إن فشل الغرب في أفغانستان يجب أن يفتح أعينهم على حقيقة أنهم لا يعرفون البلدان والثقافات الأخرى على الإطلاق.

نشر موقع «ريسبونسيبل ستيت كرافت» مقالًا يتحدث عن تعامل البلدان الغربية مع البلدان التي احتلتها، ومدى إحراز الغرب نجاحًا في النهج المُتَّبع في هذا الصدد. ويؤكد المقال الذي كتبه أناتول ليفن، زميل الأبحاث في شؤون روسيا وأوروبا في معهد كوينسي الأمريكي لفن الإدارة، أنه ينبغي على الأمريكيين تعلم الدروس المستفادة من الحروب التي اندلعت في فيتنام والعراق وأفغانستان، مؤكدًا أن الأهمية الحاسمة لمعرفة التاريخ والثقافة والتقاليد المحلية تنطبق على هزيمة الغرب وانتصار حركة طالبان في أفغانستان، وأن الأوساط الأكاديمية أسهمت في تقويض قُدرة الغرب على الانخراط الهادف في التطوُّرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في بقية أنحاء العالم.

يستهل الكاتب مقاله بالقول: في المدة التي سبقت غزو العراق في عام 2003، أعرب توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني آنذاك، عن اعتقاده بأن الشعب العراقي سيرحِّب بعملية «التحرير» التي نفذتها الولايات المتحدة وبريطانيا. ورفض بلير أن يُصغي إلى التحذيرات التي تفيد أن تاريخ الاستعمار البريطاني في العراق سيقود العراقيين في حقيقة الأمر إلى أن ينظروا إلى التدخُّل العسكري البريطاني بريبة وعداء فطريين.

اعتذار علني

ومع ذلك، كان بلير أيضًا أول رئيس وزراء بريطاني يعتذر علنًا عن الجرائم التي ارتكبها الاستعمار البريطاني. وعلى غرار الليبراليين الغربيين الأمميين بصفة عامة، لم يكن هذا الاعتراف بالخطايا الوطنية الماضية ليؤهل توني بلير بأي شكل من الأشكال لكي يدَّعي الحق في إلقاء المحاضرات على أسماع الدول الأخرى متحدثًا عن خطاياهم، وإخبارهم بالكيفية التي ينبغي أن يُحكموا من خلالها، وغزوهم تحت زعم بناء الديمقراطية. ولا يمكن تفسير هذا المزيج من المواقف تفسيرًا عقلانيًّا، ولكنه يبدو منطقيًّا للغاية بوصفه مظهرًا من مظاهر الدين العلماني.

ويطرح الكاتب سؤالًا: وفي إطار السياق الديني، كم عدد المرات التي قدَّمت فيها الاعترافات العلنية الصريحة بارتكاب أخطاء شخصية مُبرِّرًا للإدانة الجارحة لأخطاء الآخرين؟

Embed from Getty Images

ويجيب: يمكن العثور على هذا المزيج في أولئك الليبراليين الأمريكيين الأمميين الذين اعترفوا بتقديم الدعم الأمريكي المُمنهج للأنظمة الديكتاتورية الوحشية في الشرق الأوسط واعتذروا عن تقديم هذا الدعم، ولم يفعلوا ذلك إلا من أجل مطالبة الشعوب التي تعيش في منطقة الشرق الأوسط بالوثوق في وعودهم هذه المرة: إذ تفيد هذه الوعود أن الإدارة الأمريكية صادقة حقًّا في إرساء دعائم الديمقراطية في المنطقة.

ويطرح الكاتب سؤالًا آخر: واستنادًا إلى كل الأدلة السابقة، لماذا ينبغي أن يثق أي عربي أو إيراني على وجه الأرض في هذه الوعود؟ ويجيب: لقد فُضِح على نحو صارخ المزيج الذي كان يعتمد عليه بلير من التعصب الأيديولوجي والجهل التاريخي المُطبَق في خطابه في يوليو (تموز) 2003 أمام الكونجرس الأمريكي والذي كان يبرر فيه غزو العراق، إذ قال: «قيمنا ليست قيمًا غربية. ولكنَّها قيم عالمية تتمتَّع بها النفس البشرية، وفرصة الاختيار متاحة في أي مكان وفي أي زمان أمام عامة الناس، والاختيار دائمًا ما يكون هو نفسه. والحرية لا تعني الاستبداد. والديمقراطية لا تعني الديكتاتورية».

ويؤكد كاتب المقال أن هذا الاعتقاد تغلغل في خطاب إدارة بوش بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، وإستراتيجية الأمن القومي في الولايات المتحدة عام 2002، و«أجندة الحرية» للشرق الأوسط. ووفقًا لتلك الإستراتيجية:

«انتهت الصراعات الكبرى التي اندلعت في القرن العشرين بين الحرية والشمولية (الحكم الاستبدادي) بتحقيق قوى الحرية انتصارًا ساحقًا، وهو نموذج واحد مستدام للنجاح على صعيد وطني: الحرية والديمقراطية والمشروعات الحرة.. يريد الأشخاص في كل مكان أن يكونوا قادرين على أن يتحدثوا بحرية، وأن يختاروا من يحكمهم، وأن يعبدوا ما يشاءون، وأن يُعلِّموا أطفالهم، ذكورًا وإناثًا، وأن يتمَّكنوا من حيازة الممتلكات، وأن يتمتَّعوا بفوائد عملهم. وقيم الحرية هذه حق مكفول لكل شخص في كل مجتمع».

وبوصفه شكلًا يقل فظاظةً إلى حدٍّ ما، يستمر هذا الأمر في تشكيل العقيدة الأيديولوجية الأساسية لمعظم وسائل الإعلام الغربية ومجموعة واسعة من المؤسسات الغربية، بما في ذلك الوزارات المعنية بشؤون المعونة التي تنخرط في تعزيز «إصلاح أمور الحكم» في أماكن أخرى من العالم.

رسالة أيديولوجية على صعيد عالمي

وينوِّه كاتب المقال إلى أن إنكار أهمية أحداث التاريخ والتقاليد المحلية، فضلًا عن إنكار الدروس المستفادة من تاريخ الاستعمار في الغرب، يُعد من الأمور المتأصِّلة في شعور الأمريكيين والأوروبيين بالمهمة الأيديولوجية في العالم، والتي تدعم مطالباتهم بالهيمنة العالمية والإقليمية. كما يُعد هذا الأمر جزءًا لا يتجزأ إلى حدٍّ ما من كيفية أداء الأنظمة البيروقراطية الغربية لمهامِّها. وتتطلب البيروقراطية، وكذلك الأيديولوجية، نماذج عالمية قابلة للتطبيق على صعيدٍ عالمي. وحتى تؤدي البيروقراطية عملها بسلاسة (على عكس تحقيق التغيير الفعلي)، تُعد الخبرات المحلية عائقًا أكثر من كونها عاملًا مساعدًا.

Embed from Getty Images

وعلاوةً على ذلك، هناك حقيقة تفيد أن أولوية السلامة الشخصية (المعروفة في طبقة الموظفين العليا في بريطانيا باسم «واجب الرعاية») تعني في أجزاء كثيرة من العالم أن المسؤولين الغربيين لا يستطيعون أن يسافروا خارج بلادهم، أو حتى خارج السفارات والفنادق الدولية الخاصة بهم. وبعد مرور عامين، ونظرًا لفشلهم في إثراء أي معرفة جادَّة عن أحد المجتمعات، يهرع هؤلاء المسؤولون إلى محاولة تنفيذ برامج مماثلة في مجتمع آخر، حيث يفشلون أيضًا في دراسته. والنتيجة هي: أن البرامج التي لا تتمتع إلا بِقْدرٍ محدود من العلاقة الظاهرية مع الواقع المحلي، لا تصمد بسبب ذلك أمام أبعد فرصة لتحقيق نجاحٍ محدودٍ.

على سبيل المثال، كان الضباط والمسؤولون البريطانيون الذين يعملون في ولاية هلمند في أفغانستان يجهلون تمامًا وقائع معركة مايواند المحلية التي اندلعت عام 1879، التي هزم فيها الأفغانُ الجيشَ البريطاني. وقد علم كل مواطن من مواطني هلمند بأمر هذه المعركة، وكان معظم هؤلاء الأشخاص مقتنعين (بصورة سخيفة، ولا يزالون على هذا الوضع) بأن أحد الدوافع الرئيسة للوجود العسكري البريطاني على أرض أفغانستان في الوقت الحالي يتمثَّل في شن أعمال انتقامية ردًا على هزيمتهم في معركة مايواند.

الأوساط الأكاديمية

ووفقًا لكاتب المقال، أدَّت الأوساط الأكاديمية دورها في تقويض قُدرة الغرب على الانخراط الهادف في التطوُّرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في بقية أنحاء العالم. وشهدت العقود الأخيرة انخفاضًا حادًّا في الدراسات التاريخية ودراسات المنطقة (واللغات الأجنبية في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة). وحلَّ محلها تخصُّصات تستند إلى حدٍّ كبيرٍ إلى أشكال التعصُّب الليبرالي الغربي الذي يتنكَّر في صورة نظريات عامة موضوعية، بالإضافة إلى «نظرية الاختيار العقلاني» بوصفها النسخة الأكثر فظاظة من هذا التعصُّب.

وقد قُدِّمَت ضغوط إضافية ضد الدراسة الجادة للثقافات الأخرى على أيدي مجموعات كبيرة من الأكاديميين الذين تبنَّوا رواية بدائية ومتوافقة من أطروحة «الاستشراق» لإدوارد سعيد، وأصبحت كل محاولة غربية تهدف إلى دراسة الثقافات الأخرى وفقًا لشروطها الخاصة يمكن التشكيك التلقائي في كونها «تمييزية» شبه عنصرية واستنكارها بناءً على ذلك. وقد أثَّرت هذه القضية تأثيرًا مُدمِّرًا من نوعٍ خاص في مجال علم الأنثروبولوجيا.

وبحسب المقال، يتمثَّل الشيء الغريب في هذا الأمر في أن هذه الأيديولوجية المفترضة «المناهضة للاستعمار» لا تكتفي برفض أي ثقافة مستقلة لشعوب أخرى في العالم، ولكنَّها تحتوي على افتراض ضمني يفيد أن جميع البشر (ما لم تشوِّههم التأثيرات الغربية الشيطانية) يُمثِّلون في جوهرهم أساتذة جامعيين ليبراليين غربيين.

دولي

منذ 3 أسابيع
«فورين بوليسي»: طالبان لا تحتاج رضا الغرب أو مساعداته!

وفي كثير من الأحيان، يسهم مُفكِّرون وناشطون حضريون ليبراليون من البلدان المعنية في تعزيز هذه الأوهام، إذ تتسلَّح هذه الشخصيات بحوافز عاطفية وعملية ضخمة لتقديم بلدانهم بوصفها بلدانًا حديثة في جوهرها (مع تعريف حديث ضمنيًّا بمصطلحات غربية تمامًا). ومن الناحية العاطفية، يخدم هذا الأمر رغبتهم العاطفية في أن يكونوا جزءًا من الغرب وأن يعاملهم زملاؤُهم الغربيون على قدم المساواة. ومن الناحية العملية، سرعان ما يدركون أهمية دعمهم للأفكار الغربية إذا كانوا يريدون أن يحصلوا على الوظائف الغربية ويجمعون الأموال. وبوصفهم شخصياتٍ مُثقَّفةً تعيش في الحضر، ربما يجهلون حقًّا معظم شؤون بلادهم، فضلًا عن ازدرائهم الفعلي لسكانها.

ويضيف الكاتب: ونظرًا لأن هؤلاء الأشخاص هم في الغالب الأشخاص الوحيدون الذين يستمع إليهم الصحفيون والمسؤولون الغربيون بجدية، قد تكون النتيجة نوعًا من تزاوج الأوهام. وعندما زرتُ أفغانستان في المدة من 2002 إلى 2003، شعرتُ في البداية بدهشة شديدة عندما سمعتُ من مسؤولين غربيين وصلوا مؤخرًا إلى كابول، كانوا يعتمدون على معلومات أفغانية، أن أفغانستان كانت بلدًا «ديمقراطيًّا ناجحًا» في حقبة الستينيات من القرن الماضي، وكانت تتميز بقوة طبقاتها الوسطى. غير أن هذه الدعابة أصبحت مُملَّةً للغاية، بعد أن سمعتُ هذه المعلومات الزائفة للمرة الثالثة، وأدركتُ مدى إسهامها في إيهام هؤلاء الأشخاص بشأن توقُّعات إرساء الديمقراطية في أفغانستان.

ما النهج المُتَّبع في برامج إرساء دعائم الديمقراطية؟

ويوضح كاتب المقال أن الأحداث التي شهدتها أفغانستان ينبغي أن توفر الزخم اللازم من أجل إجراء نقاش يبحث عن الذات في الغرب بشأن النهج الكامل الذي نتَّبعه في برامج إرساء الديمقراطية و«إصلاح أمور الحكم» في البلدان الأخرى. ومع أن الجهود العسكرية الغربية التي بُذِلَت في أفغانستان فشلت نسبيًّا فقط (بمعنى أنه بينما فشلت القوات الغربية في تحقيق أهدافها، إلا أنها لم تُهزَم على أرض الواقع)، إلا أن الجهود الغربية الرامية إلى بناء دولة ديمقراطية فشلت فشلًا ذريعًا إلى أبعد الحدود. وحرفيًّا، لم يتبقَ شيء من آثار هذه الجهود. بالإضافة إلى أن الطبقات الأفغانية التي وثقنا بها ودعمناها لم تكن مستعدة في آخر المطاف لأن تقاتل وتموت من أجل النظام الذي شاركنا في إنشائه.

Embed from Getty Images

وتنطبق الأهمية الحاسمة للتاريخ والثقافة والتقاليد المحلية على هزيمة الغرب وانتصار حركة طالبان على حدٍّ سواء. وعلى عكس سنوات من دعاية الحكومات الغربية والأفغانية التي تخدع نفسها، تمثَّل العنصر الأهم في نجاح حركة طالبان، في رسوخها البالغ في الثقافة الريفية البشتونية وقيمها الأساسية للدين المحافظ والولاء العائلي ومقاومة الاحتلال الكافر، بما في ذلك المحاولات السابقة التي أجراها الاستعمار البريطاني من أجل غزو البلاد. ويتبين هذا الأمر بوضوح في دعاية طالبان وأشعارها والمحادثات المُسجَّلَة لمقاتليها.

ويرى الكاتب أن هذه القيم (التي تؤمن بها طالبان) دخيلة على القيم الليبرالية الغربية المعاصرة، ولكن لا يمكن أن ينكر أي شخص صادق بعد الآن المرونة والشجاعة الشديدتين اللتين قدمتها هذه القيم في صراع طالبان، أو حقيقة أن هذه القيم وأولئك الذين تمسَّكوا بها تغلَّبوا في النهاية على القيم والشعب الأفغاني الذي حاول الغرب أن يدعمه.

ويتمثَّل الدرس الأخير المُستفاد من انهيار أفغانستان في أنه بينما قد يكون من الممكن من حيث المبدأ أن نتخيل إعادة تنظيم المؤسسات والبرامج الغربية التي تقدم الإعانة بحيث تكون أكثر ملاءمةً للبلدان التي تحاول تغييرها، قد يكون هذا الأمر شبه مستحيل في حالة حملات مكافحة التمرد. ولا يمكن تطوير المعرفة المحلية العميقة اللازمة لإدارة العنصر السياسي الأساسي لمكافحة التمرد مُسبقًا، وعندما انخرطت القوات الأمريكية بالفعل في مكافحة التمرد، كان من المستحيل بناء هذه المعرفة بسرعة كافية من أجل تشكيل السياسات الأساسية، حتى إذا كانت الإرادة لأداء هذه المهمة موجودة في أنظمتنا البيروقراطية العسكرية والمدنية والأكاديمية.

ويختتم الكاتب مقاله بالقول: ينبغي أن نتعلم هذا الدرس من (حرب) فيتنام. وإذا فشلنا في أن نتعلمه من العراق وأفغانستان، فسوف يشير ذلك إلى أن أنظمتنا السياسية وثقافتنا السياسية قد أصبحت متحجِّرَة على الأصعدة الفكرية والأخلاقية والمؤسسية إلى درجة تُذكِّرنا بالاتحاد السوفيتي في عهد بريجنيف. وربما نعتقد أن الديمقراطية ستنقذنا من أن نواجه هذا المصير، ولكن الديمقراطية تساعد فقط أولئك الذين يساعدون أنفسهم.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد