سمَّتني أمي «أميت» تيمنًا بممثل بوليوود الشهير، أميتاب باتشان، النجم الدمث الذي برز في السينما الهندية في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وبالطبع، فُقِدت هذه الخلفية تمامًا لدى زملائي في المدرسة في الجزء الجنوبي من إنجلترا في أوائل القرن الحادي والعشرين.

وعندما تكون في ذلك العمر، فإن أي ملمح اختلاف فيك يُصبح مصدر حرج عميق، وكونك تحظى باسم أجنبي، فهذا يجعلك مُجبرًا على مزيج من التغاضي عن النطق الخاطئ لاسمك أو تصحيحه في بعض الأحيان، أو الحرج من تصحيحه (هناك مَنْ يُخطِئ في نطق اسْمَي أمير أو أحمد حتى الآن، والطريقة التي أنطق بها اسمي لمَنْ هم مِن غير عائلتي ليست صحيحة تمامًا).

بهذا استهل أميت كاتوالا، الكاتب والمحرر في موقع «وايرد» البريطاني، قصته مع اسمه في تقريره الذي نشره موقع «وايرد» الأمريكي نقلًا عن الموقع البريطاني، والذي تناول فيه التمييز على أساس الاسم وأثر ذلك في حياة كثيرين، لا سيما الجانب التعليمي والوظيفي منها.

اسمك هو جواز سفرك نحو العالم

يواصل الكاتب: لكنك تتطور مع اسمك على ما أظن، والآن ومع تقدمي في السن، بدأت أقدِّر التفرد النسبي له، وسواء أعجبك اسمك أم لا فهو الرمز الذي تقدمه للعالم (علامتك التجارية الشخصية)، وهو أيضًا مصدر للمعلومات عنك؛ «فالأسماء تُرسل إشارات تفسر مَنْ نحن وما هي أصولنا»، وقد تكون هذه الإشارات مزعجة، كما كتبت ماريا كونيكوفا في مجلة «نيويوركر».

علوم

منذ سنتين
«الإنسان خُلق للشقاء».. كيف فسّرت الشعوب المختلفة قصة خلق الكون؟

وفي الأول من أغسطس (آب)، اتَّهم حمزة يوسف، وزير الصحة في أسكتلندا، حضانة ليتل سكالرز في مدينة دندي الأسكتلندية بالتمييز ضد ابنته الصغيرة على أساس اسمها؛ فعندما أرسلت زوجته نادية النكلة رسالة بريد إلكتروني إلى الحضانة للاستفسار عن وجود أماكن متبقية لابنتهما «أمل» البالغة من العمر عامين، جاء الرد بأنه لا يوجد أماكن متوفرة، ولكن صديقًا يحمل اسمًا أكثر دلالة على البيض أرسل بريدًا إلكترونيًّا في اليوم التالي وعُرض عليه الاختيار بين ثلاثة خيارات بعد الظهر وجولة في الحضانة للتعرف إليها.

وحدثت استفسارات مشابهة من صحافي يتَّبع أسلوبًا مشابهًا وكانت النتيجة نفسها؛ حُرِم الوالد الوهمي الذي يحمل اسمًا إسلاميًّا من الحصول على مكان في هذه الحضانة، بينما أُعطي أصحاب الأسماء الخاصة بالبيض خيارات ومعلومات حول كيفية التسجيل.

التمييز على أساس الاسم حقيقة واقعة

ربما من السهل تجاهل هذا الأمر واعتباره حادثة منفردة، لكن الأمر ليس كذلك؛ فقد وجدت عقود من الدراسات والأبحاث أن التمييز على أساس الاسم في التعليم والتوظيف أمر حقيقي للغاية.

Embed from Getty Images

ووجدت دراسة صُممت بذكاء في الولايات المتحدة أن المرشحين الذين يحملون أسماءً تُشير إلى أنهم من السود يحتاجون إلى ثماني سنوات إضافية من الخبرة للحصول على استدعاء للمقابلة من أولئك الذين يحملون أسماءً تُشير إلى أنهم من البيض، ووجدت أبحاث مماثلة على مدى عقود الأثر نفسه.

يقول الكاتب: لقد وجدتُ قصة حمزة يوسف مقلقة للغاية، فأنا أبلغ من العمر 33 عامًا أي أصغر منه ببضع سنوات، وأنا وزوجتي على وشك شراء منزل مشترك. وكنت مهووسًا بالتركيبة السكانية للمناطق التي كنا نتطلع للانتقال إليها، في محاولة لتمهيد الطريق أمام أطفالنا المستقبليين، ولكن ربما كان يجدر بي أن أقضي الوقت في ابتكار أسماء تبدو إنجليزية أكثر لتسميتهم بها.

جعلتني تجربة يوسف أُفكر لأول مرة في حياتي في اسمي والأثر الذي تركه في شخصيتي ومسار حياتي المهنية، هل كنت سأكون شخصًا مختلفًا تمامًا لو حملت اسمًا مختلفًا؟ وكم عدد الأبواب التي أُغلقت في وجهي دون أن أعلم ذلك؟ هل يُفسد اسمي حياتي؟

التمييز لا يزال سمة المجتمعات

يشير التقرير إلى أن أحدث عمل حول هذا الأمر هو استطلاع «جي إي إم إم» (GEMM)، وهو دراسة ميدانية مدتها خمس سنوات شملت خمس دول؛ حيث تقدم الباحثون بطلب للحصول على آلاف الوظائف الحقيقية باستخدام مزيج من الأسماء المختلفة. ويرمز (GEMM) إلى النمو وتكافؤ الفرص والهجرة والأسواق. وكانت نتائج هذه الدراسة مروِّعة؛ إذ احتاجت الأقليات العِرقية إلى إرسال طلبات أكثر بنسبة 60% لتحصل على عدد مكافئ من دعوات المقابلة التي حصلت عليها الأغلبية البيضاء.

وأردف الكاتب: كنتُ أعتقد أن كوني أنتمي إلى مجموعة مُمَثَّلة جيدًا في البلاد (بريطانيون آسيويون) وأعيش في مدينة متنوعة نسبيًّا مثل لندن، فهذا من شأنه أن يحميني من هذه التأثيرات السيئة، ولكن العكس هو الصحيح، ويبدو أن البلدان ذات التاريخ الطويل في هجرة أبناء المستعمرات السابقة إليها لديها معدلات أعلى من التمييز، وكان أصحاب العمل البريطانيون هم الأكثر تمييزًا في الدراسة، والتي تناولت أيضًا النرويج وألمانيا وإسبانيا وهولندا. تقول فالنتينا دي ستاسيو، الأستاذة المساعدة في جامعة أوتريخت في هولندا، والتي شاركت في البحث: « لقد فوجئنا قليلًا بذلك، ففي بريطانيا النسبة مرتفعة جدًّا وفقًا للمعايير الدولية».

وكان التأثير هو نفسه في البلدان المختلفة وفي الوظائف المتنوعة بدءًا من وظائف البرمجيات التي تتطلب مهارة عالية إلى وظائف خدمة العملاء. وفي بريطانيا، كان هناك تسلسل هرمي واضح ومحبط من حيث المجموعات العِرقية المفضلة في سوق العمل: حصلت الأسماء التي تشير إلى أن الشخص من البيض على معظم الردود، ثم الأسماء الأوروبية الغربية، تلتها الأسماء الأوروبية الشرقية، ثم الآسيوية، ثم الشرق أوسطية، وأخيرًا الأفريقية.

Embed from Getty Images

ويضيف الكاتب: تمكنت فالنتينا وزملاؤها من إجراء موازنة بين البيانات البريطانية وبين دراسة مماثلة أجريت في ستينيات القرن الماضي عندما وصل أجدادي وآبائي إلى هذا البلد وواجهوا الإساءة والعداء الصريح من بعض جيرانهم، تقول فالنتينا: «وجدنا أن مستوى التمييز الذي واجهه الباكستانيون والأشخاص من جنوب آسيا قويًّا اليوم، تمامًا كما كان عليه الأمر في نهاية الستينيات، من حيث مستوى التمييز الذي يواجهه المتقدمون بطلبات توظيف».

ويبدو في ظاهر الأمر أن المجتمع تطور منذ ذلك الحين، ولكن ربما يكون التمييز قد تحول من شيء واضح تراه وأنت تنظر عبر نافذتك إلى شيء أكثر مراوغة وانتشارًا، وفي المستقبل، يمكن لخوارزميات التوظيف المدربة على قرارات بشرية متحيزة أن تطيل أمد التمييز وتبقيه لعقود قادمة.

صعوبة نطق الأسماء.. تحدٍّ آخر في وجه الأعراق الأخرى

يوضح الكاتب: كنتُ أود أن أعرف الدوافع وراء هذه الظاهرة؛ لذا تحدثت مع سونيا كانج، الأستاذ المشارك في جامعة تورنتو في كندا التي أجرت بحثًا مكثفًا حول التمييز على أساس الاسم. تقول سونيا: «لا أعتقد أنها عنصرية نشطة حقًّا»، مشيرة بدلًا من ذلك إلى العمليات الخفية والأشياء الأخرى مثل بساطة نطق الأسماء. وأضافت: «إذا رأى مدير التوظيف اسمًا لا يعرف كيف يُنطق، فربما يقول لم أرغب في نطق اسمه بطريقة خاطئة لذا تخطيته إلى الاسم التالي».

ومع أن عديدًا من الشركات تدَّعي أنها تتبنى التنوع، فإن هذا لا يُحدث فرقًا في الممارسة العملية، وربما لن يحدث ذلك حتى تعكس التركيبة السكانية للأشخاص الذين يتخذون قرارات التوظيف البلد ككل. ووجدت سونيا أن الشركات التي تضع بيانات حول التنوع على مواقعها الإلكترونية مثل غيرها تميِّز ضد المرشحين ذوي الأسماء الأخرى غير البيضاء، بل ربما تزيد الأمر سوءًا في حق مرشحي الأقليات العِرقية الذين يمكن أن «يخدعهم الشعور الزائف بالأمان».

ولا يقتصر التمييز على أساس الاسم على العِرق فقط؛ فقد وجد باحثون من جامعة سيراكيوز في نيويورك أن أسماء الإناث كانت تُصنَّف على أنها أقل كفاءة، بينما صُنِّفت أسماء الذكور على أنها أقل حماسة، ويُنظر إلى السيدات ذوات الأسماء الرقيقة مثل صوفي على أنهن أكثر جاذبية، وأما فيما يخص أسماء الرجال، فتلك الأسماء القصيرة والحادة مثل جاك كانت تُعد أكثر جاذبية، بينما عومل الأشخاص الذين يحملون أسماءً قديمة على نحو مختلف.

Embed from Getty Images

ويمكن أن يساعد التوظيف دون ظهور الأسماء، خاصة في المراحل الأولى، على استقبال طلبات التوظيف، ولكن بحث سونيا وجد أن هناك دلالات أخرى حول العرق والدين التي تظهر في السيرة الذاتية للمتقدم قد تُعرقل فرصه، وقد يزيد التطوع في الكنيسة التي بجوارك من فرصك في الحصول على الوظيفة، بينما التطوع في مسجد الحي ربما لا يفعل ذلك، والتوظيف الأفقي هو نهج آخر ربما يكون مفيدًا؛ فبدلًا من النظر في كل سيرة ذاتية على حدة، يمكن موازنتها قسمًا قسمًا وتسجيل نقاط المترشحين في كل قسم قبل الخروج بنتيجة إجمالية تكون أقل تأثرًا بتفاصيلهم الشخصية.

تمييز يصعب إثباته على المستوى الشخصي

يلفت الكاتب إلى أنه شخصيًّا يعتقد أن أحد أصعب الأمور التي تخص سوق العمل، هو عدم معرفة الدور الذي يمكن أن يؤديه التمييز، هل رُفض طلبك لعدم امتلاكك الخبرة الكافية؟ أم أُهمل طلبك لأنهم لم يزعجوا أنفسهم في تعلم النطق الصحيح لاسمك؟ تقول فالنتينا: «من الصعب جدًّا أن تُثبت التمييز على المستوى الفردي؛ لذلك لا يتم الإبلاغ عن هذه الحالات».

وأعرف أشخاصًا لجأوا إلى إرسال طلباتهم باسم مستعار من أسماء البيض، ولكن هذا نادرًا ما كان يؤدي إلى نتائج مرضية؛ إذ إن هناك عديدًا من المتغيرات، فأنت بحاجة إلى نطاق بحث أكاديمي لترى حقًّا ما الذي يحدث. وأرسلت سونيا وزملاؤها 16 ألف طلب توظيف في إطار بحثهم، وحالة يوسف غير عادية من حيث إنه وزوجته حصلوا تقريبًا على دليل دامغ، فهو الآن بصدد رفع دعوى قضائية ضد الحضانة التي تنفي ارتكاب أي مخالفة.

كل هذا يعني أنه من الصعب تحديد التأثير الذي أحدثه اسمي في حياتي على وجه الدقة. لا، لم يُفسد حياتي؛ فأنا أعمل في وظيفة جيدة في مدينة رائعة وأعمل شيئًا أحبه وأستمتع به، ومع ذلك، من الصعب أن لا تفكر في الأمر وتسأل نفسك كيف كانت ستبدو الحياة لآدم بدلًا من أميت.

وربما كان من الصعب علي أن أحصل على وظيفة في البداية، فأتذكر أنني لم أكن قادرًا على اكتساب أي خبرة عملية عندما بدأت في الكتابة للشركات وأنا في الخامسة عشرة من عمري، بينما حصل زملائي على وظائف في مكاتب المحاماة وفي الصحف، وربما كان سينتهي بي الأمر إلى أن أكون في وظيفة مختلفة تمامًا، أو أكثر أو أقل نجاحًا من وظيفتي الحالية.

Embed from Getty Images

تقول سونيا: «هناك فرز يحدث طوال حياتك، وهذا النوع من العوائق يظهر لك مرارًا وتكرارًا»، هل تعامل معي أساتذتي على نحو مختلف لأنهم لم يتمكنوا من نطق اسمي نطقًا صحيحًا؟ هل لعب التمييز دورًا في الحضانة التي ذهبتُ إليها؟ أو الأصدقاء الذين كوَّنتهم أو الدرجات التي حصلت عليها؟ لن نعرف أبدًا.

حلول المهاجرين لتخطي مشكلات التمييز على أساس الاسم

من الصعب أن نفصل بين التمييز على أساس الاسم والعنصرية الصريحة؛ إذ وجدَ بحثٌ أُجري في السويد أن المهاجرين الذين تبنوا أسماءً تشبه الأسماء الإسكندنافية حققوا نتائج أفضل من أولئك الذين احتفظوا بأسمائهم الأصلية؛ زادت دخولهم بنسبة 26% في المتوسط (يكلِّف تغيير الاسم في المملكة المتحدة 18 جنيهًا إسترلينيًّا).

لايف ستايل

منذ سنة واحدة
5 حكايات عن علامات الحظ السعيد في الثقافات المختلفة

وهناك قليل من الأبحاث التي أُجريت على الدور الذي يلعبه الاسم الأول، لكن بعض الدراسات تشير إلى أن خلط أسماء أولى تبدو غربية مع إبقاء اسم العائلة الأجنبي «لا يكفي للقضاء على التمييز»، وفقًا لسونيا.

ويمكن للأسماء أن تفتح أبوابًا ويمكن أن تغلقها، وهذا هو السبب في أن بعض البلدان لديها قائمة بالأسماء المحظورة، ففي إيطاليا على سبيل المثال، من غير القانوني أن تسمي ابنك أدولف هتلر، أو أسامة بن لادن، أو جوي تريبياني، بينما تنشر نيوزيلندا كل عام قائمة بالأسماء التي رُفضت لأسباب مختلفة.

وهذا هو السبب في أن بعض الأشخاص يلجأون إلى تغيير أسمائهم بالكامل تسهيلًا لشق طريقهم في تلك البلاد، سواء كان ذلك بإضفاء سمة إنجليزية على الاسم الأول، أو اختصار الاسم الأول لجعله أسهل على الألسنة الغربية، أو التخلي عنه تمامًا واعتماد اسم جديد كليًّا.

ويختم الكاتب بالقول: في الواقع، حتى أميتاب باتشان، نجم بوليوود الذي سُميت تيمنًا به، لا يستخدم الاسم الذي سُمي به عند الولادة؛ إذ كان اسمه أميتاب شريفاستافا، ثم غيَّر والده اسم العائلة عندما كان الممثل صبيًّا خوفًا من أن يحول لقب العائلة الذي كان من أسماء «الطبقة الدنيا» دون التحاق ابنه بالمدرسة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد