ينقسم الشعب الأمريكي في النقاشات حول الرأي أو في نقاش سياسي أو اتجاهات السياسة بين جمهوريين وديمقراطيين؛ ما دفع سارة ستيورات وبيث سيلفرز لكتابة كتابهما «أعتقد أنك مخطئ (لكن ها أنا أستمع)»، وفي هذا الصدد تعرض لنا أشلي فيترز الكاتبة في مجلة «ذي أتلانتيك» ما تعتقده الكاتبتان في كتابهما ومدونتهما الصوتية.

تقول أشلي: «إن الكثير من العائلات الأمريكية تتشاجر، لكن نادرًا ما يحدث ذلك بسبب السياسة». وأشارت إلى أنه في دراسة، صدرت في شهر فبراير (شباط) الماضي حول مدى عيش الأمريكيين في «فقاعات»، ونشرت مجلة «ذي أتلانتيك» تقريرًا عنها، أجاب 39% ممن شملتهم الدراسة بوجود اختلافات سياسية داخل عائلاتهم.

ووفقًا لما جاء في المجلة، ذكرت الدراسة أن «ما يقرب من ثلاثة أرباع النقاشات الأمريكية مع أشخاص مختلفين سياسيًا تقع في دوائر العمل، وأجاب أقل من نصف من شملتهم الدراسة، أنهم يواجهون خلافات سياسية ونقاش سياسي مع أصدقائهم». بعبارة أخرى، رغم أن فقرة النقاش السياسي العائلي لإبداء الرأي السياسي في عيد الشكر مشهد إعلامي دارج، إلا أنه – في الواقع – لا يحدث في كثير من العائلات.

نقاش سياسي بنَّاء

يختلف بعض الأمريكيين سياسيًا داخل عائلاتهم، فمثلًا، أشارت أشلي إلى كيليان كونواي وزوجها جورج، اللذين احتلَّا عناوين الأخبار مؤخرًا، بسبب خلاف الرأي السياسي بينهما على منصة اجتماعية. بالنسبة لمثل هذه العائلات، يمكن أن تكون الخلافات الناتجة عن ذلك أكثر إيلامًا، إذ تضع الإخوة والآباء والأطفال في عداءٍ مع بعضهم البعض.

تعتقد الكاتبة أنه في الأعوام الأخيرة، مع احتدام الأجواء السياسية، أصبح هذا أكثر شيوعًا. ففي 2019، قال 35% من الجمهوريين و45% من الديمقراطيين، إنهم لن يكونوا سعداء إذا تزوج ابنهم من شخصٍ ينتمي لأحد الأحزاب السياسية المعارضة، وهو تصعيد حاد لم يكن موجودًا قبل 50 سنة.

وترى أن عمق القناعات السياسية لدى الناس، وانعدام الثقة المتزايد لأصحاب الآراء المختلفة، أدى إلى تعقيد وتحفيز عمل كل من سارة ستيورات هولاند وبيث سيلفرز، صاحبتي المدونة الصوتية «سياسات السراويل» ومؤلفتي الكتاب الجديد، «أعتقد أنك مخطئ (لكن ها أنا أستمع)».

Embed from Getty Images

«سارة من اليسار، وبيث من اليمين»، كلتاهما محاميتان سابقتان، والآن هما كاتبة ومديرة أعمال – على الترتيب – أصبحتا صديقتين منذ أكثر من عقد، إذ تقابلتا في جمعية نسائية في جامعة ترانسيلفانيا في ولاية كنتاكي، واليوم تريدان تعليم الأمريكيين كيف يجرون مناقشات سياسية مثمرة ومتحضرة، مع أصدقائهم وأفراد عائلاتهم.

بدأت كلٌّ من هولاند وسيلفرز مدونتهما الصوتية في 2015، بهدف التمكين لأنماط من النقاشات يتوقان لرؤيتها أكثر في أمريكا، حيث تنسلخ كل متناقشة من الحزب السياسي، ويتعلمان معًا ويتناقشان في قضايا سياسة معينة. يهدف الكتاب «أعتقد أنك مخطئ (لكن ها أنا أستمع)» إلى مساعدة القراء على الانخراط في نفس أشكال النقاشات في حيواتهم الخاصة.

تعتقد أشلي أن الكتاب يقدم إطارًا مفيدًا للقراء حول كيفية إجراء هذه الأنواع من النقاشات السياسية مع أشخاص يحبونهم مع اختلافهم معهم، فمثلًا ينصح الكتابُ القراءَ بأن «يبعدوا آراءهم»، (أي ينأوا بأنفسهم عمدًا عن المواقف السياسية الكاملة التي يدعمها حزبهم.

وبدلًا عن ذلك، يُمعنون النظر في كل قضية على حدة)، وأن يجدوا «أسبابهم»، (أي يتحدثوا عن القضايا بافتراضات تتعلق بالرؤية الفردية والرأي السياسي لكل شخص حول النتيجة المثالية المرجوة من وراء أفكاره).

علاوة على ذلك، ينصح الكتابُ بدايةً بالتخلي عن فكرة الفوز بالنقاش أو إقناع الآخرين بخطأ مواقفهم، وبدلًا عن ذلك يهدفون إلى إجراء مناقشات يفهم فيها كل طرف بشكل أفضل لماذا يحمل الآخر اعتقادًا معينًا.

ويشدِّد على وجوب أن يتعامل كل مشارك في الحديث من واقع حبه للمعرفة، واستعداده لترك مجال للاختلافات البسيطة، وأن يقبلوا «النوايا الحسنة» للكلمات.

ترى أشلي أن كلًّا من كتاب ومدونة هولاند وسيلفرز يجسدان أنواع النقاشات البنَّاءة التي يمكن أن تحدث عندما تقع بين شخصين يختلفان أيديولوجيًا، مع حبٍّ صادق من كل منهما للمعرفة وتواضع واحترام.

أجواء غير متعادلة

في أحد فصول الكتاب، وصفت الكاتبتان بحثهما في تاريخ نظام الرفاه الأمريكي، وخلصت كلتاهما إلى أن فهمهما لكيفية عمل النظام، واقعيًا ومن الناحية النظرية، كان معيبًا بطرق مختلفة.

ومع ذلك، أقرَّتا في مقابلة أنه ليس كلُّ نقاش سياسي بين المختلفين في الرأي يحمل نفس القدر من سماحة كلا الطرفين.

يبدو أن النقاشات في الوقت الحاضر تحدث وسط أجواء غير متعادلة من رحابة الصدر، فهي تحدث في وقت تبدو فيه الآراء السياسية المعارضة في أمريكا أقل ثقة في بعضها البعض من أي وقتٍ مضى.

Embed from Getty Images

تقتبس الكاتبة من تصريحات هولاند وسيلفرز، إذ قالت هولاند: «ما نقوله دائمًا هو إنه ليس ضروريًا أن يقدم المرء أدبًا فيُقابل بمثله، وليس ضروريًا أن يكون الطرف الآخر واسع الصدر صبورًا راضيًا، خاصة بين أفراد العائلة، بالنسبة لك يجب أن تكون واسع الصدر صبورًا راضيًا لإرضاء كل الفضول والسماحة في العالم». الأمل – كما تقول هولاند – في أن تخف حدة أفراد العائلة وأن يكونوا أكثر فضولًا في النقاش القادم، وأكثر استعدادًا للإنصات.

لأن أحدهم حضر وقال: «لم آتِ هنا لأحاول إقناعك أو لأعارضك، لكني جئت لأحاول أن أفهم فيما تفكر بشكل أفضل».

وأضافت سيلفرز أن الناس أحيانًا، عندما يسمعون عن الكتاب، يتوقعون دليلًا حول كيفية جعل إخوتهم أو آبائهم أو أطفالهم الذين يختلفون معهم، يستمعون إليهم.

وأشارت أنه من الشائع رؤية الناس «يقوِّضون الثقة» في علاقاتهم العائلية العزيزة عليهم من وراء اعتقاداتهم السياسية، «وغالبًا يكون ذلك دون معرفة السبب وراء معارضتهم الرأي السياسي للآخرين في قضية ما»، لذا حين يتحدث الأقارب في السياسة، يجب أن يكون النقاش عمليةً لبناء الثقة.

حينما سألت أشلي كلًّا من سيلفرز وهولاند عمَّا إذا كانتا أُجبِرَتا على إعادة ضبط أو تشكيل فلسفتهما في أعقاب انتخاب دونالد ترامب، أقرَّتا بأن نصائحهما لإجراء النقاشات السياسية مع أفراد العائلة أصبحت أصعب منذ 2016.

وقالت سيلفرز ساخرةً: «عادة ما نقول إننا بادرنا بعمل دقيق، ثم أهدانا الرب دونالد ترامب».

أحد الأسباب التي دفعت هولاند وسيلفرز للدعوة إلى إجراء هذه النقاشات الصعبة، في المقام الأول، هو أن يتمكَّنا من المساعدة في التوعية بما هو مشترك بين من يبدون أصحاب نقاش سياسي مختلف ومواقف مختلفة.

فمثلًا، على الرغم من دعم هولاند لتأميم نظام الرعاية الصحية للفرد، ولدى سيلفرز بعض الشكوك حول الفاعلية الحقيقية لمثل هذا النظام، فقد وجدتا من خلال النقاش أن كلتيهما «تريدان رعاية صحية عالية الكفاءة بأسعار في متناول جميع المواطنين»، وعملتا ظاهريًا على كيفية تحقيق ذلك.

وكما صرَّحت هولاند وسيلفرز، فإنه خلال العامين الماضيين، فقد الكثيرون ثقتهم في فكرة أن معظمنا يريد أن يرى أنه لدى الأمريكيين فرصًا للنجاح، لكن لدينا فقط أفكار مختلفة حول كيفية خلق هذه الفرص.

Embed from Getty Images

فسدت تلك التفسيرات ذات النوايا الحسنة للاختلافات السياسية – باعتبارها مجرد نظريات مختلفة عن أفضل السبل لتحقيق نفس الهدف، متميزة ببعض الحقوق غير القابلة لتغييرها – إذ ابتهج الكثيرون من القوميين البيض لانتخاب رئيس أمريكي يعتقدون أنه يمثل قيمهم الأساسية.

تاركين الكثيرين مع مخاوف جديدة حول دوافع أصدقائهم وأزواجهم وأفراد عائلتهم، الذين صوتوا بطريقة مختلفة عنهم.

حدود جديدة وقواعد أساسية

وجدت كل من سيلفرز وهولاند بعض الحدود الجديدة كنتيجة لنقاشهما، إذ كتبتا في كتابهن: «نرى أن هناك قواعد أساسية لحماية احترام الرأي السياسي للناس، كعرقهم وجنسهم وهويتهم الجنسية ودينهم، وتلك المقدسات».

وأضافتا أن بعض مستمعيهما تفاجأوا عندما رفضتا تأييد كلا الجانبين بعد أحداث عنف وقعت في تجمع حاشد للبيض في مدينة شارلوتسفيل في ولاية فيرجينيا عام 2017، ووجدتا أن العديد من المستمعين توقعوا منهم أن يدافعوا عن حق المتعصبين البيض في حرية التعبير.

كتبت سيلفرز لاحقًا لمستمعيها في منشور على مدونة: «لدى الكثيرين الاستعداد لاستخدام منصاتهم للتأكيد على حرية التعبير عن الرأي والتجمعات والسياسة، وفي هذه اللحظة وهذه الحالة، لست على استعداد لاستخدام هذه الطريقة. صوتي وعملي لقول: «هذا خاطئ ومرفوض في أمريكا عام 2017، ويجب على رجال الأعمال والسياسة وعائلاتنا أن يقولوا ذلك بأقوال وأفعال».

ذكرت سيلفرز في مقابلة أنها وهولاند لا يتبنيان موقفين مختلفين في نقاش سياسي حول حق المساواة في الزواج: «المساواة في الزواج خط واضح لنا، ولم ندعو أحدًا لنقاشنا ممن يناهضون المساواة في الزواج».

أخيرًا، رغم تأكيد سيلفرز على أنه من المحتمل ألا يتشاركا التدوين الصوتي أو أي نوع من المنصات العامة مع أناس قد ينتهكون معتقداتهما بالالتزام بحقوق الإنسان، لا يزال يتعين عليهما مشاركتهم العيش في البلاد بسلام، وأحيانًا يُضطران لمشاركة قرائهما ومستمعيهما منازلهم وعشاءهم وعطلاتهم وأسرّتهم، بسلامٍ أيضًا.

لذا في الحالات التي يجد الناس فيها أنفسهم يحاولون المشاركة في نقاشات السياسة مع آبائهم أو أشقائهم أو أقارب آخرين، من أصحاب المعتقدات التي تجرد الآخرين من إنسانيتهم أو تدافع عن رفض حقوق الإنسان.

قالت هولاند: «إن أفضل طريقة للتفاعل، هو تجنب الانخراط في عمل من نفس نوع السلوك اللاإنساني». وقالت: «الرهانات كبيرة».

يبدو سهلًا ومبررًا جدًا إغضابك، أو جعلك تفقد رباطة جأشك، لتجرد الآخرين من إنسانيتهم، لكن أفضل رد فعل على قائد أو إدارة تعمد إلى هذا، هو التمسُّك بالحوار والمقاومة غير العنيفة».

Embed from Getty Images

بحسب الكاتبة، دفع ظهور ترامب باعتباره شخصية استقطابية بعيدة عن دعم أي نقاش سياسي وتنقسم العائلات حولها، بهولاند وسيلفرز لنصح قرائهما ومستمعيهما بـ«الابتعاد عن الصورة»، والابتعاد بمناقشاتهم عن الإدارة نفسها قدر الإمكان.

فأفضل من الحديث عن ترامب أو الجدار الحدودي، كما عرضت سيلفرز كمثال، الحديث عن الهجرة عمومًا، وآثرت أن تبدأ بأسئلة مفتوحة حول ما يعتقده مناقشوهم الهجرة.

قمة قائمة الأولويات

عندما تتحدث سيلفرز – الجمهورية التي لا تدعم ترامب – مع أصدقائها وأفراد عائلتها الذين يدعمونه، تقول: «سأقول شيئًا مثل، من يجب أن يأتي إلى أمريكا؟ وأين يجب أن نذهب إذا أردنا الانتقال إلى كندا؟ كيف يجب أن تبدو هذه العمليات؟ دعونا نجري نقاشًا أوسع ولا نتحدث عن شخص بعينه».

تعتقد الكاتبة أن هولاند، التي عملت في حملة كلينتون الرئاسية عام 2008 وكان والدها داعمًا لترامب، تعرف الكثير عن كيفية الانخراط في نقاش سياسي في المناخ السياسي الحالي، من خلال تلك التي أجرتها مع والدها.

تعلمت مثلًا، أن النقاش بإضافة حقائق وأرقام لا يفضي إلى تبادل ثقافي هادئ، مثل تبادل الخبرات الشخصية أو المباشرة مع سياسات أو قضايا.

قالت: «لا يمكنك أن تبدأ بـ«اسمح لي أن أشارك هذه البيانات»، لكن يمكنك أن تقول «هذه قصتي كما أراها».

أضافت: «عندما يراك الناس تدعم تلك السياسة بعينها بسبب شيء تعرف أنه صحيح، مقارنة بمحاولتك إقناعهم بصحته، يغير هذا من فحوى ردودهم».

وفي وقت تُتَّهم فيه المواد المنشورة بمختلف أنواعها بالتحيز السياسي، يصعب وصم الرؤية الشخصية للأحداث بالكذب.

بالطبع، تجد هولاند ووالدها أحيانًا أنهما «يران العالم بشكل مختلف»، فتقول: «غالبًا ما تكون هناك نقاشات في السياسة يصف فيها عالمًا أو دولة لم أرها قط في تجربتي»، وأحيانًا «لا يمكنه رؤية الحقيقة في ما أقوله، ونحن على خلاف تام مع بعضنا البعض».

وترى الكاتبة أنه يتعين على هولاند أن تستفيد من أحد الدروس التي تروج لها هي وسيلفرز في هذا الكتاب؛ أي تذكُّر أن الاتفاق على مسائل السياسة يجب أبدًا ألا يكون في قمة قائمة الأولويات من الحفاظ على علاقة صحية وحميمية.

قالت هولاند: «هناك لحظة يتعين علينا فيها أن نتذكر، حسنًا نحن أب وابنة، نحب بعضنا البعض، ويجب الآن أن نكمل حياتنا فقط، هي لعبة إذًا طويلة».

 4 نماذج شرق أوسطية تشرح لك كيف يصل الاقتصاد ما تقطعه السياسة

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد