كتب ستيفن كوك مقالًا لصحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، في أعقاب الخلاف الأخير الذي نشب بين تركيا وهولندا يناقش فيه خمسًا من أهم الأساطير الشائعة عن تركيا. قال كوك:

نشب نزاع بين تركيا وهولندا الأسبوع الماضي ــ أدى إلى طرد دبلوماسيين ومنع آخرين ــ كان موضوعه عدم السماح بلقاء مسؤولين أتراك لمواطنيهم المغتربين في هولندا، في إطار حملة للترويج لدستور جديد غير ليبرالي. يقول كوك إنه على الرغم من أنًّ تركيا لطالما كانت حليفًا للغرب، وعلى الرغم من كل العلاقات الدبلوماسية والسياسية والعسكرية التي تربط الولايات المتحدة بتركيا، إلا أنَّ الأمريكيين يعرفون أقل القليل عنها. ويبدو أنَّ ما يعرفه الأمريكيون عن تركيا مبني على مفاهيم هشة إما أنها لم تكن دقيقة قط، وإما أنها لم تعد صحيحة بمر الأيام. ها هنا أهم خمس أساطير متعلقة بتركيا:

الأسطورة الأولى: تركيا دولة ديمقراطية

قال كوك إنَّ من الشائع الاعتقاد أنَّ تركيا قد أصبحت دولة سلطوية تحت حكم رجب طيب أردوغان. فقد نعى الكاتب التركي مصطفى أكيول «التحول السلطوي» في بلاده، في مقال افتتاحي كتبه في النيويورك تايمز عام 2015. بعد ذلك بعدة شهور، كتب أستاذ العلوم الاجتماعية، جايسون براونلي، في الصحيفة ذاتها عن «الانحدار السلطوي التركي».

ولكنّ الحقيقة أنَّ تركيا لم تكن قط ديمقراطية، على الرغم من حصولها على انتخابات تعددية حرة ونزيهة منذ عام 1946. فقد أطاحت القيادة العسكرية لتركيا بأربع حكومات لم تكن على هواها، وذلك بين عامي 1960، و1997. وأشرفت هيئة الأركان العامة على تغييرات دستورية معادية للديمقراطية، بما في ذلك دستور عام 1982، الذي كان غرضه حماية الدولة التركية من الشعب أكثر من ضمان الحقوق السياسية والمدنية. وخلع الجيش أول حكومة يقودها الإسلاميون، عام 1997، لأنَّ رئيس الوزراء رفض تطبيق أحكام قوَّضت من حرية التعبير، وأوهنت من استقلال الصحافة، وجرمت الفكر.

اقرأ أيضًا: «فورين بوليسي»: هل لا تزال تركيا ديمقراطية؟

عندما وصل حزب العدالة والتنمية، الذي ينتمي إليه أردوغان، إلى السلطة عام 2002، قلل من دور الجيش في السياسة، ووعد الأتراك بحريات سياسية، وصعّب من إلغاء الأحزاب السياسية وحظر السياسيين. لكنَّ القادة الأتراك سرعان ما بدؤوا في التخلي عن الإصلاحات، واستعمل أردوغان، على مدى العقد الأخير، البيروقراطية في تقويض خصومه السياسيين وإعادة إحياء شيء أشبه ما يكون بمحاكم أمن الدولة التي كانت حكومته قد ألغتها من قبل.

الأسطورة الثانية: رئيس تركيا ديكتاتور

أشرف أردوغان، منذ محاولة الانقلاب الفاشلة عليه في شهر يوليو (تموز) الماضي، على حملة تطهير غير مسبوقة شملت حوالي 200 ألف شخص من ضباط شرطة، وأكاديميين وبيروقراطيين. نعتت منافذ إعلامية مثل دير شبيجل، والإندبندنت، والجارديان، والتليجراف، والنيوزويك، وهافينجتون بوست، والنيويوركر، أردوغانَ بالديكتاتور. وتبنى أردوغان نفسه هذا النعت حين قال: «لو قال الغرب عن واحد إنه ديكتاتور، فإنَّ هذا، من وجهة نظري، أمر جيد».

ومع ذلك، فإنَّ أردوغان، الذي شغل منصب رئيس الوزراء منذ 2003 حتى 2014، ليصبح بعد ذلك رئيسًا للدولة، له علاقة أكثر تعقيدًا بالمواطنين الأتراك من الديكتاتوريين التافهين مثل الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي، أو الرئيس السوري بشار الأسد. فقد فاز حزب العدالة والتنمية في 10 انتخابات متتالية لأنَّ أردوغان نفذ ما وعد به. أصبح الأتراك أغنى، وأفضل صحة، وأكثر قدرة على الحركة من أي وقت مضى.

لقد جعل أردوغان من الممكن للأتراك استكشاف هوياتهم الدينية بطرق لم تكن مسموحة لهم من قبل تحت الحكومات السابقة. بالنسبة لمؤيديه، فإنَّ فترة تولي أردوغان لمنصبه تمثل ثورة في مجال الحقوق والحريات الفردية. صار مسموحًا للنساء الأتراك أن يرتدين الحجاب في أماكن كانت محظورة عليهنَّ من قبل. صار من الآمن للأتراك المتدينين المشاركة في السياسة. لو كانت نتائج الانتخابات تحمل أية دلالة، فإنَّ نصف الناخبين الأتراك تقريبًا لا يحبون أردوغان لفساده وغطرسته وانتزاعه للسلطة، في حين أنَّ النصف الآخر يوقرونه بسبب الحريات التي أتاحها لهم.

الأسطورة الثالثة: تركيا دولة علمانية

قال كوك إنَّ المعلقين على الشأن التركي عادة ما يذكرون «علمانية تركيا» أو الجيش التركي «شديد العلمانية» وهو الأمر الذي يوحي بمجموعة من الأفكار المضللة.

وقال إنَّ تركيا لم تكن علمانية قط، بالطريقة التي يفكر فيها الأمريكيون في العلمانية، مجسدة في المادة التأسيسية في التعديل الدستوري الأول، التي تحرم على الكونجرس إصدار قوانين تُعيِّن دينًا للدولة، أو تحد من حرية ممارسة أي شخص لدينه. أما في تركيا، فلطالما تحكمت الحكومة في التعبير عن المعتقدات الدينية في المجال العام. هناك جهاز حكومي بأكمله مكرس لإنتاج التفسيرات الدينية المقبولة حكوميًا. بل إنَّ القادة الأتراك يستخدمون الدين للترويج لأجنداتهم السياسية. حزب العدالة والتنمية الحاكم حزب إسلامي. وعندما حاولت جماعات معارضة الالتفاف على الحزب من خلال استخدام الرئيس السابق لمنظمة التعاون الإسلامي لخوض الانتخابات ضد أردوغان عام 2014، فشلوا، جزئيًا، لأنَّ أردوغان ينظر إليه بالفعل على أنه متدين حقًا.

حتى الجيش التركي، الذي يفترض أنه معقل العلمانية، مرتبط بالإسلام بعمق. بعد انقلاب 1980، انغمس المجلس العسكري الذي حكم البلاد في نوبة من بناء المساجد في البلاد، وأدخل الدين في المنهج التعليمي للدولة. ولطالما تفاخر صاحب هذه الفكرة، الجنرال كنعان إفرين، بحفظه للقرآن. تم هذا بناء على الاعتقاد بأنَّ الدين سوف ينزع السياسة من المجتمع بعد عقد من الاستقطاب السياسي المكثف.

الأسطورة الرابعة: تركيا لديها مشكلة كردية

قال كوك إنَّّ من العسير أن تقرأ أي شيء عن تركيا دون إشارة إلى «مشكلتها الكردية». الأكراد أقلية لا تشارك الأغلبية في أساطيرها العرقية القومية حول هيمنة الجماعة العرقية التركية. ولم تؤد الحرب، التي استمرت عقودًا بين الحكومة وحزب العمال الكردستاني، إلا إلى تعزيز الفكرة القائلة إنَّ ثمة مشكلة مع الأكراد.

ولكنَّ الحقيقة أنَّ الأغلبية العظمى من الأكراد، الذين يمثلون 20٪ من السكان، يعتبرون أنفسهم أتراكًا. مشكلة أنقرة مع حزب العمال الكردستاني ومع فصيل منتمٍ لهذه المجموعة يدعى صقور حرية كردستان. كان حزب العمال الكردستاني بالأساس مجموعة ماركسية انفصالية تربطها روابط مع الاتحاد السوفيتي، وبدأت شن الحرب ضد تركيا عام 1984. قتل ما بين 30 إلى 40 ألفًا، خلال هذه الفترة التي استمرت 33 عامًا. ومؤخرًا، أعلنت مجموعة صقور حرية كردستان أيضًا مسؤوليتها عن عدد من الهجمات وقعت في أنقرة وإسطنبول. واستجابت الحكومة التركية باستخدام كامل قوتها العسكرية والشرطية لسحق هذا التمرد منخفض المستوى جنوب شرقي البلاد. هذا العنف المروع لم يسحب، حتى الآن، عموم السكان الأكراد.

لا شك في أنَّ الأكراد قد عانوا. أنكرت قوميتهم، ولغتهم وثقافتهم لسنوات. لكن حتى مع ذلك، فإنَّ الكثير من أكراد تركيا البالغ عددهم 15 مليونًا، مندمجون جيدًا في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية للبلاد. كان رئيس وزراء تركيا في التسعينيات، والذي أصبح رئيسًا في أوائل التسعينيات، تورجوت أوزال، من أصول كردية، كما هو الحال مع نائب رئيس الوزراء الحالي ميميت سيمسك. ويعتمد حزب العدالة والتنمية على أصوات الدائرة الانتخابية الكردية، وليس على الأكراد المتدينين فحسب. واستثمر حزب العدالة والتنمية في جنوب شرق البلاد ذو الأغلبية الكردية، وساعد تأكيد الحزب على القيم الدينية، والتضامن بين المسلمين في تجفيف الدعم الذي يحظى به حزب العمال الكردستاني. هذه المجموعة لا يمكن أن يقال بمثل هذه الطريقة التبسيطية إنها تمثل الأكراد.

الأسطورة الخامسة: تركيا قوة قديمة

قال كوك إنَّ المحللين عندما يكتبون عن الشرق الأوسط، فإنهم عادة ما يضعون تركيا إلى جانب مصر وإيران باعتبارهم دولًا ذات تاريخ ما قبل استعماري. ذلك أنَّ هذه الدول كلها ورثة حضارات عظيمة، بخلاف بعض الدول المختلقة في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى مثل الأردن، وسوريا، والعراق.

وصحيح أنَّ الأوروبيين لم يستحضروا تركيا برسمها على خريطة، لكنَّها نتيجة خيال رجل واحد: مصطفى كمال، المعروف بأتاتورك، أو أبو الترك. خلق أتاتورك دولة عرقية قومية حيث لم توجد دولة بهذه المواصفات قط، في قلب ما كان يعرف بالإمبراطورية العثمانية متعددة العرقيات والثقافات. من أجل أن ينجح أتاتورك ومساعدوه، كان عليهم أن يغيروا قيم وولاءات سكان الأناضول. غمر أتاتورك مشروع بنائه لدولته، ذات الأغلبية المسلمة الموالية للقادة الذين يستمدون شرعيتهم السياسية والدينية من الإسلام، بأساطير حول العرق واللغة التركيتين، والرابط بين الأتراك والأرض.

وكذا، كان على سكان الأناضول، بدءًا من لحظة إنشاء الجمهورية عام 1923، أن يصبحوا أتراكًا، مخلصين لدولة قومية تستمد هيبتها وسلطتها من تركيتها وتمسكها بمثلها التقدمية والعلم، وهو الأمر الذي حفز إصلاحات أوائل الحقبة الجمهورية، بما في ذلك إلغاء الأبجدية العثمانية، وتحديد ما يرتديه الأتراك، وتقويض الدين باعتباره مصدرًا للسلطة. ومع ذلك، فقد فشلت الكثير من هذه الإجراءات في أن تترسخ في عقول كل الأتراك، لذا فقد اعتمد تطبيقها على استخدام القوة والإجبار.

خلال العقود التسعة الأخيرة، طور الأتراك نوعًا من الشعور بالهوية التركية. لكنَّ هذا قابل للزعزعة والتشرذم بطرق أكثر شيوعًا، بحكم العادة، في أجزاء أخرى من الشرق الأوسط. وهذا بالضبط هو السبب الذي من أجله تعد فكرة الاستقلال الثقافي الكردي، أو الاعتراف بأنَّ قتل مليون ونصف مليون أرميني في الأناضول عام 1915 كان تطهيرًا عرقيًا، أمر حساس في الخطاب السياسي التركي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد