أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على صفحته في تويتر يوم الاثنين الماضي: «في تمام الساعة الثامنة مساءً، سأذيع رسالةً خاصةً لوسائل الإعلام. وجميعكم مدعوُّون لمتابعتها عبر صفحتي على فيسبوك».

يمتلك نتنياهو قرابة 2.3 مليون متابع على «فيسبوك»، و1.5 مليون متابع على «تويتر»، و450 ألف متابع على «إنستجرام»، فضلًا عن صفحات مكتب رئيس الوزراء وصفحات حزب الليكود. وهو ما وصفته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية في تقريرها بإمبراطوريةٍ على الشبكات الاجتماعية يديرها نتنياهو، وتغنيه عن وسائل الإعلام التقليدية.

«هآرتس» تكشف عن مذكرات سرية عن تاريخ البرنامج النووي الإسرائيلي

ترى الصحيفة أنَّ إعلان يوم الاثنين يشكَّل سابقةً في تاريخ تلاعب رئيس الوزراء بالرأي العام. إذ أعلن عبر الشبكات الاجتماعية أنَّه سيُلقي بيانًا على التلفزيون الرسمي، ويُمكن مشاهدته عبر صفحته على فيسبوك.

وأشارت إلى أنَّ نتنياهو، الذي وصفته بأنه من أشد الناس براعةً في التأثير على آراء الشبكات الاجتماعية، ابتكر هذه الطريقة خلال فترته الرئاسية الأولى في التسعينات، حين كان من أوائل الساسة الذين أنشأوا موقعًا إلكترونيًا كوسيلةٍ للتواصل. وقال في أول مقطع فيديو نُشِر على ذلك الموقع: «لستُ مضطرًا بعد الآن للاعتماد على تحليلات ووسطاء وسائل الإعلام. يُمكنك أن تسأل ما تشاء، وتختار ما ترغب في رؤيته، وتُقرِّر لنفسك».

إمبراطورية نتنياهو الاجتماعية البديلة

بحسب الصحيفة، توقف نتنياهو عن مُخاطبة الرأي العام الإسرائيلي عبر وسائل الإعلام التقليدية منذ وقتٍ طويلٍ، ما عدا بعض المرات النادرة التي ظهر فيها على القناتين التاسعة والعشرين الإسرائيليتين. وعوضًا عن ذلك، يُشارك عشرات المنشورات والمقاطع والتغريدات يوميًا على الشبكات الاجتماعية، ويُؤثِّر مُعدَّل استجابة المتابعين المرتفع الذي يحظى به على خوارزميات تويتر وإنستجرام وفيسبوك؛ مما يُساعده على جذب مُتابعين جُدُد وإيصال رسالته إلى عددٍ أكبر من الناس.

وبذلك، يصل نتنياهو إلى المواطنين الأكبر سنًا عبر وسائل الإعلام التقليدية، في حين يتواصل مع الإسرائيليين الأصغر سنًا عبر الشبكات الاجتماعية. ووفقًا للإحصائيات الرسمية، بلغت تقديرات نسب مشاهدة إعلان نتنياهو المُتلفز نسبة 45.5% على محطات ريشيت وكيشيت والقناة العاشرة، وكان 11 والقناة التاسعة والقناة العشرين.

بعبارةٍ أخرى شاهد الإعلان قرابة 4.5 مليون شخص على الهواء مباشرةً عبر التلفزيون، فضلًا عن 120 ألف شاهدوا مقطع الفيديو عبر فيسبوك.

وتفيد «هآرتس» أنَّ نتنياهو يبعث برسائله يوميًا إلى ملايين المتابعين عبر «فيسبوك، وتويتر، وإنستجرام، ويوتيوب، وتيليجرام»، من خلال عشرات الصفحات التي يُدار بعضها بتمويلٍ حكوميٍ والبعض الآخر عبر التمويل الخاص من مصادر غير معروفة. وتحصل منشوراته على آلاف المشاركات وعشرات الآلاف من الإعجابات والردود، ويُعتبر مُعدَّل استجابة المتابعين الخاص به من أعلى المُعدَّلات بالنسبة لأي سياسيٍ داخل إسرائيل وحول العالم.

رسم بياني يُقسم متابعي نتنياهو عبر موقع إنستجرام، وفقًا للسن والجنس والجنسية.

قسَّمت الصحيفة صفحات الشبكات الاجتماعية التي يديرها نتنياهو إلى ثلاث فئاتٍ رئيسة. الفئة الأولى هي صفحات حزب الليكود، التي يُموِّلها الحزب ويُديرها يوناتان أوريش، مدير الإعلام الجديد. والفئة الثانية هي صفحات رئيس الوزراء، التي يُموِّلها مكتب رئيس الوزراء ويُديرها توباز لوك، الذي انتقل لإدارة حملة نتنياهو الانتخابية، لكنَّ أغلب المتابعين يأتون من الصفحات الشخصية لنتنياهو على الشبكات الاجتماعية.

أُطلِقت صفحة نتنياهو على فيسبوك عام 2010، ولديها الآن 2.3 مليون متابع. ورفض مكتب رئيس الوزراء وحزب الليكود الإفصاح عن هوية من يُدير الصفحة الشخصية لنتنياهو أو تكلفة إدارتها ومصدر تمويلها. ويُعتَقَد أن أوريش هو من يُديرها.

وبحسب الصحيفة، يُقدِّر راز كابلان، خبير الإعلام الجديد، أنَّ قُرابة العشر آلاف شيكل (2711 دولار أمريكي) قد أُنفِقَت على الترويج لمنشورات نتنياهو عبر صفحته الشخصية على فيسبوك في الأسبوع الماضي فقط. ويُرجِّح أن تصل الميزانية الشهرية إلى قرابة 50 ألف شيكل (13 ألف 556 دولار)، وبالتالي أكثر من نصف مليون شيكل سنويًا (135 ألف و569 دولار)؛ مما يعني إنفاق ملايين الشيكلات على الترويج لصفحة نتنياهو الشخصية على فيسبوك منذ إنشائها عام 2010، وفقًا لكابلان.

وتشير «هآرتس» إلى أنَّ نتنياهو يُعَدُّ واحدًا من أشهر الشخصيات الإسرائيلية على الشبكات الاجتماعية من حيث عدد المتابعين، إذ تمتلك صفحاته مُجتمعةً قرابة خمسة ملايين متابع. ولا يمتلك نتنياهو هاتفًا ذكيًا حتى خوفًا من تعرُّضه للتجسُّس، بعكس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي يشتهر بكتابة تغريداته شخصيًا. لكنَّه يدين بالفضل في نجاحه على الشبكات الاجتماعية لمستشاريه الشباب، الذين تخرَّجوا جميعًا في وحدة المُتحدِّثين باسم جيش الدفاع الإسرائيلي، وهم شير كوهين (27 عامًا)، المُتحدِّثة باسم وزير الدفاع، وتوباز (26 عامًا)، مستشار الإعلام الجديد بمكتب رئيس الوزراء، وأوريش (30 عامًا).

«ناشيونال إنترست»: ماذا يحمل عام 2019 للعلاقات بين دول الخليج وإسرائيل؟

ويمتلك مكتب رئيس الوزراء خمس صفحاتٍ على تويتر وفيسبوك باللغات العبرية والإنجليزية والعربية والروسية والفارسية، فضلًا عن قناةٍ على يوتيوب وصفحةٍ على إنستجرام، وتدفع تلك الصفحات أموالًا طائلةً في الترويج لمنشوراتها باللغات الإنجليزية والعربية والفارسية.

ووصلت ميزانية ترويج المنشورات عام 2017 إلى 101 ألف شيكل (27 ألف 385 دولار)، لكنَّها انخفضت عام 2018 إلى 52 ألف شيكل (14 ألف 99 دولار). وعيَّن المكتب مديرين للإعلام الجديد، لكنَّه يرفض الإفصاح عن تكلفة توظيفهما. وتشير التقديرات المُتحفِّظة إلى تقاضيهما أجرًا يصل إلى 15 ألف شيكل شهريًا (4 آلاف 67 دولار). ووفقًا لتلك الأرقام، يعني ذلك أنَّ مكتب رئيس الوزراء يُنفق 244 ألف شيكل سنويًا (66 ألف 157 دولار) لإدارة صفحات رئيس الوزراء الرسمية.

هذا في حين يرفض حزب الليكود إعلان عدد الأشخاص الذي وظَّفهم لإدارة صفحاته على الشبكات الاجتماعية، ويرفض التطرُّق لموظَّفي الحملة. وأنكر الحزب استخدام بوتات الإنترنت أو مستخدمي الإنترنت المجهولين وفقًا للصحيفة.

وأشارت الصحيفة إلى وجود صفحات معجبين على فيسبوك مثل «Heyda Bibi» وصفحاتٍ إعلاميةٍ بديلةٍ مثل Buzznet. تُشارك تلك الصفحات منشورات نتنياهو باستمرار، بالإضافة إلى المؤيدين لرئيس الوزراء. وأضافت بعض مصادر «هآرتس» أنَّ يائير، نجل نتنياهو، يُشارك في إدارة صفحات الشبكات الاجتماعية الخاصة بوالده، وأنَّ صفحة «We love Mrs. Sara Netanyahu» على فيسبوك تُدار وتُموَّل من مكتب رئيس الوزراء.

كيف يحرك نتنياهو إمبراطوريته لخدمة مصالحه؟

ذكرت «هآرتس» أنَّ مديري الشبكات الاجتماعية لدى نتنياهو صعدوا من جهودهم على مدار الأسابيع القليلة الماضية. إذ أطلقوا حملةً على إنستجرام في أعقاب «إعلانه الدرامي»، تستهدف المراهقين والشباب البالغين.

كانت الحملة محاولةً لترويج رسالة نتنياهو بأنَّ الرشوة بدون أموالٍ لا تُعَدُّ رشوة، في ردٍ واضحٍ على اتهاماتٍ الفساد التي يُواجهها في الفترة الماضية. وفي هذه الحالة، يبدو نشاط الشبكات الاجتماعية مصُمَّمًا لتوجيه الحوار العام بعيدًا عن الاتهامات، وكسر حدة الانتقادات المُوجَّهة لنتنياهو.

يهودية الدولة

فحص خبيرٌ في بوتات الإنترنت ومُتابعي الشبكات الاجتماعية صفحة نتنياهو على إنستجرام، ووجد أن 68.7% من متابعيه رجال، و1.7% منهم بوتات. ونسبة 47% من مُتابعيه تحت سن 21 عامًا، في حين أنَّ 43% من مُتابعيه يعيشون في البرازيل، و33% فقط من إسرائيل. ومن الواضح أنَّ زيارة نتنياهو الأخيرة للبرازيل أسفرت عن تلك النسبة، التي وصلت إلى 200 ألف متابعٍ جديد، وهو رقمٌ ضخمٌ للغاية.

وقال مصدرٌ متخصصٌ في التسويق عبر الإنترنت لصحيفة «هآرتس» إنَّ العديد من الشخصيات المُؤثِّرة على الشبكات الاجتماعية تمتلك رقمًا كبيرًا من المتابعين المزيفين، غالبيتهم من البرازيل والهند. ولا شك أنَّ أي نظرةٍ فاحصة للمتابعين والتعليقات في صفحة نتنياهو الشخصية على فيسبوك ستكشف احتمالية شراء المتابعين على حساباته. وقالت أنات بن ديفيد، باحثة الإنترنت في الجامعة المفتوحة، إنَّ صفحة نتنياهو تمتلك أكبر عددٍ من التعليقات التي يكتبها مستخدمون يتفاعلون يتفاعلون مع صفحته فقط، وليس أي صفحةٍ أخرى، وأكبر عددٍ من التعليقات بواسطة المستخدمين الذين يُعلِّقون مرةً واحدةً فقط، بعكس الساسة الإسرائيليين الآخرين.

ويأتي عددٌ كبيرٌ من التعليقات على منشورات نتنياهو، في تويتر، وفيسبوك، وإنستجرام، من خارج البلاد بحسب الصحيفة. وقالت أنات: «غالبية التعليقات تُنشر باللغة الإنجليزية، وتُعبِّر الغالبية العظمى منها عن دعمها الواضح لنتنياهو»، هذا بالمقارنة مع صفحات أعضاء الكنيست الآخرين التي تُكتَب 95% من منشوراتها باللغة العبرية. وأوضحت أن ذلك لا يُمثِّل تلاعبًا في حد ذاته، لكن يصعب تجاهل التأثير المُحتمل لذلك على الرأي العام في إسرائيل، نظرًا لضخامة الأرقام.

وترى «هآرتس» أنَّه من الطبيعي أن يلجأ نتنياهو إلى الشبكات الاجتماعية، نظرًا لفشله في كسب ود وسائل الإعلام المحلية. ومع اقتراب انتخابات شهر أبريل (نيسان)، تُرجِّح الصحيفة أن يأتي التلاعب الرئيسي بالرأي العام نتيجة أفعال نتنياهو على مدار الأعوام الأربعة الماضية، وليس على يد الحكومات الأجنبية. أفعاله تلك تشمل انتقاده لوسائل الإعلام التقليدية، فضلًا عن جهوده لتعطيل التشريعات التي تزيد شفافية الشبكات الاجتماعية، وتُوسيع نطاق قوانين الحملات الانتخابية لتشمل الإعلام الجديد، وتحجب المُحتوى المُثير على فيسبوك.

مترجم: تعرف إلى نقاط ضعف الجيش الإسرائيلي كما يوضحها لواء متقاعد

وقال كابلان: إنَّ التأثير الأكبر خلال الانتخابات المُقبلة سيأتي على الأرجح من المصادر المحلية، التي ستنشر رسائلها على الشبكات الاجتماعية. وذكرت «هآرتس» صعوبة نشر الأخبار الكاذبة داخل دولةٍ صغيرةٍ بحجم إسرائيل، حيث يُوجد 6.6 مليون مستخدمٍ للإنترنت، مقارنةً بدولةٍ ضخمةٍ مثل الولايات المتحدة، التي يوجد بها 300 مليون مستخدم. إذ يتعرَّض أي خبرٍ يلفت الانتباه داخل إسرائيل للتحليل على يد كُبرى المنصات الإعلامية في البلاد خلال ساعات.

وأضاف كابلان في نهاية تقرير «هآرتس»: «لا تُمثِّل الأخبار الكاذبة من المصادر الأجنبية داخل إسرائيل خطرًا بقدر المناخ السياسي والمعايير الخاطئة التي تُميِّز الخطاب السياسي والعام».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد