونية وهم في الحقيقة معادون للسامية، ويعدّ الكاتب أمثلة على ذلك: ديفيد دوك ولويس فرخان ومؤلفو ميثاق حماس 1988 وفقًا للكاتب، وكذلك البلطجية من حركة السترات الصفراء الفرنسية الذين لقّبوا فينكيلكروت بـ«الحثالة الصهيونية القذرة».

ينوّه الكاتب أنه في بعض الدوائر الانتخابية هناك نزعة بغيضة متنامية لاستخدام حقيقة انتماء العديد من اليهود للصهيونية (أو ببساطة افتراض أنهم صهيونيين) لمنعهم من المساحات التقدمية، وأولئك المهتمون بالسلامة الأخلاقية لليسار الأمريكي سيحاربون هذا التحامل لسنواتٍ قادمة.

لكن مع احتمال تصاعد معاداة السامية المعادية للصهيونية أيضًا، وكذلك الأمر مع معاداة السامية الصهيونية. وفي الولايات المتحدة الأمريكية على الأقل، ليس واضحًا إذا ما كان معادو الصهيونية سيأمنون ملاذًا أكبر للمواقف المعادية السامية من مؤيدي الدولة اليهودية.

في عام 2016، تحرّت رابطة مكافحة التشهير عن معاداة السامية عبر سؤال الأمريكيين عن مدى اتفاقهم مع عبارات معينة من قبيل «لدى اليهود سلطة كبيرة» و«لا يهتم اليهود بما يحدث لأي شخص سوى لمن ينتمي لنوعهم».

وجاءت النتائج لتدل على انتشار أكبر لمعاداة السامية بين كبار السن وذوي المستوى التعليمي المنخفض: «أغلب الأمريكيين المتعلمين جيدًا متحررون تحررًا ملحوظًا من وجهات النظر المتحيزة، في حين يزداد احتمال اعتناق الأمريكيين الأقل تعلمًا لوجهات نظر المعادية للسامية. العمر مؤشر قوي أيضًا على الميول المعادية للسامية. الأمريكيون الأصغر عمرًا –تقل أعمارهم عن 39 عامًا- أحرار أيضًا من وجهات النظر المتحيزة».

لكن في عام 2018، ظهر نمطٌ معاكس تمامًا عند إجراء مركز بيو للأبحاث استقصاء لمواقف الأمريكيين من إسرائيل: الأمريكيون الذين تجاوزوا سن 65 –الفئة ذاتها التي أظهرت معاداة أكبر للسامية سابقًا- أبدوا تعاطفًا شديدًا مع إسرائيل.

بالمقابل، أعرب الأمريكيون تحت عمر 30 سنة عن تعاطفٍ أقل مع إسرائيل. والحال نفسه يسري على التعليم، فالأمريكيون الحاصلون على شهادة ثانوية عامة أو أقل –الفئة الأكثر معاداةً للسامية- كانوا الأشد تأييدًا لإسرائيل، فيما انخفضت نسبة مناصرة إسرائيل بين الأمريكيين ذوي الشهادات العليا –أي الفئة الأقل معاداة للسامية-.

تؤكد الأدلة الإحصائية هذه ما يمكن أن يفهمه أي شخص يستمع إلى التعليق السياسي التقدمي والمحافظ على حد سواء: لدى التقدميين الأصغر سنًا نزعة عالمية واضحة، وهم يشككون في أي شكلٍ من أشكال القومية التي تبدو حصرية. هذه الشمولية تدفعهم إلى الشك في الصهيونية والقومية المسيحية البيضاء والتي يمكن أن تتحول أحيانًا إلى معاداة للسامية في الولايات المتحدة.

وبالمقابل، يخشى بعض أنصار ترامب الكبار في السن من العولمة المتجانسة ويعجبون بسعي إسرائيل للحفاظ على الهوية اليهودية في وقتٍ يتوقون فيه هم للحفاظ على الهوية المسيحية الأمريكية بطرقٍ تستبعد اليهود.

يتساءل الكاتب: إذا كانت معاداة السامية ومعاداة الصهيونية مختلفتين من الناحيتين المفاهيمية والعملية على حد سواء وغالبًا ما يعتنقهما أشخاصٌ مختلفون؛ لماذا يستجيب السياسيون –ماكرون مثلًا- لتصاعد معاداة السامية باعتبار معاداة الصهيونية شكلًا من أشكال التعصب؟ يعقب الكاتب: لأن هذا ما يريده منهم الزعماء اليهود الطائفيون في العديد من البلدان.

لصالح من هذا الخلط؟

إنه دافع مفهوم: دع الأشخاص المهددين بمعاداة السامية يحددونها. المشكلة أنه في العديد من البلدان يجمع الزعماء اليهود ما بين الدفاع عن المصالح اليهودية المحلية والدفاع عن الحكومة الإسرائيلية. كما تريد الحكومة الإسرائيلية وصم معاداة الصهيونية بالتعصب لأن ذلك كفيل بمساعدة إسرائيل بإعطائها حصانة لقتل حلّ الدولتين.

على مدى سنوات، حذر باراك أوباما وجون كيري من استمرار إسرائيل في النمو الاستيطاني في الضفة الغربية الذي سيجعل إقامة دولةٍ فلسطينية مستحيلًا، وبالتالي سيتوقف الفلسطينيون عن المطالبة بدولةٍ فلسطينية إلى جانب إسرائيل ليطالبوا عوضًا عن ذلك بدولةٍ واحدة -لا يهودية ولا فلسطينية- تمتد بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط وتحلّ محل إسرائيل.

ولذا تضمين معاداة الصهيونية ضمن تعريف معاداة السامية يقلل من هذا التهديد، لأنه يعني عند استجابة الفلسطينيين ومؤيديهم لنهاية حل الدولتين بالمطالبة بدولةٍ واحدة متساوية، سيصنفون في خانة المتعصبين من قبل بعض أقوى الحكومات في العالم. وهو ما سيمنح الحرية لإسرائيل لترسيخ نسختها الخاصة من الدولة الواحدة، والتي ستحرم فيها ملايين الفلسطينيين من حقوق الإنسان الأساسية.

ليس إسكات الفلسطينيين وسيلة فعالة لمحاربة تصاعد معاداة السامية، والتي يأتي الكثير منها من أشخاص لا يحبون الفلسطينيين ولا اليهود أساسًا.

لكن من الأهمية بمكان ملاحظة أن هذا الإسكات يقوّض الأساس الأخلاقي لتلك المعركة: ليست معاداة السامية خاطئة لأنها تشوّه صورة اليهود وتجرّدهم من إنسانيتهم، بل هي خاطئة لأن تشويه صورة أي شخص وتجريد أيّ شخص من إنسانيته أمر خاطئ.

وهو ما يعني في نهاية المطاف، أن أي جهدٍ أو عمل يكافح معاداة السامية لكنه يساهم في تشويه وتجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم ليس كفاحًا لمعاداة السامية على الإطلاق.

كيف يسيطر اليهود على اقتصاد العالم؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد