أجرى الكاتب ستيف هندريكس، رئيس مكتب صحيفة «واشنطن بوست» في القدس، ومراسلها منذ عام 2000م، والكاتبة وروث إجلاش، مراسلة الصحيفة في إسرائيل والضفة الغربية منذ عام 2013م، تحقيقًا صحفيًّا تناولا فيه خطط رئيس الوزراء الإسرائيلي لتنفيذ الصفقة الإماراتية، ومدى تخليه عن خطته الرامية إلى ضم الضفة الغربية لإسرائيل، وهل سيسعى مجددًا لإحياء هذا المخطط في ضوء المتغيرات الجديدة التي شهدتها المنطقة مؤخرًا.

العلاقات الدبلوماسية الإماراتية مقابل تجميد ضم الضفة

تقول الصحيفة في الوقت الذي يسارع فيه معظم الإسرائيليين إلى تبني علاقات جديدة مع الإمارات العربية المتحدة، تخشى إليانا باسنتين، المستوطنة اليهودية في الضفة الغربية، أن تتحقق هذه النقلة النوعية على حساب خطة إسرائيل لضم مستوطنة «إلي» التي تقيم فيها، ومستوطنات أخرى غيرها.

وفي شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أعربت إليانا عن سعادتها بشأن الخطة الهادفة إلى بسط السيادة الإسرائيلية على أجزاء من الضفة الغربية المحتلة، وهو اقتراح مدرج في مبادرة الرئيس ترامب «صفقة القرن». وأضافت قائلة: «الآن أسمِّيها فرصة القرن الضائعة». وتتساءل: «متى ستعود؟ ليس لدي أي فكرة».

Embed from Getty Images

وتضيف الصحيفة أن الإعلان الخاص بتبادل السفراء بين إسرائيل والإمارات وإقامة علاقات سياحية وتجارية وأمنية، حظي بتأييد ساحق بين الإسرائيليين. لكن مع استعداد المسؤولين الإسرائيليين للسفر إلى العاصمة الإماراتية، أبو ظبي، للتفاوض بشأن تفاصيل العلاقة الجديدة، أصبح واضحًا أن مستقبل ضم الضفة الغربية – الذي توقف الآن بموجب الاتفاق – غير محسوم، ومثار مزيد من الجدل؛ مما يهدد بنثر بذور التوتر داخل القاعدة السياسية المؤيدة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

وينص الاتفاق الذي كُشف عنه يوم الخميس الماضي، على أن إسرائيل «ستعلِّق» الضم شرطًا مسبقًا للفوز بعلاقات دبلوماسية كاملة مع الإمارات. وفي إعلانه عن الصفقة، قال ترامب إن خطة الضم «غير مطروحة على الطاولة». وأوضح المسؤولون الإماراتيون أنهم يَعدُّون التجميد أمرًا دائمًا، وأن إنهاء خطط إسرائيل التوسعية كان حافزًا رئيسًا لإبرام الاتفاق.

رغم مراوغات نتنياهو.. وداعًا لخطة الضم

ويستدرك المراسلان قائلَين: لكن نتنياهو أصر في سلسلة مقابلات نادرة، وفي مقطع فيديو نُشر يوم الأحد، على أن «السيادة»، كما يشير الإسرائيليون إلى الضم، «لم تُشطَب من جدول الأعمال». وقال لاحقًا في إذاعة الجيش: «أنا الذي أدخلتُ الفكرة على خطة ترامب والإجماع الأمريكي». وتابع: «سنطبق السيادة بموافقة أمريكية».

إلا أن البعض ممن يعيشون في المستوطنات، يرون أن هذه التأكيدات مجرد تصريحات جوفاء. يقول دافيد الحياني، رئيس مجموعة «يشع»، المظلة التي تضم أكثر من 100 مستوطنة، «يمكننا أن نقول وداعًا للسيادة، ويمكننا أن ندفن الفكرة تحت الأرض». ويؤكد ذلك  قائلًا: «أنا لا أصدقه».

Embed from Getty Images

وقد تخلى الحياني، وهو مؤيد قوي للضم، بالفعل عن تأييده لرئيس الوزراء في وقت سابق من هذا العام، بعد أن علم أن ضم ما يصل إلى ثلث الضفة الغربية سيفتح أيضًا الطريق لإمكانية إقامة دولة فلسطينية على بقية الأراضي المتنازع عليها.

لكن عوديد ريفيفي، عمدة بلدة إفرات، وهي مستوطنة بإحدى الضواحي الواقعة خارج القدس، قال إنه يتوقع إحياء الاقتراح. وأشار إلى أن الضم ما يزال بندًا رسميًّا في خطة ترامب، وقال إن مئات المستوطنات في الضفة الغربية والقدس الشرقية المحتلة سوف يتعين في نهاية المطاف دمجها في النسيج القانوني للبلاد.

وقال رفيفي: «عاجلًا أم آجلًا، ستعود خطة الضم مرةً أخرى». ويُعد توقف الضم ثمنًا معقولًا لإقامة علاقات طبيعية مع دولة الإمارات. لكنه أضاف «ما المقصود بكلمة «قصير المدى»، «طويل الأجل»، «مؤقت»، كل هذه التعبيرات مرنة للغاية».

إحياء خطة الضم سيسبب مشكلات جمة

ويؤكد المراسلان أن نتنياهو ربما يواجه معوقات على عدة جبهات إذا سعى إلى إحياء خطة الضم.

ففي المنطقة، قد لا يعرقل العلاقات الناشئة مع الإمارات ويعكس مسار الأمور فحسب، بل قد يعيق أيضًا احتمالية أن تحذو دول الخليج العربي الأخرى حذو الإمارات، بما في ذلك البحرين وعُمان. وفي هذا السياق، تحدث وزير الخارجية الإسرائيلي، جابي أشكنازي، هاتفيًّا مع نظيره في عمان يوم الاثنين. ووفقًا لمكتب أشكنازي، ناقش الوزيران ضرورة تحسين العلاقات بين البلدين في ضوء الصفقة الإماراتية.

كما قال نتنياهو إنه سيحتاج إلى إذن من البيت الأبيض للمضي قدمًا في (خطة) الضم، وهو شرط تجسد في الاتفاق السياسي لتشكيل الحكومة الائتلافية الإسرائيلية في شهر مايو (أيار). وأوضحت إدارة ترامب أنها لن تذعن قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) (لمثل هذه المطالب). كما أنه من غير المحتمل أن يتغير هذا الوضع بعد ذلك. وأظهر المرشح الديمقراطي المفترض، جو بايدن، القليل من الدعم للضم أحادي الجانب، وإذا فاز ترامب بولاية ثانية، فسيكون حذرًا من تعريض الصفقة الإماراتية للخطر، والتي يصفها بأنها اختراق بارز في مجال السياسة الخارجية.

وقبل إعلان الصفقة الإماراتية، كانت آفاق الضم تتلاشى بالفعل في مواجهة إحجام البيت الأبيض والمعارضة الدولية عن الموافقة عليها والاقتتال الداخلي داخل الحكومة الائتلافية الإسرائيلية، بحسب التحقيق.

الداخل الإسرائيلي غير مهتم بضم الضفة الغربية

وأوضح المراسلان، وبخاصة روث إجلاش، التي غطَّت الصراع الإسرائيلي الفلسطيني والانتخابات الإسرائيلية تغطية مكثفة، وفازت بجائزة الأمم المتحدة للتقارير الثقافية عن عملها الصحفي المشترك مع صحافي أردني: كان الدعم الذي يقدِّمه شركاء نتنياهو من حزب أزرق أبيض، بقيادة منافسه الانتخابي، بيني جانتس، مشوبًا بالغموض؛ إذ قالوا إن الضم يجب أن يجري بالتشاور مع الأردنيين وحلفاء إسرائيل. وأظهرت استطلاعات الرأي الإسرائيلية أن الضم جاء في مرتبة أدنى بكثير من مخاوف الإسرائيليين بشأن جائحة فيروس كورونا المُستجد والاقتصاد.

Embed from Getty Images

أما نتنياهو، الذي جعل الضم محور حملته الانتخابية، فقد بدا عالقًا من دون أي منجى. ولكن بالموافقة على تأجيل الضم مقابل اتفاق سلام طال انتظاره مع الإمارات، استعاض رئيس الوزراء عن مبادرة السياسة المتوقفة بانتصار للسياسة الخارجية.

وبحسب الصحيفة، أثار الإعلان المفاجئ عن الصفقة غضب القادة الفلسطينيين. وعلى الرغم من أنهم عملوا على مقاومة الضم – من خلال حشد الضغط الدولي ضد نتنياهو والتخلي عن التعاون الأمني ​​مع إسرائيل احتجاجًا على ذلك – فإنهم أعلنوا أن تصرف الإمارات يُعد خيانة، لأنه لم يفرض تقديم أي تنازلات تتعلق بالأرض من جانب إسرائيل.

وأبلغ الأمين العام لمنظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات الصحافيين يوم الأحد بأن «هذا مجرد حفظ لماء وجه نتنياهو». وقال إن الإمارات حطمت جبهة عربية موحدة وقتلت احتمالات حل الدولتين للصراع الإسرائيلي – الفلسطيني.

وأثار استعداد نتنياهو لتعليق الضم غضب بعض مؤيديه المحافظين. ودعا بعض المستوطنين إلى الطعن في قيادته لحزب الليكود. وفي تغريدة، انتقد منافس نتنياهو، نفتالي بينيت، زعيم حزب يمينا القومي المتطرف، رئيس الوزراء لفشله في «استجماع الشجاعة لتطبيق السيادة على شبر واحد من أرض إسرائيل».

لكن الدعم العام لنتنياهو ليس في خطر كبير. وأظهر استطلاع أجرته القناة 12 الإسرائيلية أن 76.7% من المستطلعين يؤيدون اتفاق السلام على الضم، بينما فضَّل الضم 16.5% فقط.

وقال آشر فريدمان، المستشار السابق لأحد وزراء حزب الليكود، والباحث في منتدى كوليت للسياسة المحافظ: «بالنسبة لأقلية من الناخبين، ستكون هناك خيبة أمل، لكن بالنسبة للأغلبية، سيعزز هذا الاتفاق صورته، حتى بين المستوطنين»، وأضاف «إنهم يرونه رجل دولة رائع».

ويقول بعض المحللين إن الخطر على المدى الطويل لنتنياهو يتمثل في خوف عديد من الناخبين اليمينيين من استعداده للمساومة على المبادئ الأساسية، مثل الاعتقاد بأن لإسرائيل حقًّا تاريخيًّا في السيادة على الضفة الغربية، في مقابل تحقيق مكاسب سياسية.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ شهر
«جيروزاليم بوست»: هل ساعد محمد دحلان في تسهيل اتفاق التطبيع الإماراتي؟

وفي هذا الصدد، قال جيسون بيرلمان، المستشار السابق عديد من السياسيين الإسرائيليين اليمينيين: «أعتقد أن هذا الاتفاق بالنسبة لكثير من الإسرائيليين، حتى من ذوي التوجه اليميني، ورغم التقدير الهائل للطبيعة التاريخية للاتفاق، لم يكن القضية الأكثر إلحاحًا التي تحتاج إلى معالجة في الوقت الحالي».

وفي غضون ذلك، يواجه نتنياهو تحديات مُلحَّة لن تختفي قريبًا، بما في ذلك احتجاجات ليلية على تعامله مع جائحة فيروس كورونا والاقتصاد المنهار. وأعلنت الحكومة انخفاضًا في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تزيد على 28% في الربع الثاني من العام، وهو أكبر انخفاض في تاريخ إسرائيل منذ 40 عامًا. وعلاوةً على ذلك، فإن نتنياهو غارق في محاكمة جنائية بتهم الرشوة والاحتيال.

لكن وسط الأنباء السيئة، تمسك الإسرائيليون باحتمال إنشاء وجهة تجارية وسياحية راقية جديدة على بعد رحلة طيران قصيرة بدون توقف. وعج التلفزيون الإسرائيلي خلال عطلة نهاية الأسبوع برسائل من مراكز التسوق المتألقة في دبي؛ أكبر المدن الإماراتية. واستفاد برنامج إذاعي، بعنوان المرشد السياحي في الإمارات العربية المتحدة، من روابط الهاتف المباشرة الجديدة للسؤال عن أفضل المواقع السياحية.

واختتم المراسلان تقريرهما قائلين: تستعد إيفين باسنتين، المستوطنة التي تتوق إلى ضم مستوطنتها في الضفة الغربية إلى الأراضي الإسرائيلية بوصفه جزءًا من مطالبة إسرائيل بـ«موطنها التوراتي»، للاستفادة من الصفقة الدبلوماسية.

وقالت: «تلقيتُ دعوة بالفعل على موقع «فيسبوك» للانضمام إلى مجموعة تخييم في دبي». وتابعت: «تبدو الدعوة مثيرة للاهتمام». وقالت إنها ستشارك.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد