لم يكن هتلر ذا شعبية كبيرة عندما تولى الحكم، لكن سرعان ما غير النازيين ذلك؛ فببساطة «السلطة تعظم أفكار من يملكون السلطة».

كتب «بيتر هايز» -أستاذ التاريخ والبروفيسور الألماني في مؤسسة تيودور زيف فايس «مؤسسة الهولوكوست التعليمية» والحاصل علي دراسة فخرية للمحرقة من جامعة نورث وسترن- في مقال نشر في ذكرى المحرقة على موقع «ذا ديلي بيست»، ليلفت أنظار العالم إلى الدرس الأهم في المحرقة؛ إذ يرى أن كيفية تطور النازية، وكيف بدأت، هي ما ينبغي أن يحذر منه العالم اليوم.

يقول «بيتر»: إن السابع والعشرين من يناير (كانون الثاني) هو الذكرى الثانية بعد السبعين لتحرير معسكر أوشفيتز للاعتقال والإبادة، إلا أنه فعليًا ليس نهاية المحرقة «الهولوكوست»؛ إذ استمر القتل بالغازات السامة، حتى عشية انتحار هتلر في 30 أبريل (نيسان) عام 1945. وكان قد مات الآلاف إثر التجويع وإساءة المعاملة في أماكن مثل «بيرجن بيلسن» أحد معسكرات الاعتقال النازية لمدة أسابيع، حتى بعد تحريرها.

إلا أن السابع والعشرين من يناير (كانون الثاني) يجب أن يضبط بوصلة تفكيرنا على البدايات. كيف حدث ذلك؟ وتحديدًا كيف صارت ألمانيا -التي من المفترض أنها كانت لديها كل مؤشرات البلد المتحضر والعصري حينها- مجتمعًا استبداديًا، غير مكترثٍ بطريقة وحشية بمصائر أي شخص من خارج نطاقها المفترض أو من خارج مجتمعها؟

مثل تلك الأسئلة يجب أن تقلق الناس في أي زمان.

هتلر زعيم أقلية!

كان هتلر قد اختار مجموعة أقلية لقيادة البلد. عندما تولى المنصب، بالكاد لم يصوت حوالي 55 % من الألمان له. انتشرت معاداة السامية في الثقافة الألمانية، لكن لم تكن بأية حال مهيمنة أو تحظى بالاحترام. بشكل عام نظرت النخبة الوطنية بشكل عام إلى الفوهرر النازي بإزدراء وعدم ثقة، وشك في قدرته على إدارة الحكم، وذلك نظرًا لافتقاده التام لأية خبرة في هذا الشأن.

لوحظ وجود إجماع بشأن الوعود الوحشية النازية أنها ليست إلا تهديدات متطرفة لكنها في النهاية ستنتهي بأمر يسير يقبله القانون.

هتلر الزعيم

إلا أنه بعد مرور ست سنوات، رضخ معظم الألمان، وحاول الكثير منهم الاستفادة من الذل والسلب وانتزاع الملكيات الذي تعرض له اليهود الألمان، ودنو مرتبتهم عن الأعضاء التابعين للرايخ، وإبعادهم القسري من البلاد.

وبعد ثلاثة سنوات أخرى، معظم الألمان بما فيهم نخبة أصحاب الشركات، والعاملين في الخدمة المدنية الذين احتقروا هتلر في 1933، لم يغضوا الطرف عن الاستعباد والقتل الجماعي، بل شاركوا في تسهيله، كما عُثر على عدد كبير من المساعدين في المناطق التي احتلتها دول المحور، وكذلك المناطق، حيث حلفاء المحور في شتى أنحاء أوروبا.

دليل إرشادي لـ«شيطنة الآخر»

ولعل المفتاح لفهم تحول سلوك الألمان واضح جدًا: السلطة تُعظم من أفكار من بيدهم السلطة، إذ مكنت السلطة التي في يد النظام النازي من إطلاق العنان للكارهين لنشر الرعب بين ضعاف القلوب، وتغيير التوازن الأخلاقي للتعصب؛ فترى الأشياء المرفوضة والمسيئة على أنها عظيمة وطنية، وبمجرد حدوث ذلك، تتولى المصالح الذاتية للأفراد الباقي.

وفوق كل شيء، مكنت السلطة للدعاية النازية من تقسيم العالم بشكل فج إلى (نحن، وهم)، مع تجاهل وجهات النظر الأكثر تفصيلًا، فقد أصبح العالم بالنسبة للألمان، صراع مستمر بين ما يمثله الألمان من فقر وشرف وتضحية، وبين ما يمثلونه هم من شر وتآمر وحقد، في مثل هذه البيئة غير المتسامحة، أصبح من الطبيعي استخدام كافة وسائل الدفاع عن النفس، بما في ذلك ضربهم استباقيًا ـ كالاستيلاء على حقوقهم، وحصارهم في المخيمات والأحياء اليهودية، والتخلص منهم- قبل أن تتاح لهم الفرصة أن يقوموا بما هو أسوأ.

تعد سياسة شيطنة «الآخر» من أولى خطوات الاضطهاد والإبادة الجماعية . أحد الشروط الأساسية لـشيطنة الآخر يتمثل في شعور أنصار تلك السياسة بأنهم الضحية – بأنهم كانوا أو أوشكوا أن يسلبوا حقهم الطبيعي في أرضهم.

لم يقتصر توغل أتباع معاداة السامية الحديثة على ألمانيا فقط، بل انتشر في أماكن كثيرة في أوروبا، حيث يوجد النازحون وكل من تدمرت حياته بسبب الثورة الصناعية، وأيضًا المهددون بشبح الشيوعية.

في أيامنا هذه، أنصار الشعبوية الأهلانية المعادية للمهاجرين – الذين لم يقتصر وجودهم في الولايات المتحدة فقط، بل أيضًا في أوروبا – هم أناس تدنت مكانتهم الاجتماعية وشوشتهم الثورة الرقمية،كما أزعجهم صعود الإسلاميين أو بالأحرى أصابهم بالذعر. فهل سيتبعون سبل النازيين نحو تصعيد غير مسبوق من جنون العظمة والاضطهاد؟

لن يحدث ذلك، إلا بمساعدة الحكومات لهم، إذ لا تستطيع الحركات الشعبوية وحدها أن تضطهد مجتمعات أو أن تقوم بالإبادة الجماعية من تلقاء نفسها؛ فتلك الظواهر تحتاج أصحاب المناصب العليا لدعم، وتحفيز ونشر الكراهية.

لن يحدث ذلك إلا عندما يسمح أولًا الزعماء الأقوياء بسيادة التمييز والعنف،وبعدها يحدث تسريع لتلك الرغبات، ثم تدهور منهجي، ناهيك عن القتل الجماعي.

ذلك هو التحدي الذي تثيره المحرقة الهولوكوست بعد كل هذه السنين: ما هي الطريقة التي سيلجأ إليها القادة السياسيين تلك المرة؟ نحو تغذية قطاعات غاضبة وانتقامية من الرأي العام أو نحو تعزيز التعددية والتقدم؟ ولأن الآفاق تبدو محفوفة بالمخاطر في الوقت الراهن، يجب علينا جميعا أن نتذكر كلمات المثل الألماني

«حذار البدايات»! وكن على استعداد للتعامل معها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد