هيرمان جورينج، وجوزيف جوبلز، وهاينريش هيملر، وراينهارد هايدريش، ومارتين بورمان، ورودولف هيس؛ كلها أسماء قادة مألوفين في تاريخ النازية. لكن ماذا عن زوجات هؤلاء النازيين الكبار؟ عن هؤلاء النسوة اللاتي كان بعضهن متعصبًا بقدر أزواجهن سيِّئي السمعة، يحكي جيمس ويلي، مؤلف كتاب «زوجات النازيين: نساء على قمة ألمانيا الهتلرية».

إيمي.. زوج هيرمان جورينج

يُستهل المقال المنشور في مجلة «هيستوري إكسترا» بالحديث عن الحفل الباذخ الذي أقامته إيمي جورينج وزوجها هيرمان – الذي أصبح فيما بعد ثاني أقوى رجل بعد هتلر – قبل ثلاثة أيام من نهاية دورة الألعاب الأولمبية في برلين عام 1936، وتوضح أن هذه لم تكن المرة الأولى ولا الأخيرة التي تستضيف فيها إيمي وزوجها مثل هذه الحفلات، أيام كانوا يتجولون في برلين كما لو كانوا من أباطرة العصور القديمة.

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
من قصص الجاسوسية.. كيف دربت بريطانيا عملاءها خلال الحرب العالمية الثانية؟

في الواقع لم تكن الأضواء بعيدةً عن إيمي؛ التي كانت ممثلة محترفة لأكثر من عقد حين قابلت جورينج في عام 1932، بينما كان لا يزال هو في فترة الحِداد على زوجته الأولى كارين، التي كانت مخلصةً للنازية. وبعد أن استولى هتلر على السلطة، سيطر جورينج على مسرح ولاية برلين المرموق، وأصبحت إيمي ممثلةً رئيسةً، وأدَّت دور البطولة في العديد من الأعمال الكوميدية الطويلة.

تركت إيمي المسرح بعد أن تزوجت من جورينج في عام 1935، وأقاما حفلًا ذا رونقٍ ملكي، وصفه السفير البريطاني، بالقول: «كانت الشوارع مزخرفة. وتوقفت حركة المرور. وكانت مائتا طائرة عسكرية تحلق في السماء».

نفقات هذه الحياة الباذخة كان يغطيها جورينج – أكثر النازيين ثراءً بعد هتلر – الذي استغل منصبه بوصفه رئيسًا لسلاح الجو، وإدارته لجزءٍ كبيرٍ من برنامج إعادة التسلح، لسرقة الأموال من ميزانيتيهما، والحصول على رشاوى من الشركات المصنعة الراغبة في الفوز بالعقود. ولم تكن إيمي مهتمةً بالتعرف إلى ما يفعله زوجها، ولم تسأل أبدًا من أين تأتي كل تلك الأموال، بل استمتعت ببساطة بمكانتها بوصفها واحدةً من السيدات الرائدات في الرايخ.

ماجدا.. زوج جوزيف جوبلز

ينتقل الكاتب للحديث عن حفلٍ آخر أقامته ماجدا وجوزيف جوبلز (مايسترو الدعاية الهتلرية) في ختام دورة الألعاب الأولمبية، ولم يكن حفلهما أقل بذخًا من حفل إيمي وجورينج الذي انعقد قبله بثلاثة أيام، ولم يكن الحفلان سوى مثالٍ واحدٍ على المنافسة المستمرة بين جورينج وجوبلز للتودد إلى الشعب الألماني.

Embed from Getty Images

صحيحٌ أن عائلة جوبلز لم تستطع أبدًا أن تضاهي عظمة منافسيها، إلا أنها كانت تتمتع بميزة واحدة بارزة، هي: علاقتها الوثيقة بهتلر شخصيًّا. وربما كان جورينج أحد أكثر مساعدي الفوهرر إخلاصًا، لكن إيمي لم تكن متحمسةً للنازية، ولم يكن هتلر مغرمًا بها. أما ماجدا، فكانت على النقيض من ذلك، مفتونةً بهتلر، الذي كان هو أيضًا مفتونًا بها.

كانت هذه العلاقة الحميمة تعني أن هذا الثلاثي قضى كثيرًا من الوقت معًا – سواءً في العطلات الصيفية أم الإجازات الموسمية – إلا أن هذه الأريحية كانت لها عيوبها؛ إذ أدى الظهور البطيء لإيفا براون، بصفتها صديقة هتلر، وإنْ كان في السر، إلى حدوث توترات، نظرًا للغيرة الشديدة التي كانت تعكر علاقتها بماجدا. وعندما مرَّ زواج ماجدا وجوزيف بفترةٍ عصيبةٍ بسبب علاقة زوجها بممثلةٍ تشيكية، لم يتورع هتلر عن التدخل شخصيًّا، وإصدار أمره لهما باستمرار زواجهما مهما حدث.

من هي إيفا براون؟

في عام 1929، التقى هتلر بمراهقة شقراء رياضية حسنة المظهر تُدعى إيفا براون. انعقدت علاقة صداقة بينهما، على الرغم من أن هتلر كان بالفعل على علاقة مع جيلي روبال، ابنة أخته غير الشقيقة أنجيلا. تطورت المغازلة العرضية بين هتلر وإيفا، إلى علاقة أكثر جدية بعد وفاة جيلي عام 1931. وبعد فترة وجيزة، أصبحت إيفا هي العشيقة السرية لهتلر.

قبل عام 1935، نادرًا ما كان هتلر يمتلك وقتًا ليقضيه مع إيفا؛ ما جعلها تشعر بأنها مهجورة ومنعزلة، ولم يتغير هذا الوضع إلا بعد محاولة انتحارها الثانية. أخيرًا لاحظ هتلر وطأة هذا الشعور على إيفا، فانتشلها من عزلتها، ومنحها الغرفة المجاورة له في البرغهوف، مقر إقامته الفخم في جبال الألب البافارية.

رويدًا رويدًا، أثبتت إيفا نفسها سيدةً للمنزل. ومع ذلك، لم يُسمح لها بمقابلة كبار الزوار، أو أي شخص خارج الدائرة الداخلية. ونظرًا لأن هتلر كان دائمًا محاطًا بالناس، لم تكد تجد وقتًا للانفراد به. وفي السنوات الأخيرة من الحرب، أمضت إيفا أيامها في تصوير أفلام منزلية وممارسة السباحة واستضافة حفلات الشاي. لكن في أبريل (نيسان) 1945، قررت الانضمام إلى هتلر في مخبئه في برلين، والبقاء معه حتى النهاية. في اليوم السابق لانتحارهما، تزوج هتلر من إيفا، لتحفر العشيقة المجهولة لنفسها مكانةً مميزةً في التاريخ، وهي بنت 33 عامًا.

زوجات النازية.. نساء مشاكسات

يحكي المقال قصة منافسة أخرى، لم تُسَلَّط عليها الأضواء بقدر ما سُلِّطَت على التنافس بين ماجدا وإيمي خلال فترة الألعاب الأولمبية. بحلول عام 1936، كان زوجا مارجريت هيملر ولينا هايدريش يديران قوات الأمن الخاصة (شوتزشتافل)، والبوليس السري (الجستابو)، والشرطة المدنية، وشكَّلا سويًّا فريقًا مرعبًا، على عكس زوجتيهما اللتين خاضت كلٌّ منهما صراعًا مريرًا لتحظى بالاعتراف بها زوجةً لرئيس قوات الأمن الخاصة.

Embed from Getty Images

بفضل هيملر، كانت مارجريت هي الزوجة الأعلى كعبًا، وحرصت على أن تحظى بإجلال كلِّ فردٍ في قوات الأمن الخاصة. غير أن لينا استاءت من أن تأتي في المرتبة الثانية بعد مارجريت التي كانت تعدها أقل منها شأنًا، ووصفتها بأنها «شقراء ضيقة الأفق وثقيلة الظل». في مرحلةٍ ما، يقال إن مارجريت حاولت إجبار زوجها على إقناع هايدريش بالتخلي عن لينا، لكن هيملر نأى بنفسه عن ذلك؛ لحرصه على عدم الإضرار بعلاقة العمل التي تربطه مع زوج لينا.

في الأولمبياد، دخلت لينا أولًا، وحصلت هي وهايدريش على مقعدين أكثر تميزًا بكثير ومعاملة أفضل مقارنةً بمارجريت وزوجها. كان الفضل في تلك المعاملة المتميزة التي حظيا بها ترجع إلى مكانة هايدريش في اللجنة الأولمبية الألمانية ممثلًا للنظام. لمدة أسبوعين – وفي دورة الألعاب الأولمبية الشتوية السابقة – تنعمت لينا بالطائرات الخاصة وأساطيل السيارات التي كانت رهن إشارتها، واستمتعت بالمأدبة المذهلة التي أقامتها اللجنة الأولمبية للاحتفال بافتتاح الأولمبياد.

إلسي.. زوج رودولف هيس

مع انطلاق ألعاب القوى في الاستاد الأولمبي، شاهدت إلسي هيس وزوجها رودولف – نائب زعيم الحزب النازي – عددًا من الأحداث من مقعديهما في الصف الأول. لكن على الرغم من سَبْق إلسي وزوجها في الحركة النازية – إذ وقعا تحت تأثير هتلر في عام 1920 عندما كانا لا يزالان مجرد طالبين – وإيمانهما المطلق بأيديولوجيته، فإنهما لم يكلفا نفسيهما عناء تنظيم أي فعاليات رسمية أو إقامة أي حفلات فخمة أثناء فترة انعقاد الأولمبياد؛ لأن هذا لم يكن أسلوبهما.

كانت إلسي وهيس مهووسين بالحفاظ على ما اعتقدا أنه القيم الأخلاقية والروحية الكامنة في صميم النازية، والحرص على عدم التلوث بالفساد الذي انتشر داخل الكادر القيادي. لقد تمسَّكا بنمط حياة الطبقة الوسطى المتواضع. وتعهدت إلسي لزوجها بألا يفرطا في هذه المثالية من أجل بعض المغريات، حسبما يحكي المقال.

من أجل ذلك، حرصت إلسي على ألا تظهر كثيرًا في العلن، إلا عند الحاجة، مثل حضورها التجمع الحزبي في نورمبرج، أو مشاركتها في مهرجان فاجنر السنوي في بايرويت، أو أدائها واجبات مدنية. بَيد أن إلسي حافظت على نشاطها من وراء الكواليس، وإن كان أسلوبها في تقييم الأمور كان يزعج كثيرين، بما في ذلك هتلر، ممن لم يستطعوا تحمل النساء اللواتي يعبرنَ عن آرائهن أيًّا كانت.

جيردا.. زوج مارتن بورمان

من المفارقات، أن جيردا بورمان؛ الزوجة التي تشبه إلى حدٍّ بعيدٍ المرأة النازية المثالية، لم تكن حاضرةً حتى في دورة الألعاب الأولمبية لعام 1936. أنجبت جيردا عشرة أطفال، وشغلت نفسها بالشؤون المنزلية، وكانت خاضعةً تمامًا لزوجها مارتن بورمان؛ اليد اليمنى لهتلر وحلَّال المشكلات.

Embed from Getty Images

قابلت جيردا هتلر لأول مرة عندما كانت تبلغ من العمر 12 عامًا فقط. كان والدها، الذي يمتهن الجندية، ملتزمًا بمبادئ النازية، وكان هتلر يزور منزلهم على الدوام. عندما كانت جيردا في سن التاسعة عشرة، تزوجت من بورمان، بعد فترة قصيرة من خطوبتهما. كانت حياة جيردا بأكملها تدور داخل فقاعة نازية، ويرجع ذلك على وجه التحديد إلى أنها كانت ربة منزل وأمًّا نموذجية، مما جعلها بعيدةً عن الألعاب الأولمبية.

خط النهاية

كانت دورة الألعاب الأولمبية التي أقيمت عام 1936 في مجملها نجاحًا كبيرًا للنازيين. بعد أربع سنوات، أُلغيت الألعاب؛ إذ كانت أوروبا في حالة حرب. ولكن مع احتدام الصراع، واقتراب الحلفاء من النصر، ربما تساءلت زوجات النازيين عن الثمن الذي سيتعين عليهن دفعه مقابل إبادة النظام لليهود.

بحلول ربيع عام 1942، أدركت جميع الشخصيات الرئيسة في النظام أن خطة «الحل النهائي» (ترحيل اليهود قسريًّا إلى معسكرات الأعمال الشاقة بهدف إبادتهم) قد بدأت. وبحلول الصيف التالي، كانت معسكرات الموت قد أزهقت أرواح الغالبية العظمى من ضحايا الهولوكوست.

منع هتلر أتباعه من التطرق لهذه المسألة في حديثهم مع زوجاتهم. لكن من المستحيل معرفة ما إذا كانوا قد التزموا بذلك أم لا. فحتى لو لم يأتِ أحدهم على ذكر هذه الأحداث المروعة في مذكراته أو خطاباته، فلربما ذكره في محادثةٍ خاصةٍ، على حد قول الكاتبة.

 إلسي وليندا: زوجانا بريئان!

زعمت إلسي هيس وليندا هايدريش لاحقًا أن زوجيهما لم يكونا على دراية بخطة «الحل النهائي»؛ لأنهما لم يكونا على الساحة عندما بدأ النازيون تطبيقها. في مايو (أيار) 1941، سافر زوج إلسي في مهمة فردية إلى أسكتلندا لإحلال السلام بين ألمانيا والمملكة المتحدة، لكن كان مسعاه محكومًا عليه بالفشل. قُبِض عليه فورًا، وقضى بقية فترة الحرب في الأسر.

لأن هيس كان غائبًا خلال فترة الهولوكوست، كُتبت له النجاة من حبل المشنقة في محاكمات نورمبرج بعد الحرب. بدلًا من ذلك، حُكم عليه بالسجن مدى الحياة، وهو الحكم الذي ناضلت إلسي لإلغائه على مدار الأربعين عامًا التالية، حتى انتحار زوجها في عام 1987.

في 27 مايو 1942، هاجم عملاء تشيكيون – دربهم البريطانيون – هايدريش بعدما هبطوا بالمظلات في ضواحي براغ، ما أسفر عن وفاته لاحقًا متأثرًا بجراحه.

Embed from Getty Images

على هذا الأساس، نفت لينا أن يكون هايدريش يتحمل أي مسؤولية عن الهولوكوست، على الرغم من أنه أمر بذبح آلاف من اليهود وغيرهم من المدنيين قبل تشغيل غرف الغاز، وصدَّق بالموافقة على خطة «الحل النهائي»، كما تذكر الكاتبة. ومع ذلك، أصرت لينا على أن زوجها لم يكن على دراية تامة بتفاصيل الخطة، وأعلنت أنه مات دون أن يتلوث شرفه.

مارجريت: هتلر هو المسؤول

أما مارجريت هيملر فاختارت إلقاء اللوم كله على عاتق هتلر. وقالت إنه مهما كان ما فعله زوجها أو لم يفعله، فإنه كان يتبع أوامر الفوهرر فقط. كما ادَّعت الجهل التام عندما سُئِلت عما تعرفه.

تاريخ

منذ 11 شهر
نور خان.. الجاسوسة «المسلمة» التي كافحت النازية وساهمت في هزيمة هتلر

ومع ذلك، كانت مارجريت هي الزوجة الوحيدة التي شاهدت معسكرات الاعتقال من الداخل؛ إذ زارت معسكر اعتقال داخاو عدة مرات لتفقد حديقتها العشبية الضخمة، تجولت في مخيم رافنسبروك المخصص للنساء. لكن بدلًا من الحديث عن تجربتها، اختارت مارجريت التزام الصمت.

إيمي.. الوحيدة التي تأسفت

على الرغم من الأدلة الدامغة ضد جورينج، رفضت إيمي تصديق أن زوجها له علاقة بجرائم الحرب النازية. منذ وقت مبكر، بذلت إيمي قصارى جهدها لحماية اليهود من أصدقائها وزملائها في مجال الترفيه، مستخدمةً قوة جورينج وسيلةَ ضغطٍ. ولكن مع انحسار سلطة زوجها، بعد إلقاء اللوم عليه في فشل فرع القوات الجوية في الفيرماخت (لوفتفافة) في إخضاع بريطانيا وصد غارات الحلفاء الجوية، لم يعد بمقدور إيمي مساعدة أي شخص.

Embed from Getty Images

من بين جميع زوجات القيادات النازية، كانت هي الوحيدة التي أعربت عن الشعور بالذنب والأسف بشأن ما حدث باسم هتلر، واعترفت بأنه عندما «شاهدت هي وزوجها الظلم يُرتَكَب» كان يجب أن «يُظهروا مقاومةً أقوى، لا سيما… فيما يتعلق بالمسألة اليهودية».

ماجدا.. الانتحار خيرٌ من مواجهة العواقب

لم تكن ماجدا جوبلز مُغَيَّبة عن حجم الإبادة الجماعية التي تُرتكب؛ إذ لم يستطع زوجها الاحتفاظ بالسر لنفسه. صُدمت ماجدا وأصابها الفزع، وأسرَّت لأقرب صديقاتها بما روَّعها دون أن تكشف لها عن أي تفاصيل محددة. احتفظت بمشاعرها لنفسها حتى النهاية، على الرغم من أنها لم تكد تطيق العبء الذي يثقل كاهلها.

في 1 مايو 1945، بدلًا من مواجهة العواقب، انتحرت ماجدا وزوجها، بعد أن رتَّبا لقتل أطفالهما الستة، بالسم أثناء نومهم، قبل ساعات قليلة. في آخر رسالة لها، كتبت ماجدا أن الموت كان أفضل لهم من العيش في عالم لا يحيا فيه هتلر. لكن ما بين سطور الخطاب، كان هناك خوف أعمق: إذا كُتِبَت لهم النجاة؛ فإن أبشع جريمة في تاريخ البشرية ستظل تلاحق أطفالهما بوصمتها إلى الأبد.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد