إسلام كفافي
إسلام كفافي

1,270

نستأنف في هذه الترجمة الجزء الثاني والأخير من مقال الصحافية والسياسية الأمريكية ناعومي كلاين، حول أوجه استفادة رجال الحكومة في أمريكا من الكوارث والأزمات التي وقعت في سنوات ماضية، وركزت خصوصًا على مايك بينس، وهو نائب الرئيس ترامب، تقول كلاين:

هنالك نائب الرئيس ترامب «مايك بينس» الذي شوهد من قبل العديدين كواحد من كبار الزوار في غرفة ترامب الفوضوية، ومع ذلك من هو بينس؟ إنه المحافظ السابق لولاية إنديانا، وهو في الحقيقة صاحب المسار الأكثر إثارة للقلق حينما يتعلق الأمر باستغلال المعاناة الإنسانية.

حينما تم إعلان مايك بينس كمرشح لمنصب نائب الرئيس ترامب، قلت لنفسي: أنا أعرف هذا الاسم، لقد رأيته في مكان ما، لقد كان في قلب واحدة من أكثر الحوادث الصادمة التي قمت بتغطيتها صحفيًا، لقد كانت الرأسمالية الكارثية متاحة للجميع بالمجان عقب إعصار كاترينا وغرق نيو أورليانز، عمل مايك بينس كانتهازي يستغل المعاناة البشرية التي تستحق استكشافها بشكل أكثر عمقًا، ذلك لأنهم يخبروننا كثيرًا عما يمكن أن نتوقعه من هذه الإدارة في أوقات الأزمات المتفاقمة.

اقرأ أيضًا: نعومى كلاين: ما لا تعرفه عن عقيدة الصدمة.. كيف تستفيد السلطة من الأزمات؟ (2-1)

قبل أن نبدأ بالخوض في دور بينس، ما هي أهمية تذكّر إعصار كاترينا على الرغم من أنه يصنف عادة كـ«كارثة طبيعية»؟

ذلك لأنه لم يكن هناك أي شيء طبيعي ضمن الآثار التي أصابت نيو أورليانز بعد الإعصار، حينما ضرب إعصار كاترينا ساحل الميسيسبي في أغسطس (آب) 2005، انخفض تصنيفه من الدرجة الخامسة (إعصار عنيف) إلى الدرجة الثالثة (إعصار قوي)، لكنه بمرور الوقت اتخذ طريقه نحو نيو أورليانز وحينها فقد معظم قوته ثم تحول إلى عاصفة استوائية.

* إعصار الدرجة الخامسة هو إعصار عنيف وتكون سرعة الرياح فيه من 251 كيلو متر إلى 330 كيلو متر في الساعة، ويؤدي إلى اقتلاع المنازل والمباني من الأرض.

* إعصار الدرجة الثالثة هو إعصار قوي تكون سرعة الرياح فيه من 181 -210 كيلومتر في الساعة، ويؤدي إلى اقتلاع الأشجار الضخمة وانقلاب السيارات وتحطم واجهات المنازل. أما العاصفة الاستوائية هى عاصفة تتميز بعدد كبير من العواصف الرعدية التي تؤدي إلى رياح قوية وأمطار غزيرة وفيضانات.

هل يبدو ذلك ذا صلة؟ بالطبع لأنه لم يكن من الوارد أن تخترق العاصفة الاستوائية دفاعات الفيضان (مثل السدود والقنوات)، لكن كاترينا فعلها، لأن السدود التي تحمي المدينة لم تتحمل المواجهة، نحن الآن قد عرفنا أنه برغم تكرار التحذيرات المتتالية عن الخطر، إلا أن الفيلق الكبير من المهندسين الموجودين في الولاية تركوا السدود في حالة مزرية، وقد كان ذلك الفشل ناتجًا عن عاملين رئيسين:

أولهما، كان التجاهل المتعمد لحياة الفقراء السود الذين يعيشون في الولاية، أولئك الذين تقع منازلهم في النطاق التاسع المُعرض للخطر بالفشل في إصلاح السدود. كان ذلك ضمن إهمال أوسع شمل البنية التحتية العامة المترتبة بدورها على عقود من السياسات النيوليبرالية.

ذلك لأنك حينما تريد أن تشن حربًا ممنهجة على الصالح العام ستترك الأعمدة العامة المملوكة للقطاع العام (الطرق، الكباري، السدود، محطات المياه) تنزلق في حالة من الإهمال والخراب، لدفعهم إلى نقطة ما بعد الانهيار، حينما تقوم بتخفيض الضرائب بشكل كبير حينها لن يكون لديك ما تنفقه على أي شيء بجوار الجيش والشرطة، إن هذا ما يحدث فعلًا.

ثانيًا، لم تكن البنية التحتية فقط هي التي فشلت في خدمة العامة، خصوصًا السكان الفقراء المتواجدين في عديد من المدن الأمريكية، والذين يتمثل غالبيتهم في الأفارقة السود حاملي الجنسية الأمريكية، لكن حتى النظم الإنسانية لمواجهة الكوارث فشلت – السقوط الثاني العظيم.

كانت هيئات الحكومة الفيدرالية المُكلفة بالتحرك في أوقات الأزمات الوطنية، مثل (وكالة إدارة الطوارئ الفيدرالية) وحكومات الولايات وإدارات البلدية، كلها كانت تلعب دورًا جوهريًا في خطط الإخلاء والتحرك السريع، كل مستويات الإدارة الحكومية فشلت.

احتاجت وكالة إدارة الطوارئ الفيدرالية إلى خمسة أيام لإحضار الطعام والماء إلى الناس المحتاجين بشكل عاجل لتوفير ملاجئ لهم.

كانت الصور الأكثر رعبًا لأسر تقطعت بهم السبل يجلسون فوق أسطح المنازل والمستشفيات، يحملون لافتات كُتب عليها «النجدة»، يرون الطائرات الهليكوبتر تحلق فوقهم، ساعد الناس بعضهم البعض قدر المستطاع، قاموا بإنقاذ بعضهم البعض في القوارب وزوارق النجاة، قاموا بإطعام بعضهم البعض، أظهروا القدرة البشرية الجميلة على التضامن في لحظات الأزمة بشكل كبير، لكن المستويات الرسمية كانت على العكس تمامًا، لازلت أذكر كلمات «كورتيس محمد» المنسق الدائم لهيئة حقوق الإنسان بولاية نيوأورليانز، حينما قال تلك الحقيقة: «اقتنعنا أنه ليس لدينا من يراعوننا».

تلك الطريقة من التخلي عن الناس كانت غير عادلة، بالإضافة إلى تلك الانقسامات التي ظهرت على طول المسار، العديد من المتواجدين كانت لديهم القدرة على مغادرة المدينة على نفقتهم الخاصة، والقيادة باتجاه فندق جيد والاتصال بوكلاء التأمين، آخرون بقوا لاعتقادهم أن الدفاعات المُجهزة ضد العاصفة ستقوم بدورها، وآخرون بقوا لأنه لم يكن لديهم اختيار، لم يكن لديهم سيارات أو كانوا عاجزين عن القيادة، أو ببساطة لا يعرفون كيف يفعلون ذلك، هؤلاء هم الذين كانوا في حاجة لعمليات الإجلاء والإغاثة، وكانوا سيئي الحظ.

اقرأ أيضًا: «ڤوكس»: إرغام السلطة على الاستجابة للجماهير.. 4 خطوات هي دليلك لاحتجاج ناجح

كان المتروكون في المدينة، دون طعام أو شراب، هم الذين في حاجة إلى المعونات التي قد يقدمها أي إنسان في هذه الظروف، حصل هؤلاء على المؤن من الأسواق المحلية. «فوكس نيوز» وباقى وسائل الإعلام ركزوا على ذلك لتقديم سكان نيوأورليانز بصفتهم لصوصًا خطرين، وأن هؤلاء سيقومون بغزو مناطق البيض، وسيحاصرون الضواحى والمدن، كانت كل المباني مُلونة برسالة «اللصوص سوف يتم قتلهم».

تم إعداد نقاط التفتيش للقبض على الخارجين من المناطق الغارقة بالفيضان، عند كوبري «دانزيجر» قام رجال الشرطة بقتل السكان السود في وضح النهار، في نهاية المطاف اعترف خمسة من الضباط بالجريمة، وفي النهاية قام عمدة نيوأورليانز بتسوية مع العائلات المتضررة بقيمة 13.3 مليون دولار، في الوقت نفسه كانت عصابات البيض المسلحة تطوف الشوارع بحثًا لاصطياد السود وقتلهم، كما ذكر الصحافي الاستقصائي أ.س طومسون.

كنت في نيوأورليانز في وقت الفيضان ورأيت بنفسي الحماسة التي يبديها قوات الشرطة والجيش – دون الإشارة لقوات الحرس الخاص القادمين من شركات مثل «بلاك ووتر» على سبيل المثال الذين كانوا قد انتهت مهماتهم للتو في العراق – شعرت كثيرًا أننا في منطقة حرب بصحبة الفقراء والسود الملقين جانبًا، والذين كانت تهمتهم الوحيدة هي محاولة البقاء أحياءً.

وبمرور الوقت وصلت قوات الحرس الوطني لإخلاء المدينة وقامت بذلك بدرجة من العنف والازدراء لم تكن مفهومة بالنسبة لي. وجه الجنود أسلحتهم نحو السكان حتى يستقلوا الحافلات، دون الإعلان عن الوجهة التي سيذهبون إليها، أما الأطفال فغالبًا ما كان يفصل بينهم وبين آبائهم.

وعلى نفس المنوال أعلن ريتشارد بيكر عضو الكونجرس الجمهوري عن لوسيانا قائلًا: «لقد قمنا أخيرًا بتنظيف المساكن العامة في نيوأورليانز، لم نستطع فعل ذلك لكن الله فعل»، في إشارة للتخلص من السود الذين يسكنون المساكن العامة التي توفرها الدولة لمحدودى الدخل الذين هم في هذه الحالة من الفقراء والسود.

كنت متواجدة في مأوى بالقرب من «باتون روج» -عاصمة ولاية لويزيانا وثاني أكبر مدنها – حينما أدلى بيكر بذلك التصريح، وكان الناس الذين تحدثت معهم قد شعروا حقًا بالغرق عند سماع ذلك، تخيل أن تُجبر على ترك منزلك والنوم في سرير التخييم، وأن تنام بالقرب من مركز المؤتمرات في الساحة الكبيرة، ثم تجد الناس، الذين من المفترض أنهم يمثلونك، يعلنون أنهم ممتنون للتدخل «الإلهي»، يبدو أن الله عند هؤلاء يحب التطورات الشاقة.

حصل بيكر على التنظيف الذي أراده للمنازل العامة، بعد العاصفة بأشهر كان سكان نيوأورليانز بآرائهم غير المريحة وثقافتهم الغنية، أمام الآلاف من الوحدات السكنية التي لحقها دمار جزئي؛ لأنها على أراضٍ مرتفعة، رأوها وقد دُمرت تمامًا، وتم إبدالهم بشقق ومنازل قروية في أماكن بعيدة تمامًا عن تلك التي كانوا يقطنوها.

ثم دخل مايك بينس القصة، في ذلك الوقت ضرب إعصار كاترينا نيوأورليانز كان بينس رئيس أكبر مركز إعداد دراسات تابع للحزب الجمهوري (RSC)، وهو المركز الذي يجمع عددًا من صناع القوانين المحافظين.

في 15 سبتمبر (أيلول)، بعد تصدع السدود فقط بـ15 يومًا فقط، وهنالك أجزاء من ولاية نيوأورليانز كانت ما تزال غارقة في مياه الفيضان، عقد RSC اجتماعًا مصيريًا في مكاتب هيئة التراث في واشنطن، وتحت قيادة بينس أعدت المجموعة عددًا من أفكار السوق الحرة المناسبة لمواجهة أثار الإعصار وارتفاع أسعار الغاز.

32 سياسة إغاثة مزيفة، هذا جملة ما تم وضعه، كل واحدة منها جاءت من كتاب رأسماليات الكوارث مباشرة. تضم القائمة توصيات بتعليق التزام المقاولين الاتحاديين بدفع أجور المعيشة وجعل المناطق التي تأثرت بشكل كامل، مناطق خالية من المشاريع، ثم إلغاء كل اللوائح البيئية التقليدية التي تعرقل عمليات البناء، بعبارة أخرى الحرب على أحد أنواع الروتين التي تحافظ على المجتمعات آمنة من الأذى.

اعتمد الرئيس بوش عدد من التوصيات في أسبوع واحد، بالرغم من أنه في النهاية – تحت الضغوط – اضطر إلى إعادة معايير العمل. من بين التوصيات الأخرى التي تم تقديمها هي إعطاء الآباء قسائم نقدية لاستخدامها في المدارس الخاصة والمستأجرة – المدارس المدعومة بالأرباح المحققة من الضرائب – وصارت التحركات تمامًا وفق الرؤية المحددة التي شاهدناها في اختيار ترامب لوزيرة التعليم بيتسي دافوس، في خلال عام واحد تحول نظام التعليم في مدارس نيوأورليانز إلى النظام الأكثر خصخصة في الولايات المتحدة.

اقرأ أيضًا: السلطة والسخرية.. لماذا يخشى الحكَّام من الكوميديا؟

وهناك المزيد أيضًا، وعلى الرغم من أن علماء المناخ قد ربطوا بشكل كبير كثافة الأعاصير وزيادتها بارتفاع درجة حرارة المحيطات، إلا أن ذلك لم يمنع بينس ولجنته من المطالبة بشكل مستمر في الكونجرس بإلغاء اللوائح البيئية على ساحل الخليج لإعطاء التراخيص لمصافي الغاز الجديدة، وشركة «Green Light international» للحفر في نطاق المؤسسة الأمريكية للأسماك والحياة البرية، الواقعة في شمال شرق ولاية ألاسكا.

إن ذلك ضرب من الجنون، فبعد ذلك، ستكون هذه التدابير هي السبيل المؤكد لزيادة انبعاثات الغاز، إن التدخلات البشرية التي أدت إلى التغير الحراري هي التي قادتنا إلى هذه العواصف الشرسة، ومع ذلك فإن كل هذه الإجراءات دعمها بينس كما اعتمدها من قبل الرئيس بوش تحت ستار مواجهة الإعصار المدمر.

إعصار كاترينا تحول إلى كارثة في نيوأورليانز بسبب مزيج من التقلبات الجوية الشديدة التي من الممكن أن تكون مرتبطة بالتغيرات المناخية، وأيضًا البنية التحتية الضعيفة والمُهملة.

إن ما يسمى بالحلول التي وضعتها مجموعة بينس هى في الحقيقة مما يزيد من تفاقم أزمة تغير المناخ وتهالك البنية التحتية، إنه هو وزميله «اقتصاديات السوق الحر» يتخذا طريقًا نحو المزيد من أعاصير كاترينا في المستقبل، والأن مايك بينس في منصب يسمح له بتعميم رؤيته على كامل الولايات المتحدة.

مباشرة بعد العاصفة، كانت «عصابة» المقاولين التي نزلت على بغداد بعد اندلاع الحرب (بكتل، فلور، هاليبرتون، بلاك ووتر، CH2M Hill، باسونس)، للقيام بأعمال سيئة السمعة في العراق، الآن قد وصلوا إلى نيوأورليانز. لقد كانت لديهم رؤية موحدة، وهي إثبات أن هذه الخدمات المخصخصة التي قدمتها الشركات في العراق وأفغانستان يمكن أن يكون لها مكان في السوق المحلي الأمريكي وجمع عقود بدون مناقصات بلغت قيمتها 3.4 مليار دولار.

كان الجدل والنزاع في قمته، على سبيل المثال الشركة التي تعاقدت معها الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ بـ5.2 مليون دولار لإصلاح معسكر العاملين في الطوارئ في «سانت برنارد باريش»، وهي إحدى ضواحي نيوأورليانز، فإن المعسكر لم يكتمل بناؤه في الموعد المحدد، بل لم يكتمل من الأساس، بعد التحقيق ظهر أن المقاول «منارة الإغاثة من الكوارث» هي في الحقيقة «جماعة دينية»، وصرح مديرها باستور جاري هيلدرث قائلًا: «إن أقرب مهمة قمنا بها مشابهة لهذا الأمر هو تنظيم معسكر للشباب مع كنيستي».

بعد كل هذه الطبقات من المقاولين من الباطن لم يتبق في الحقيقة أي نوع من الأعمال للعامة ليقوموا بها.

وقد تتبع الكاتب مايك دايفس الطريقة التي دفعت بها الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ 175 دولارًا لكل قدم مربع، من أجل تغطية الأسطح التالفة بالأقمشة الزرقاء، على الرغم من أن الأقمشة نفسها قد وضعت من قبِل الحكومة، وفي الحال حصل كل المقاولين من الباطن على حصتهم، العاملين الذين قاموا بالعمل بالأساس حصل كل منهم على 2 دولار فقط عن كل قدم مربع.

ومن أجل تعويض عشرات المليارات التي ذهبت للشركات الخاصة في العقود والإعفاءات الضريبية، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2005 أعلن المؤتمر الذي يسيطر عليه الجمهوريون أنهم في حاجة لاقتطاع 40 مليار دولار من الموازنة الفيدرالية، وكان من ضمن البرامج التي تم تخفيض ميزانيتها «إعانات الطلاب التعليمية والصحة والطعام».

لذلك فإن أفقر الناس في أمريكا دعموا المقاول «بونانزا» مرتين: عندما تحولت مشاريع الإغاثة بعد كاترينا إلى الشركات الخاصة التي لا توفر وظائف لائقة ولا خدمات عامة. وثانيها، حينما اقتطعت البرامج القليلة التي تساعد العاطلين ومحدودي الدخل لدفع هذه الفواتير المتضخمة.

إن نيوأورليانز هو مخطط الرأسمالية الكارثية المصممة بواسطة النائب الحالي لرئيس الجمهورية وهيئة التراث، لقد كان ذلك مركز التفكير الذي اعتمد عليه ترامب في ترتيب ميزانية إدارته.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك