نشر موقع «ميدل إيست آي» مقالًا للكاتبة والمحاضِرة الإسرائيلية ليلي جليلي تحدثت فيه عما يبدو وكأنه خطة إستراتيجية لصرف انتباه الرأي العام يلجأ إليها الرؤساء الإسرائيليون كلما وقعوا في مأزق. 

تعود ليلي في مستهل مقالها إلى الفترة بين عامي 2003 – 2004 حيث كان رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك آرييل شارون يواجه سلسلة طويلة من التحقيقات في تهم بالفساد. قدم شارون أولًا خطته أحادية الجانب لفك الارتباط مع غزة في 2003، ثم تسببت فضيحة الرشوة، التي باتت تعرف باسم «قضية الجزيرة اليونانية» في وضع الرئيس تحت الضغط للتنحي عن منصبه في 2004.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 5 شهور
مترجم: جلعاد أردان.. تعرف إلى سفير خطة إسرائيل لضم الضفة الغربية

في ذلك العام نفسه، تبنت الحكومة الإسرائيلية خطة فك الارتباط أحادي الجانب مع غزة، ونفذتها في 2005. وحتى يومنا هذا، يعتقد الكثيرون أن خطة الانسحاب لم تكن سوى محاولة من شارون لصرف انتباه الرأي العام عن التحقيقات الجارية بشأن ممارساته. 

فك ارتباط ومخطط ضم.. تحركات سياسية أم أطواق نجاة؟

وعلى أية حال فمن قام بهذه الخطوة هو شارون نفسه الذي ما فتئ يصرح مرارًا وتكرارًا في 2002 و2003 أن مستوطنة «نتساريم لا تختلف عن تل أبيب» أو أن «مصير نتساريم ومصير تل أبيب واحد». 

تعلّق الكاتبة: حسنًا، لم تكن كذلك؛ فمستوطنة نتساريم الواقعة في غوش قطيف والتي أصبحت رمزًا للنزاع حول وجود إسرائيل في غزة تم إجلاء سكانها في خطة شارون تلك لفك الارتباط. 

هذا الملمح التاريخي القصير للقرارات السياسية بالغة الأثر التي يتخذها القادة في توقيت مثير للاهتمام يسعون فيه إلى صرف الانتباه عن التشابكات القانونية، عاد إلى الأذهان الأسبوع الماضي؛ عندما اختار رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الإشارة إلى خطة الضم بعد يوم واحد فقط من بدء محاكمته بتهم الفساد. إذ أعلن في اجتماع حزب الليكود يوم الاثنين أن موعد البدء هو 1 يوليو (تموز).

Embed from Getty Images

خطة الضم التي تشمل ضم غور الأردن والمستوطنات اليهودية غير القانونية والتي تشكل ما نسبته 30% من أراضي الضفة الغربية هي جزء من ما يسمى «صفقة القرن» التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والتي تدَّعي إدارة ترامب أنها شكل من أشكال دولة فلسطين المستقبلية. ولكن نتنياهو سارع إلى تأكيد التزامه بتنفيذ خطة الضم سريعًا بالتزامن مع بدء محاكمته. 

مرة أخرى تمامًا كما فعل شارون في خطة فك الارتباط، لم يكن هذا الأمر ما يطمح إليه نتنياهو طوال حياته، كما يتذكر يوسي بيلين رئيس العدل السابق وأحد مهندسي اتفاقات أوسلو. 

استحضر بيلين لـ«ميدل إيست آي» بعضًا من حديثه مع نتنياهو عام 2011 قائلًا: «تحدثنا عن غور الأردن، وأشار نتنياهو تحديدًا إلى أهمية وجود الجيش الإسرائيلي في غور الأردن لمدة 40 سنة. وأذكر أنني سألته: لماذا 40 سنة تحديدًا؟ لكنه لم يعط تفسيرًا. أمر واحد مؤكد؛ أنه لم يأت على ذكر الضم بتاتًا».

تتابع ليلي: حتى لو كان هناك دافع آخر وراء خطة الضم، كأن يكون راغبًا في ترك إرث جيد قبل رحيله، فيبدو أن اللعب مع الشعب – الفلسطيني والإسرائيلي على حد سواء – هي إستراتيجية قانونية يلجأ إليها القادة الإسرائيليون عندما يقعون في مأزق. أو على حد قول الكاتبة أجاثا كريستي الذي ورد على لسان محققها البارز هيركيول بوارو: «إنها مصادفة متقنة لدرجة أنها لا يمكن أن تكون مجرد مصادفة».

ولكنها ليست 2005

تنتهي المقارنة هنا، فإسرائيل في 2005 ليست ذاتها في 2020. فمن كان يظن آنذاك أن شارون، مسعّر الحرب القاسي والمتهور، يمكن أن يجعل نتنياهو يظهر بصورة أسوأ منه.

تضرب الكاتبة مثالًا صغيرًا على ذلك فتقول: في الحملة الانتخابية عام 2003، أوقف قاضي المحكمة العليا بث جميع القنوات فجأة، عندما بدأ شارون في استخدام وقت البث للدعاية لنفسه، بدلًا عن دحض المزاعم بشأن تورطه في قضية فساد أخرى. وتضيف: هذا لا يعني أنني أذكر أمرًا جيدًا عن شارون الذي فارق الحياة عام 2014، بل أردت القول فقط إن إسرائيل التي كان البعض يظن أنها في أسوأ حالاتها أثناء رئاسته قد تراجعت كثيرًا منذ ذلك الوقت. 

الضفة الغربية

الضفة الغربية

فاليوم في 2020 لم يتكلف نتنياهو عناء طلب إذن من المحكمة، ووصل إلى الجلسة الأولى من جلسات محاكمته مزودًا بمنصته الخاصة التي أحضرها من مكتبه الرئاسي. وهناك، اختار المكان المثالي ليلقي نسخته المطولة من خطاب «أنا أتهم» (رسالة مفتوحة شهيرة كتبها إميل زولا عام 1898 للرئيس الفرنسي في ذلك الوقت للدفاع عن ألفريد دريفوس وهو يهودي اتهمه الجيش الفرنسي بالخيانة العظمى)، ونصّب نتنياهو نفسه على أنه ألفريد دريفوس وإميل زولا معًا. 

يدّعي جميع المتهمين، من اللصوص الصغار إلى الرؤساء، البراءة ويرفعون لواء المظلومية، لكن نتنياهو ذهب إلى أبعد من ذلك؛ إذ قوّض أسس الدولة التي من المفترض أن يقودها. فادّعى أن «المحاكمة اليوم هي عبارة عن محاولة للإطاحة به وبمعسكر اليمين». واشتكى أن «عناصر في الشرطة والقضاء تحالفت مع وسائل إعلام يسارية» لـ«تلفيق قضايا سخيفة» ضده. وقال: إن المحاكمة كانت «محاكمة عسكرية بنكهة سوفيتية». 

تعلّق الكاتبة: ترى خلال هذه المعزوفة المعادية للديمقراطية أيضًا مجموعة من الوزراء الذين تقلدوا مناصبهم حديثًا ويحيطون برئيس وزرائهم وهم يملأهم الامتنان ويرتدون الكمامات الواقية من فيروس كورونا. أضاف وجودهم لمسة غريبة أخرى في عرض الرعب الخطير هذا. 

احتمالات الحرب الأهلية

يسود جو من الخوف والرهبة في شوارع إسرائيل، وحتى داخل حزب الليكود نفسه. تستشهد الكاتبة على ذلك بما قاله أفيجدور ليبرمان رئيس حزب إسرائيل بيتنا لصحيفة «تايمز أوف» إسرائيل في أول تعليق له بعد بدء المحاكمة: «نتنياهو يحرض على حرب أهلية لينقذ نفسه». 

وقال ديفيد باسيج، وهو متخصص في الشؤون المستقبلية الإسرائيلية ومستشار للعديد من الحكومات لموقع «ميدل إيست آي»: «إن احتمال نشوب حرب أهلية يكتسب زخمًا اليوم في إسرائيل»، وإن «الصراع حول بنية البلد وصل إلى مستوى خطير»، لكنه أضاف أنها «مرحلة حتمية في أية عملية بناء للدولة». 

وأردف: «آمل فقط أن لا تكون مثل الحرب الأهلية في فرنسا؛ حيث ذُبحت النخبة بأكملها»، وأضاف أن «محاكمة بيبي (لقب يشتهر به نتنياهو) هي عَرَض لشيء أكبر». إذ ارتبط هذا اللقب بنوعٍ من الأيديولوجية؛ فمصطلح البيبية (Bibism) استخدم ليعبر عن الميول التي يصفها باسيج. 

وفي خطاب ألقاه في البرلمان النائب في حزب إسرائيل بيتنا، إيلي أفيدار، عقب الجلسة الافتتاحية لمحاكمة نتنياهو شبّه فيه إيلي (البيبية) بالحركة الناصرية التي سميت على اسم الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، وادعى أن كلتا الأيديولوجيتين لا تملكان أي خطوط إرشادية، بل تتكيف ببساطة مع الاحتياجات المتغيرة لقاداتها. 

وبينما كان عرض نتنياهو قائمًا في داخل المحكمة، نظم آلاف «البيبيون» مسيرة صاخبة للتعبير عن حبهم ودعمهم لقائدهم وازدرائهم للنظم الديمقراطية. اخترقت الأصوات والهتافات جدران المحكمة السميكة، كما ولابد وأنها اخترقت عقول الكثير من الناس. وأكد استطلاع للرأي نشر في راديو «إف إم 103» بعد ثلاثة أيام فقط على الجلسة الافتتاحية على فكرة أن لدى نتنياهو «ترخيص مجازي للقتل» جميع مؤسسات إنفاذ القانون في البلاد. 

وفي الاقتراع الانتخابي الأخير، حصل حزب الليكود على 41 مقعدًا في البرلمان مقارنة بالـ36 مقعدًا التي فاز بها في مارس (آذار) الماضي. واليوم لا يحتاج نتنياهو حتى لمسرحية هزلية كحكومة طوارئ مع بيني جانتس رئيس حزب «أزرق أبيض» الذي حصل على 12 مقعدًا في الاقتراع الأخير مقارنة بالـ19 مقعدًا التي حصل عليها في مارس، فاللطف الخامل الذي يظهره حزب «أزرق أبيض» لا يؤتي ثماره في إسرائيل 2020. 

خيارات المعارضة

بعد أقل من أسبوعين على تشكيل هذه الحكومة الغريبة، ها هو سؤال شرعيتها يُقَسِّم جناح يسار الوسط الصغير إلى معسكرين: هل يستحق العناء البقاء في هذه الحكومة؟ 

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 7 شهور
«ميدل إيست آي»: تحول درامي في سياسة إسرائيل.. لماذا اتحد جانتس مع نتنياهو؟

يعتقد البعض مثل يوسي بيلين أنه في ظل هذه الظروف من المهم أخلاقيًا وعمليًا أن تكون حقيبة وزارة العدل في يد حزب «أزرق أبيض». بينما توصل آخرون إلى استنتاج مفاده أن هذه حكومة أخرى لنتنياهو؛ إذ لا أثر حقيقي لحزب «أزرق أبيض». وعلى أية حال سيخضع ميزان القوى للاختبار قريبًا، إذا بدأت عملية الضم، حين تبدأ. 

تختم الكاتبة بالقول: يدعم حزب «أزرق أبيض» خطة السلام التي وضعها ترامب، ولكنه ملزم بأن يضع بعض القيود الدبلوماسية على ما يقدمه نتنياهو باعتباره صفقة محسومة. وفي حال فشلوا في تحقيق الصفقة، فالضم الذي قُدّم للإسرائيليين على أنه خلاصهم الأمني قد يكون ببساطة هو الخلاص الذي ينتظره رجل واحد يخضع للمحاكمة حاليًا. 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد