الملايين حول العالم مصابون بأمراض النفسية، كالقلق والتوتر والاكتئاب والرهاب الاجتماعي واضطرابات الأكل وإيذاء النفس والشعور بالوحدة. وقد تعددت أسباب هذه الأمراض، لكنّ هناك سببًا رئيسيًا وراء كل ذلك وهو العزلة الاجتماعية، بحسب ما ذكره الكاتب جورج مونبيوت في مقال لصحيفة الجارديان البريطانية.

يرى مونبيوت أن التغير الاقتصادي والتكنولوجي كان له دورٌ رئيسي في العزلة الاجتماعية، وكذلك الأفكار التي يعتقدها الإنسان، فبالرغم من أن سعادة الإنسان ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالآخرين، إلا أننا دائمًا ما نسمع أننا سوف ننجح عن طريق الفردية وتحقيق المصلحة الذاتية خلال المنافسة.

الشباب أكثر شعورًا بالعزلة

 

يقول مونبيوت أن النزعة الاستهلاكية تملأ الفراغ الاجتماعي لدى الإنسان، لكنها ليست علاجًا للعزلة، إذ إنها تزيد من المقارنة الاجتماعية والتنافس مع الآخرين، إلى أن يصل الإنسان في النهاية إلى منافسة نفسه. على سبيل المثال، تقوم الفتيات بتغيير صورهن على وسائل التواصل الاجتماعي باستمرار بصور يبدون فيها أجمل وأقل وزنًا، ليصبحن – بحسب وصف الكاتب – وكأنهن في حرب ضد أنفسهن.

تشير دراسة بريطانية حديثة إلى أن واحدة من بين كل أربع نساء تتراوح أعمارهن بين 16 إلى 24 عامًا قمن بإيذاء أنفسهن من قبل، وأن 26% من النساء في هذه المرحلة العمرية يعانين من أمراض نفسية كالقلق والاكتئاب والرهاب واضطراب الوسواس القهري.

بحسب تقرير للمؤسسة البريطانية للصحة النفسية «Mental Health Foundation»، فإن الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عامًا أكثر عرضة للشعور بالوحدة من هؤلاء الذين تتخطى أعمارهم 55 عامًا، كما أشار التقرير إلى أن الأجيال الشابة تزداد شعورًا بالعزلة بشكل تدريجي.

وفي مقال لصحيفة الجارديان، أشارت الكاتبة إيميلي وايت أن الآثار الصحية المرتبطة بالعزلة الاجتماعية تراكمية، أي أننا إذا أردنا الوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية المرتبطة بالوحدة بين الأشخاص في عمر الستين، يجب علينا معالجة المشكلات المتعلقة بالتواصل الاجتماعي لدى الشباب في العشرينيات من عمرهم.

خطورة العزلة

 

الكثير من الناس لا يتعاملون مع الأمراض النفسية بنفس القدر من الجدية عند تعاملهم مع كسر في أحد الأطراف على سبيل المثال، والسبب في ذلك هو أن المرض النفسي لا يستطيع المريض رؤيته. لكن هذا لا يعني عدم وجود المرض، فالمختصون في علم الأعصاب يمكنهم التعرف على تلك الأمراض جيدًا. تشير عدة أبحاث إلى أن الألم الناتج عن الانعزال الاجتماعي والألم الجسدي ينتجان عن طريق نفس الشبكات العصبية. كما يقول مونبيوت إن التواصل الاجتماعي يخفف من الألم الجسدي للإنسان وكذلك لبعض الثدييات الأخرى، لذلك يعانق الإنسان طفله إذا ما تعرض لجرح أو ألم.

وقد نشرت دورية «Physiology & Behaviour» نتائج عدة تجارب تفيد بأن الكائنات الاجتماعية من الثدييات إذا ما خُيرَت بين الألم الجسدي أو العزلة فإنها ستختار الاختيار الأول. في تجربة أُجريت على قرود الكبوشي، تم حرمانهم من الغذاء والاتصال بالقرود الأخرى لمدة 22 ساعة، وبعد انتهاء تلك المدة انضمت القرود إلى رفقائهم أولًا قبل الأكل.

وقد ذكر مونبيوت أن الإنسان كثيرًا ما يلجأ لإيذاء نفسه في محاولة لتخفيف محنة نفسية يمر بها، وهذا يدل على أن الألم الجسدي قد يكون أخف من الألم المعنوي. وفي السجون، يعتبر الحبس الانفرادي أحد أكثر طرق التعذيب فعالية.

من منظور التطور، فإن بقاء الحيوانات داخل المجموعة يزيد من فرص كل فرد في البقاء، أما الأفراد المعزولة فهي أكثر عرضة للافتراس أو الموت جوعًا.

ومن غير المفاجئ أن العزلة الاجتماعية ترتبط بقوة مع الاكتئاب، والقلق، والأرق، والخوف، والتوهم بوجود تهديد، والانتحار. وعلاوة على ذلك، تتسبب العزلة الاجتماعية في  بعض الأمراض الجسدية أو تزيد من حدتها، مثل الخرف، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب، والسكتات الدماغية، وضعف المقاومة ضد الفيروسات، وحتى الحوادث تعتبر أكثر شيوعًا بين الأشخاص المنعزلين اجتماعيًا بشكل مزمن. وللعزلة الاجتماعية تأثير على الصحة الجسدية يضاهي تأثير تدخين 15 سيجارة يوميًا، كما أنها تزيد من خطر الموت المبكر بنسبة 26%. يرجع السبب في ذلك – بشكل جزئي – إلى أن العزلة الاجتماعية تؤدي إلى زيادة إفراز هرمون الكورتيزول، الذي يعرف بـ«هرمون التوتر»، والذي يتسبب في ضعف الجهاز المناعي.

هل من حل؟

تحدثت وايت عن رجل من مدينة لوس أنجلوس يُدعى تشاك مكارثي، يتقاضى أجرًا مقابل كل ميل يمشيه مع أحد العملاء ويتحدث معه. يُعَدّ ما قام به مكارثي شكلًا جديدًا من أشكال التفاعل الاجتماعي ومن المتوقع أن ينتشر على نطاق أوسع. لقد قام مكارثي بتحويل التواصل الاجتماعي إلى شيء يمكن شراؤه.

تقول وايت إنها لا تؤيد فكرة دفع المال مقابل التواصل الاجتماعي، لكنها أيضًا لا ترغب في أن يشعر الناس بالوحدة لتلك الدرجة. يواجه الشباب في العصر الحالي ضغوطات اجتماعية هائلة، إذ إن أوقات العمل المتغيرة تجعل من الصعب تكوين أصدقاء في العمل، والقليل مِن الأحياء مَن توفر حدائق وأماكن عامة بأسعار معقولة.

ووفقًا لمونبيوت، فإن الشعور بألم نفسي يحمينا من إصابات أخطر إذ إنه يدفعنا للتواصل مع الآخرين، لكن الكثيرين يجدون التواصل الاجتماعي أمرًا قد يكون مستحيلًا.

مع وجود خدمات مثل دفع المال لأحد الغرباء مقابل تمشية الكلاب أو رعاية الوالدين المسنين أو استضافة حفلات أعياد الميلاد، فإنها مسألة وقت حتى يصبح دفع المال من أجل التواصل الاجتماعي في صورة المشي أو شرب القهوة أو تناول العشاء مع أحد الغرباء أمرًا سائدًا. ورغم معارضة وايت لمثل هذه الخدمات، إلّا أنها لا ترى بدائل كافية، إذ إن الانخراط في أنشطة اجتماعية يتطلب قدرًا من الثقة وهو أمر يفتقده الكثير من الناس.

تقول وايت إن نمو سوق التواصل الاجتماعي هو دليل على وجود احتياجات اجتماعية لا تتم تلبيتها. ويمكن حل المشكلة، من جانب آخر؛ من خلال اتخاذ بعض الإجراءات التي تعالج أسباب الشعور بالوحدة مثل انخفاض الدخل وعدم القدرة على توفير سكن مناسب. لكن – بحسب وايت – فإنه لا يحتمل حدوث ذلك.

يرى مونبيوت أنه على الجميع أن يعيد نظرته إلى العالم، وأن علينا أن نتخلى عن الفردية، لأننا »متحدين نقف متفرقين نسقط».

وتتوقع وايت أنه في خلال ما يقرب من عشر سنوات، سيكون التواصل الاجتماعي مقابل المال أمرًا عاديًا مثل العلاج مقابل المال. إن الحاجة إلى التواصل الاجتماعي هي أمر أساسي، وإذا كان السبيل لذلك هو دفع المال، فسوف يقوم الناس بذلك.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد