أرسلت وكالة «ناسا»، الاثنين الماضي، ساعةً ذرية إلى الفضاء الخارجي. وبحسب تقريرٍ لموقع «ساينس أليرت»، فهذه الساعة الذرية ليست قديمة، بل إنَّها أكثر دقةً بـ50 مرة من الساعات الذرية الموجودة على أقمار النظام العالمي لتحديد المواقع (جي بي إس)، إذ إنَّ درجة دقتها تتغير بمعدل ثانية واحدة كل 10 ملايين سنة.

ورغم أنَّها في حجم محمصة الخبز الكهربائية، فهي قادرة على إحداث ثورة في السفر إلى الفضاء السحيق.

بحسب الموقع، يُطلق على تلك الساعة «الساعة الذرية للفضاء السحيق»، والعام القادم سيكون حاسمًا بالنسبة لتطورها، إذ تراقب ناسا الوضع في أثناء دورانها حول الأرض على ارتفاع 720 كيلومترًا، وهو ما يقترب من ضعف المسافة بين الأرض، ومحطة الفضاء الدولية. ويذكر التقرير أنَّها أُرسلت إلى الفضاء على متن صاروخ «فالكون» الثقيل الذي تُصنِّعه شركة «سبيس إكس».

ويوضح «ساينس أليرت» أنَّ تلك الساعات الذرية تعد الدعامة الأساسية للملاحة عبر الأقمار الصناعية. إذ يُرسل «جي بي إس» عبر الأقمار الصناعية إشارات لا سلكية بسرعة الضوء تنقل معلومات عن الزمان والمكان الذي انطلقت فيه من القمر الصناعي. ويقيس الجهاز المُستقبِل على كوكب الأرض (الهاتف المحمول على سبيل المثال) الوقت الذي استغرقته الإشارة للوصول من القمر، ثم يحولها إلى إحداثيات مكانية.

Embed from Getty Images

وتلك هي أيضًا طريقة عمل ملاحة المركبات الفضائية. إذ يرسل مسؤولو الملاحة على كوكب الأرض الإشارة إلى المركبة، ثم ترد بدورها الإرسال مرة أخرى. ولأنَّ الإشارات تنتقل بسرعة محددة، يمكن حساب المسافة حتى المركبة الفضائية من خلال الوقت المستغرق في هذه العملية.

ولهذا بحسب الموقع، كلما كانت الساعة أدق، كانت بيانات الموقع أفضل، وهنا تكمن أهمية الساعة الذرية.

إذ تعتمد ساعات الحائط والساعات اليدوية على متذبذب بلوري من الكوارتز. بلورات الكوارتز تتذبذب بتردد منتظم عندما يمر عبرها تيار كهربائي ضعيف، لذلك فمن الممكن استخدامها أساسًا لضبط الوقت. ويعد هذا الأمر ملائمًا في ما يتعلق بأغراض ضبط الوقت اليومية، لكنَّ ساعات بلورات الكوارتز هذه تفقد دقتها مع مرور الوقت.

فبعد مرور ستة أسابيع فقط، من الممكن أن تتراجع دقتها بمقدار ملّي ثانية، أو جزء من الألف من الثانية. وبينما قد تبدو هذه قيمة صغيرة للغاية، لا يمكن أن نعتمد على مثل هذه الساعات من أجل الملاحة الفضائية، إذ يمكن أن يعني هذا الجزء الصغير من الثانية خطأً في الإحداثيات المكانية بما يعادل 300 كيلومتر.

لكنَّ الساعات الذرية، بحسب التقرير، تعتمد على ذبذبات ذرات مُثارة محصورة في وسطٍ ما، تتذبذب جيئةً وذهابًا. وهي دقيقة للغاية، فأكثر الساعات الذرية دقةً على مر التاريخ لن تتغير دقتها ولو بمقدار ثانية واحدة لمليارات السنين.

لكن هذه الساعات كبيرة إلى حد ما، مما يجعل إرسالها إلى الفضاء أمرًا غير ممكن. وتستخدم الساعات الذرية على متن الأقمار الصناعية ذرات السيزيوم والروبيديوم، التي على الرغم من كونها أكثر دقة من متذبذبات الكوارتز، فإنَّها سرعان ما تتراجع دقتها، وتُعاد معايرتها مرتين في اليوم مع ساعاتٍ ذرية على كوكب الأرض في حجم الثلاجات.

أمَّا الساعة الذرية للفضاء السحيق، فيوضح الموقع أنَّها تعتمد على ذرات زئبق مثارة باستخدام الكهرباء، بمقدارٍ أقل من مقدار الذرات الموجودة في علبتين من التونة، محصورة في نطاقٍ كهرومغناطيسي. وعندما تُثار، تتذبذب هذه الذرات المشحونة أو الأيونات، مصدرةً «دقات» بصرية.

Embed from Getty Images

وبالرغم من وجود ساعات ذرية لدينا بالفعل منذ خمسينيات هذا القرن، فإنَّ الساعات الذرية التي تستخدم أيونات الزئبق لم تُطوَّر إلا خلال الأعوام العشرين الماضية، لكنَّ المؤشرات تشير إلى أنَّ دقتها قد تكون أفضل بالفعل.

فحسب ما ورد من وكالة ناسا، الساعة الذرية للفضاء السحيق أكثر دقة بمقدار يزيد على 50 مرة مقارنةً بمتذبذبات السيزيوم والروبيديوم التي توجد حاليًا في المدار. وهي مستقرة تمامًا كالساعات الذرية الأرضية التي تُحسب من خلالها إحداثياتها المكانية.

ووفقًا للموقع، فهذا يعني أنَّ الساعة الذرية للفضاء السحيق بإمكانها أنْ تنجز الحسابات التتبعية مباشرةً من على متن المركبة الفضائية، بعد استلام الإشارة من كوكب الأرض، بدلًا من نظام الإشارات الثنائي الذي يُطبَّق حاليًا.

وبهذا، فإنَّ نظام التتبع الأحادي سيوفر ملاحةً أسرع وأكثر مرونة، بتدخلٍ محدود من الأجهزة على الأرض، ما يُمكن من تسريع الاستجابة للأحداث غير المتوقعة، بالإضافة إلى زيادة كفاءة عمليات تصحيح المسار. بعبارةٍ أخرى، سيُمكن هذا المركبات الفضائية من تعديل مساراتها أثناء الرحلات بسهولة.

وبالمقابل، فهذا النظام أيضًا من الممكن أن يخفف حمل شبكة التلسكوبات اللاسلكية للفضاء العميق التي تستخدمها وكالة ناسا؛ مما يمنحها فرصة لإدارة عددٍ كبير من السفن التي ترتاد الفضاء في الوقت ذاته؛ بينما تستكشف النظام الشمسي، دون الحاجة إلى توسيع تلك الشبكة. ولهذا، في رأي الموقع، هذه الساعات الذرية الحديثة بإمكانها أن تغير الطريقة التي نسافر بها إلى النجوم.

لماذا فشلت إسرائيل في الهبوط على سطح القمر؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد