يصوِّر عدد كبير من أشهر اللوحات الفنية الخاصة بالإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت بيد واحدة ويد أخرى مخفية عن الأنظار. ولكن لماذا؟ كان هذا المظهر المميز شائعًا فقط على اللوحات القماشية، كما يشير جوني ويلكس.

نشرت مجلة «هيستوري إكسترا» التابعة لـ«هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)» تقريرًا أعدَّه جوناثان ويلكس الكاتب بالمجلة، تحدَّث فيه عن الأسرار الكامنة وراء إخفاء الإمبراطور الفرنسي الأسبق نابليون بونابرت إحدى يديه في أشهر لوحاته الفنية، مؤكدًا أن هذا الوضع يرمز إلى الشجاعة الرجولية الممزوجة بالتواضع، وأن إخفاء اليد في القميص أصبح وضعًا شائعًا في اللوحات باعتباره رمزًا لِنُبل رجل الدولة وانضباطه خلال القرنين الثامن والتاسع عشر.

ما سر المظهر الخارجي لنابليون؟

يستهل الكاتب تقريره بالقول: اسأل مجموعة من الناس أن يصفوا مظهر نابليون بونابرت الخارجي وما الهدف من وراء هذا المظهر وسيخبرونك بأمرين اثنين، وهما: أنه كان قصيرًا، قصيرًا للغاية لدرجة أن رسَّامي الكاريكاتير البريطانيين المعاصرين كانوا سعداء بتصويره باعتباره شخصًا بحجم القزم يُدعى «ليتل بوني»، وأنه كان دائمًا ما يتجوَّل واضعًا يده اليمنى بين أزرار قميصه أو معطفه أو سُترته.

تاريخ

منذ شهر
نابليون في طلب أوروبا.. صعود وسقوط الإمبراطورية الفرنسية في عهد نابليون

وربما يضيفون شيئًا عن قُبَّعته ونظرته المتذمِّرَة بعد هزيمته في معركة واترلو (آخر المعارك التي خاضها نابليون عام 1815 وهُزم فيها هزيمة غير مُتوقَّعة لقائد يمتلك خبرات مثل خبراته).

وظهر هذا الوضع المُميز بالتأكيد في العديد من لوحات الإمبراطور الفنية بغض النظر عمَّا كان يفعله، بداية من الوقوف بكرامة هادئة في غرفة مكتبه، وصولًا إلى الانسحاب من حملته الروسية الكارثية. وهناك ادِّعاءات – لم تستند إلى أدلة – تفيد أن نابليون أخفى يده لأنها شُوِّهَت أثناء خوض المعارك. وهناك رأي آخر يقول إنه كان يستمر في الضغط على معدته للتخفيف من آلامه المزمنة، وهو ما يبدو منطقيًّا على الأقل؛ لأنه يُعتقد أنه أُصيب بسرطان المعدة عام 1821.

هل فقد نابليون يده؟

ويستدرك كاتب التقرير: ولكنَّ الحقيقة التي تقبع خلف هذا المظهر لا علاقة لها بنابليون على الإطلاق، بل إنه يتعلَّق بفن رسم الأشخاص في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ولا غرو فقد أصبح إخفاء اليد في القميص وضعًا شائعًا في اللوحات باعتباره رمزًا لِنُبل رجل الدولة وانضباطه.

ووفقًا لكتاب صدر عام 1737 عن آداب السلوك، يحمل عنوان: «أساسيات السلوك اللطيف» بقلم فرانسوا نيفيلون، يرمز هذا الوضع إلى «الشجاعة الرجولية الممزوجة بالتواضع». وربما تعود هذه الفكرة إلى عصر اليونان القديمة، عندما أعلن الخطيب البارز إيسخينيس أن التحدث أثناء وضع ذراع داخل العباءة من علامات التواضع.

Embed from Getty Images

ونظرًا لشعورهم بالسعادة بسبب استقائهم الإلهام من العصور القديمة، سرعان ما لجأ معظم الرجال في ذلك العصر، وبعض النساء، إلى وضع اليد الواحدة عند الجلوس لالتقاط لوحاتهم الفنية، بما في ذلك جورج واشنطن، أول رئيس للولايات المتحدة، والموسيقي النمساوي موزارت. ومن الجدير بالذكر أيضًا أن إحكام رسم الأيدي من الأمور الصعبة للغاية، ولذلك ربما نفترض أن إخفاء إحدى اليدين يُخفِّف من الضغط على الفنانين الذين يتمتعون بموهبة أقل. وفي الواقع أصبح إخفاء اليد واسع الانتشار لدرجة أن رمزيته بدأت تتلاشى حتى جاء نابليون وأعاده مرةً أخرى.

أهمية التصوير

وينوِّه الكاتب إلى أن نابليون أدرك أهمية الصورة أكثر من غيره، حتى أنه أثناء تتويجه إمبراطورًا في عام 1804 توَّج نابليون نفسه للإشارة إلى أنه ترقَّى في سُلَّم المناصب بناءً على جدارته. وقد جمع هذا الوضع بين كل هذه الأمور: كرامة رجل دولة ممزوجة بتواضع قائد مجتهد.

ولم يختر نابليون هذا الوضع، ولكنَّه في الحقيقة لم يرَ حتى ما هي الآن أشهر صورة له، وهي اللوحة التي رسمها جاك لويس ديفيد عام 1812 لنابليون في غرفة مكتبه. ولكن عندما رأى نابليون ذلك العمل صرَّح قائلًا: «لقد فهمتني يا عزيزي ديفيد»، وأصبحت اليد التي تُوضَع في القميص مرتبطة به إلى الأبد.

ويختم الكاتب تقريره بالإشارة إلى أن هذا الوضع ظلَّ الدعامة الأساسية لفن رسم الأشخاص لمدة طويلة بعد انتقال نابليون إلى المنفى في جزيرة سانت هيلينا، حيث شوهد هذا الوضع طوال هذا الوقت إلى أن ظهر التصوير الفوتوغرافي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد