في الوقت الذي تدعم فيه تركيا إرهاب حماس؛ تعارض إسرائيل «حزب العمال الكردستاني»، وتعتبره منظمة إرهابية، لكنها بالرغم من ذلك تدعم الجهود المشروعة للشعب الكردي لتحقيق دولته الخاصة.

كانت تلك هي تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في وقت سابق هذا الأسبوع، والتي استهل بها تسفي بارئيل -محرر الشئون العربية بصحيفة هآرتس الإسرائيلية – مقاله بالصحيفة والتي يحلل فيها موقف تل أبيب من مشروع الدولة الكردية شمالي العراق.

دعمتم أعداءنا وسندعم أعداءكم

لم يكن من قبيل الصدفة أن تأتي تصريحات نتنياهو تلك بعد أيام قليلة من حديث وزيرة العدل عن حزب البيت اليهودي «أيليت شاكيد»، في «مركز هرتسليا متعدد التخصصات» والذي تطرقت فيه إلى مسألة الاستقلال الكردي، وذهبت في كلامها بعيدًا حين قالت: «من مصلحة الإسرائيليين والأمريكيين أن تكون هناك دولة كردية، في العراق أولًا. إنها ليست سوى مسألة وقت حتى يقوم الأمريكيون بدعم ذلك».

ويتساءل الكاتب عن كلمة لافتة في تصريح رئيس الوزراء: «في العراق أولًا؟» ثم أين بعد ذلك، تركيا ؟ إيران؟

الدعم الإسرائيلي لاستقلال الأكراد ليس بالأمر الجديد، ولنتنياهو تصريحات مشابهة بهذا الخصوص تعود إلى عام 2014، لكن ولأن تلك التصريحات جاءت هذه المرة قبل أقل من أسبوعين على استفتاء الانفصال -سيجرى في 25 سبتمبر (أيلول)، في كردستان العراق- فإن الرسالة الإسرائيلية تبدو أكثر من دعم معنوي لرغبة شعب كردستان في تحقيق الدولة المستقلة. هذا التصريح، وهو الأول من نوعه لقائد دولة؛ يبدو أقرب إلى «خنجرًا في عين» الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي يعارض إنشاء دولة كردية، سواء لقناعات أيديولوجية، أو لاعتبارات استراتيجية.

وكأن نتنياهو كان يوجه رسالة مزدوجة إلى تركيا – وربما ليس إلى تركيا فقط – مفادها أنه طالما استمرت أنقرة في دعم حماس ورفض تصنيفها كجماعة إرهابية، فإن عليها أن تتوقع في أية لحظة حجرًا يلقيه الإسرائيليون على بيتها الزجاجي. فضلًا عن ذلك فإن على من يدعم إنشاء دولة فلسطينية مستقلة أن يتجهز لدعم إسرائيل في المقابل لجهود إنشاء الدولة الكردية.

ولا يبدو في الحقيقة أن تصريحات نتنياهو قد فاجأت الأتراك كثيرًا، فبعد سلسلة من الهجمات التي نفذها حزب العمال الكردستاني، والتي جاءت بعد وقت قصير من الهجوم الإسرائيلي على الأسطول الإغاثي التركي الذي كان متجهًا إلى غزة، خرج رئيس الوزراء التركي متهمًا إسرائيل بتدشين «تحالف انتقامي» مع العمال الكردستاني.

كما أن يائير غولان، النائب السابق لرئيس أركان الجيش الإسرائيلي، قد تحدث في مؤتمر عقد في واشنطن قبل أيام عن حزب العمال الكردستاني، رافضًا وصفه بالمنظمة الإرهابية، قائلًا: «عندما تنظر إلى الشرق حيث الإيرانيين، عندما تنظر إلى الفوضى وعدم الاستقرار الموجود في المنطقة، فإن دولة كردية موحدة ومستقرة وسط هذا المستنقع لا تبدو فكرة سيئة».

الأكراد غير متحمسين للدعم الإسرائيلي «العلني»

انتشرت تعليقات نتنياهو وشاكيد وغولان في الصحافة التركية والكردية كالنار في الهشيم، لكن هل يُسدي المسؤولون الإسرائيليون حقًا معروفًا إلى الأكراد بتصريحات علنية كهذه؟ يبدو ذلك أمرًا مشكوكًا فيه حسبما يرى الكاتب.

يقول الكاتب: إنه صحيح أن الأكراد يقدّرون كثيرًا هذا الدعم الإسرائيلي، إلًا أن مسؤولًا كرديًا بارزًا في أربيل – عاصمة إقليم كردستان – قد عبر عن تحفظه على التصريحات الإسرائيلية قائلًا: «بالنسبة للإسرائيليين خصوصًا، فقد كنا نتوقع نشاطًا دبلوماسيًا هادئًا، بدلًا عن السياسة الصوتية التي من شأنها أن تضر بالتوازن الدقيق لعلاقاتنا مع دول الجوار».

وكما يوضح الكاتب، فما كان يعنيه المسؤول التركي هو أن تصريحات إسرائيل العلنية قد تصور الأكراد كمتعاونين مع إسرائيل التي يصنفها جيرانهم الإيرانيين كعدو، هذا في الوقت الذي يحاولون فيه كسب الاعتراف الدولي بقضيتهم. «إذا أراد الإسرائيليون المساعدة حقًا، فبإمكانهم حلحلة المسائل في البيت الأبيض، ودفع الإدارة إلى إعلان دعمها للدولة المستقلة»، يواصل المسؤول الكردي تصريحاته معرضًا بموقف الأمريكيين الذين يعارضون الاستفتاء بسبب توقيته السيئ.

ربما لم يكن الاستفتاء الكردي ليلفت الانتباه كثيرًا لولا الدور المحوري الذي لعبه الأكراد في الحرب ضد تنظيم الدولة، حيث أبدت قواتهم قدرات عسكرية فائقة، وتمكنوا من استعادة المدن والبلدات في شمال العراق من أيدي داعش.

الموقف العام للأمريكيين محبط للجانب الكردي: «نحن جيدون بالنسبة للأمريكيين حين نضحي بأرواح رجالنا في الحرب ضد تنظيم الدولة، لكننا لسنا كذلك حين نطالب بالاعتراف بمطالبنا في دولة مستقلة». هكذا يعبر صحافي كردي رفض الكشف عن هويته، وإن كان في الوقت ذاته ليس متأكدًا إذا ما كان الاستفتاء في هذا التوقيت هو فكرة جيدة: «لست مقتنعًا بأن هذا هو الوقت الأمثل، ولا أعلم لماذا نحن بحاجة إلى استفتاء إذا ما كانت الفرصة الفعلية لإنشاء دولة مستقلة تقترب من الصفر تقريبًا. عندما تكون الظروف مواتية، يجب علينا حينها أن نعلن ببساطة إنشاء دولتنا، لا أن نتخذ خطوات استفزازية ليس لها أي أهمية عملية».

ويستطرد الصحافي الكردي قائلًا: «كما أن إجراء الاستفتاء في كردستان العراق فقط من شأنه أن يُفسر كما لو كنا تخلينا عن حلم إنشاء دولة كردستان التاريخية، والتي تشمل كل الأراضي الكردية»، وبالنسبة للأكراد، فإن تلك الأراضي تشمل – بالإضافة إلى العراق – مناطق في إيران وتركيا وسوريا كذلك.

لكن رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني يبدو مصممًا على المضي قدمًا في هذا المسار، وأعلنها بوضوح للأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط -الذي ذهب إلى أربيل لمحاولة إقناعه بتأجيل الاستفتاء- أن هذا حق الشعب الكردي الذي لا يمكن الجدال بخصوصه.

اقرأ أيضًا: مترجم: توحد الأكراد.. هل يصنع الشرق الأوسط الحديث؟

داعش هدية السماء إلى الأكراد

ربما لم يكن الاستفتاء الكردي ليلفت الانتباه كثيرًا لولا الدور المحوري الذي لعبه الأكراد في الحرب ضد تنظيم الدولة، حيث أبدت قواتهم قدرات عسكرية فائقة، وتمكنوا من استعادة المدن والبلدات في شمال العراق من أيدي داعش، وهم يخوضون الآن معركة مهمة في مدينة الحويجة، وغرب كركوك، آخر معاقل تنظيم الدولة شمالي البلاد. ويتعاون الأكراد في تلك الحملة مع الجيش العراقي والميليشيات الشيعية، وكما هو الحال في بعض المناطق الأخرى المجاورة لمناطقهم، فإن الأكراد يسعون إلى إضافة الحويجة إلى منطقة النفوذ الكردي.

يرى الكاتب أن الحرب ضد داعش قد أعادت ترتيب أولويات البيت الكردي، فبعد حرب الخليج الثانية كانت أعظم الأهداف في نظر الأكراد تتمثل في الدخول في تشكيل الحكومة العراقية، وتنصيب رئيسًا كرديًا للبلاد، والحصول على حصة عادلة من ميزانية الحكومة، لكن الحرب على داعش -يقول الكاتب- قد غذت ورعت الاتجاه المعاكس تمامًا وهو الانفصال عن الدولة الأم. ولعل الأكراد ينظرون إلى الاستقلال بوصفه استحقاقًا تاريخيًا وقوميًا نظير مشاركتهم في الحرب ضد المجموعة الإرهابية التي شكلت تهديدًا للغرب.

يختتم بارئيل مقاله قائلًا: «لم يكن الأكراد – منذ الحرب العالمية الأولى – قادرين على ترجمة إنجازاتهم في صورة نتائج دبلوماسية، ولا يمكن التيقن أنهم سينجحون هذه المرة أيضًا، حتى لو تمتعوا بالدعم الدولي، في الظفر بدولتهم المنشودة».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد