في المنتدى الاقتصادي العالمي السنوي في دافوس عام 2010، كان الأكاديمي والمتخصص في المالية الإسلامية محمد تقي عثماني مدعوًا إلى تقديم ورقة ذات موضوع هام: إصلاح المشهد المالي بعد الأزمة المالية العالمية طبقًا لرؤية إسلامية.

بحث عثمان كان ملهمًا للمصرفيين الإسلاميين. لقد ناقش طبيعة المال ودعا إلى تغيير حقيقي في طريقة النظر إليه.

عندما تعلن الصحف إطلاق منتج مالي شرعي أو مؤسسة متوافقة مع الشريعة، يكون الافتراض غالبًا أن الأمر متعلق بمنع الإسلام للفائدة، وكأنها الشيء الوحيد الذي يهتم به الاقتصاد الإسلامي أو أن البنوك لا تفعل شيئًا سوى إقراض المال. ربما كنتيجة مباشرة لذلك، فإن هناك حتى من المسلمين من يجدون الممارسات المصرفية الحديثة للبنوك الإسلامية شاذة ومستغربة. سببهم هو أنه إذا كان الإسلام يمنع دفع أو استلام الفائدة، فإن الإقراض في تلك البنوك يتم باعتباره عملًا خيريًا، وأن المؤسسات والشركات تبنى وتستمر بهدف الربح، وليس بهدف عمل الخير.

في الواقع المصارف الإسلامية تربح أيضًا، خاصة في اقتصاد عالمي يئن تحت وطأة الرأسمالية. إلى أي مدى يكون ربح المسلم حلالًا؟ إلى أي مدى يسمح للمؤسسات الإسلامية أن تنشر وتستثمر رأس المال ليكون ربحها متوافق مع قوانين الشريعة الإسلامية؟ للإجابة على هذا السؤال على المرء أن يتفحص طبيعة المال أولا.

الشريعة ودور المال

عام 632، حين شعر النبي محمد باقتراب وفاته، استغل خطابه الأخير لتنبيه أمته بخصوص القضايا التي يراها ذات أهمية قصوى لأمته. تحدث في تلك الخطبة عن حقوق المرأة، عن ضرورة الالتزام بالصلوات اليومية، صيام رمضان، والزكاة. كما نبه أتباعه بأن الأرواح والممتلكات مقدسة، وأنهم لا يجب أن يؤذوا أحدًا في نفسه أو ماله أو عرضه، وأن الله حرم عليهم الربا، لكنّه أحل البيع والتجارة، لا يَظلمون ولا يُظلمون.

ختم النبي محمد خطبته بالتأكيد على قدسية حقوق كل إنسان، وأن العدل والإنصاف يجب أن يلهما حياتهم اليومية. ثم أعلن لأتباعه أنهم الآن يملكون نظامًا كاملًا يستطيعون من خلاله بناء عالم جديد يصلح لهم ولمن بعدهم، مهما ابتدع البشر أو اكتشفوا لاحقًا. أصحاب محمد، والجيل الذي تلاهم، حرصوا تمامًا على تدوين القوانين الإلهية خاصة في مجال المعاملات التجارية. تحليلاتهم القانونية والمالية ترقى لدرجة أن يمكن اعتبارها عمودًا لبداية نهضة المعرفة الإنسانية. لم يكونوا مجرد عقبة كأداء أمام كل تطور كما يتصور العديد من الناس اليوم عن المتدينين.

التجار العرب والفرس قطعوا مسافات هائلة لإقامة روابط تجارية مع الهند والشرق الأقصى، ليصبحوا مفصلًا لا غنى عنه في التجارة بين الشرق والغرب. كان التجار العرب يتوجهون من بغداد إلى قرطبة، أسبانيا، حاملين معهم “رسائل ذات اعتبار” تدعى “سفتجة”، تسمح لهم بالحصول على المال عند الوصول ليتجنبوا أخطار الطريق واحتمالات سرقة المال خلال السفر، كان هذا نواة شبكة تعاملات مالية عرفت فيما بعد باسم “الحوالة”. الحوالة تطورت لتبنى عليها لاحقًا قوانين التبادلات المالية في جميع أنحاء أوروبا. اختراع إسلامي آخر وهو “السكة” كان بداية الدفع النقدي المعروف لدينا اليوم. السكة أصبحت متوفرة لدى من يمكن تسميتهم بالمصرفيين الأوائل، أولئك الذين أصبحوا لا غنى عن التعامل معهم لأي تجار. كان المصرفيون الضامن الغني لحصول التجار على أموال ورقية في أي سوق في أي مدينة في جميع أنحاء العالم الإسلامي. كان بإمكان التجار المسلمين تقاسم الأرباح مع رعاتهم من خلال نظام استثماري يعرف الآن باسم المشاركة والمضاربة، هذا الشكل من التبادل الاقتصادي أصبح لاحقًا نواة للرأسمالية التجارية الإسلامية.

بينما كان الأوروبيون لا تتجاوز مغامراتهم التجارية أبعد من جنوب وشرق اليونان، كان التجار العرب والفرس لا يتورعون عن السفر عبر القارات. بنهاية القرن العاشر والحادي عشر، بدأت عائلات التجار ذوي رؤوس المال الصخمة بالسيطرة على الأنشطة التجارية بين الشرق والغرب. في المدن الأساسية على طول المسارات التجارية بين شقي الكرة الأرضية أسست العائلات الكبرى في كل منطقة مفهوم “الفندق” للتبادل التجاري. تطورت الفنادق لتصبح مقرات لتبادل السلع ومستودعات للتخزين. الثروة الهائلة التي حصلت عليها العائلات التي سيطرت على هذه المعاملات مكنتهم من تمويل مشاريع للدولة وتكوين الشكل الأولي للبنوك، بالحصول على الودائع ودفع الائتمانات للعملاء.

في غضون بضعة قرون، أعجب الصليبيون بالتجارب العربية وحملوا أفكارهم الجديدة – مثل قانون الثقة الموجود في الوقف ومبادئ الوكالة الموجودة في الحوالة – إلى بلادهم. لم يحملوا فقط تقنيات التجارة والمالية إلى أوروبا القرون الوسطى، ولكن أيضًا روح المبادرة وريادة الأعمال والتي كانت حتى ذلك اليوم أقل شيوعًا بكثير في أوروبا.

من المفارقات، أن العالم الإسلامي هو أول من وضع الرأسمالية في شكل مؤسسي وقدمها للغرب كما نعرفها اليوم، حينها لم تكن الرأسمالية بهذا القدر من الجشع والأنانية.

على مر الزمان، تم تفريغ الرأسمالية الإسلامية التي تحمي الفقراء والضعفاء من معانيها الإنسانية. حين أصبحت العثمانية القوة الإسلامية المسيطرة في نهاية القرن الخامس عشر، قاموا بتطوير أساليبهم التجارية وتعاملاتهم المالية لتأخذ شكلًا أكثر قانونية ومؤسسية بدلًا من اعتماده على العادات والأعراف.

الأساليب المصرفية الأولية مثل الحوالة كانت ومازالت مستخدمة بشكل واسع، كما أن الـ 100,000 الذين كانوا يحجون سنويًا إلى مكة، استمروا في استخدام “السفتجة” ليحصلوا على المال عند انتهاء سفرهم. سجلات المحاكم بمدينة الأناضول تظهر أن القروض المبنية على الفائدة كانت أيضًا أمرًا شائعًا وممارسة يتم التسامح معها. عندما بدأ رجال الأعمال الأوروبيون في الظهور، شيئًا فشيئًا اتخذت الممارسات العثمانية المالية نهجًا أوروبيًا. حتى منتصف القرن العشرين لم يحاول العالم الإسلامي العودة مجددًا لهويته المالية.

ثمة فرق جوهري بين النظام المالي الإسلامي والنظام المالي الغربي في الطريقة التي يفهم بها كل نظام طبيعة المال ودوره. طبقًا لمبادئ الشريعة، فالمال هو بالأساس وسيلة وليس الغاية نفسها. في ذاته، ليس للمال قيمة جوهرية، إنه لا يؤكل، لا يمكن معالجته لبناء منزل، لا يمكن حياكته ليصبح ثوبًا، لا يمكنه توفير تدفئة ولا يمكنه أن يحمي أحدًا. المال لا يَخلق نفسه، ولا يُخلق من العدم، إنه فقط مخزن للقيمة.

هذا التصور يناقض الفكرة الحديثة عن المال باعتباره سلعة في حد ذاته. اليوم، تطبع المصارف المركزية المال من خلال عمليات التسييل الكمي. ببساطة، إنهم “يخلقون المال”. تدخل بعدها المؤسسات المالية في صفقات تجارية خيالية مع الشركات والأفراد لإقراض المال والحصول على مال أكثر من خلال الفائدة.

المؤسسات المالية تبيع صكوك مالية غير ملموسة وبالغة التعقيد، تستمد قيمتها من أصول أخرى قد لا تكون المؤسسات نفسها لديها سند قانوني لملكيتها. تحدث هنا المضاربة على نتاج تعاملات قد يكون المشتري نفسه لا يملك أي جزء فيها؛ في نهاية الأمر، كل هذه المعاملات تنشئ مالًا دون أن يتم تبادل اقتصادي حقيقي.

إذا لم يكن باستطاعة الأفراد كسب المال عن طريق وضعه في حساب مصرفي بالفائدة، سيتحتم عليهم استثماره في مجال حقيقي. اكتناز المال بهذا الشكل يضيع الفائدة من وجوده. في المعاملات المالية الإسلامية، يجب على المؤسسات الدخول في استثمار اقتصادي مفيد وتطوير نتائج حقيقة فتكون أرباحهم نتاج معاملات ملموسة. عندما تؤتي هذه الاستثمارات ثمارها، يتشارك صاحب المال الغنائم مع المصرف. المال لا تتم صناعته ببساطة من خلال استحواذ المصرف على رأس المال، بل من خلال عمل حقيقي وإضافة حقيقية في العالم الحقيقي.

هذه هي نظرة البنوك الإسلامية للتعاملات البنكية بلا فوائد. إنهم يعتبرون الفائدة على المال أمرًا غير عادل، لأن المال عندهم خلق لغرض آخر؛ غرض يبدو أن المؤسسات المالية الحديثة لا تلتزم به أبدًا.

العالم والمفكر الإسلامي في القرن الثاني عشر أبو حامد الغزالي يحلل طبيعة المال قائلًا إن الله قد خلق الدرهم والدينار ليتم تبادلهما من يد إلى يد، وليعملا كوسيط عادل لتقييم سعر السلع، والحصول عليها. يستنتج من هذا أن من يتلاعب بطبيعة المال أو تبادله إنما يتجاهل قوانين الله ويرتكب الظلم، لأن المال خلق من أجل أغراض أخرى، ليس من أجل ذاته. لهذا من يستخدم المال لذاته فإنه يبتعد عن تعاليم الدين وحكمته. في الواقع ليس الغزالي هو أول من قال بآراء كهذه، بل سبقه إليها أرسطو منذ أكثر من ثلاثمائة عام، حيث اعتبر الذهب والفضة بلا قيمة في نفسيهما، إنها يكتسبان قيمتهما فقط من شراء الأشياء؛ نظرية ألهمت الغزالي وطورها لاحقًا.

إذا تم منع التجارة بالمال، فإن المرء لن يتمكن من خلق المال عن طريق المال. هذا المنع الديني لا يسري في الإسلام فقط. منذ أكثر من 5000 عام، ظهرت أنظمة متطورة لتمكن المجتمعات الزراعية البدائية من شراء وبيع السلع والخدمات بناء على قيمة ائتمانية. فلم تكن العملة قد تم اختراعها آنذاك، كان المزارع يدفع للتاجر عن طريق ورقة دين. إذا قرر التاجر لاحقًا أنه يحتاج إصلاح بابه، فإنه يعطي ورقة دينه إلى النجار. النجار يقبلها طبقًا لسمعة المزارع في المجتمع، حيث يعرف أن المزارع سيقضي له دينه ويحصل منه على ما يحتاج. في النهاية بعد سلسلة من المبادلات المجتمعية، يشتري المزارع بضائع أو خدمات من الطرف الذي يحمل ورقة الدين الخاصة به ويدفع له عن طريق محصول أرضه. الورقة لا تحتاج حتى أن تمر بالدائرة كلها بشكل دقيق. قد تبقى تدور بين الأيادي للأبد، تمامًا مثل الشكل الحديث للمال. إذًا “ينشأ المال كقرض”.

حين تكبر المجتمعات وتصبح أكثر قوة، فإنها تستعبد الشعوب المجاورة طبقًا لعالم الأنثروبولوجيا ديفيد جاريبير. ينحدر حينها الإنسان نفسه ليصبح مجرد سلعة مادية يتم تداولها.

الحضارات البدائية كانت تخزن فائض السلع في المعابد، تلك السلع كانت تُعرض على التجار لحملها ومبادلتها بسلع أخرى. تدريجيًا أصبح التأكد من أرباح أو خسارات التجار غير ممكن بالنسبة للأصحاب المعابد.

بعبارة أخرى، حين أصبحت عقود القروض أكثر انتشارًا، بدأت الفائدة بالظهور. التجار طالبوا بضمانات بخصوص ديونهم، بدأوا بالحبوب والحيوانات والبضائع المنزلية. لكن إذا كان المدين مازال غير قادر على استيفاء دينه، كان عليه حينها تقديم نفسه أو أبنائه أو زوجاته لسداد دينه. يظل أولئك الأشخاص مستعبدين حتى يتم رد الدين. إن امتلاك إنسان هو أكثر مظاهر الدين القديم بشاعة. حينها لم يعد العبيد فقط أسرى الحروب، وإنما أصبح استعباد أي شخص ممكنًا.

في السنوات التي يكون فيها المحصول سيئًا، يفقد الفقراء شيئًا فشيئًا ملكيتهم لأراضيهم، ثم يرسلون أبنائهم ليصبحوا عبيدًا عند الأثرياء، ثم في النهاية يتم استعبادهم وبيعهم للخارج. كان بعض العبيد يهربون وينضمون إلى قبائل بدوية ترعاهم. حين تكبر هذه القبائل وتصبح قوية بما يكفي، كانوا أحيانًا يعودون ليحكموا مدنهم ويخلصوا أهلهم، وتستمر دائرة العنف والعنف المضاد.

الدين ورأس المال

الحركات الفكرية طرحت سؤال المادية والأخلاق عبر العصور، لتلقي ظلال الشك على ضرورة استخدام العنف والحروب للمحافظة على النظام الاقتصادي. جاء هنا الدين ليلعب دورًا أساسيًا لتعبئة الرأي العام ضد المادية والديون، ونعم، الربا.

في الكتاب المقدس، يمكن العثور على العديد من التعليمات ضد الربا. كانت الكنائس المسيحية تشرح لماذا يحرم الربا، قائلة أنه سرقة للمادة والوقت، أو تجسيد لخطيئة الكسل والتراخي.

في ذات الوقت وجدت الكنيسة نفسها تبحث عن وسائل أخرى، حيث أصبح المرابون يستخدمون التلاعب بالألفاظ للتفرقة بين كلمتي الفائدة والربا. الشريعة الإسلامية بقيت على أي حال محافظة على موقفها من الفائدة بكل مسمياتها، لتعاملها مع الأموال باعتبارها وسيلة وليست غاية.

الاحتياج للضمان والشفافية في أي معاملة مالية يقودنا إلى خاصية أخرى من خصائص التعاملات المبنية على الشريعة الإسلامية. لا يستطيع المرء أن يبيع دَيْنه أو يبيع مبلغًا نقديًا. دون السيطرة الكاملة على البضائع التي يتم بيعها، فإن البائعين قد يستخدمون أساليب تثير قلق أحد الطرفين. إذا كان البائع يملك حق ديون قد تدفع له من خلال مدينيه، فإنه لا يوجد تأكيد على أن الدين سيتم دفعه بالفعل. حتى لو توافق الطرفان على بيع الدين، فإن المعاملة لا تزال محرمة. بائعوا المخدرات قد يتوافقون فيما بينهم لكن هذا لا يجعل معاملتهم قانونية. في الحقيقة إذا كانت المعاملة ضارة بالمجتمع ككل، يتم تحريمها حتى لو توافق الطرفان، وفي الشريعة الإسلامية يعتبر الربا ضارًا بالمجتمع.

طبقًا للشريعة فإن الطريقة الأمثل للتربح من رأس المال هي استخدامها في استثمار حقيقي يشارك الأرباح والخسائر. ربما يكون هذا صادمًا لأصحاب الودائع اليوم، حيث هم آمنون تمامًا على ودائعهم. في النظام المصرفي الحديث، على المودعين أن يكونوا مخاطرين بدرجة هائلة ليقبلوا وضع أموالهم مع مؤسسة تعتمد المعاملة المنصفة في الخسائر والأرباح بدلا عن نظام الدين. لكن هذه هي النقطة المهمة في الاقتصاد الإسلامي. النظام الاقتصادي يجب أن يكون مبنيًا على المخاطرة والمشاركة والإنصاف، ويجب أن يحوي تنوعًا كافيًا في أحجام المخاطرة ليمكن المودعين من اختيار المخاطرة التي يستطيعون تحملها.

في الحقيقة لن يكون النظام المصرفي الإسلامي ذا مخاطرة كبيرة إذا شارك فيه عدد كاف من المودعين والمستثمرين. هذا تمامًا ما حاولت التجارب المصرية والماليزية والباكستانية تحقيقه خلال العقود الماضية بدرجات مختلفة من النجاح.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد