هل يُمكنك التغلب على مخاوفك دون الحاجة إلى مواجهتها مُباشرة؟ هل يُمكنك أن تُشفى من اضطرابات نفسية مُستعصية بأبسط الوسائل العلمية على الإطلاق؟ هل يشفي عقلك نفسه؟ كلها أسئلة تُجيب عنها عالمة البيانات والكاتبة سارة كيميتش في مقالها في مجلة «أيون» الإلكترونية، الذي تستعرض فيه أسلوب «الارتجاع العصبي- Neurofeedback»، وهو أحدث الأساليب التي وصل إليها العلم لعلاج أعقد الاضطرابات النفسية، والرحلة التي سلكها ليتوفر لدينا بصورته الحالية.

تخيّل!

تطلب منك عالمة البيانات سارة في بداية مقالها أن تتخيل نفسك وأنت جالس في مُختبر، متوقعًا أن تبدأ تجربة نوع جديد من العلاج السريري للقلق. حينها، ستشعر بالتوتر ويمتلئ عقلك بأفكار عن الحُقن والحبوب البيضاء، وأروقة من جدران مُعقمة، بينما تسير أنت على أطراف أصابعك داخل غرفة تحمل لافتة كتب عليها «قسم الأعصاب»، لكن عندما تدخلها فكل ما تراه هو أنبوب ضخم على هيئة كعكة مُحلاة (دونات).

ويدخل بعدها، حسبما تروي سارة، مُرافِق كتوم يرتدي معطفًا أبيض، ويطلب منك أن تستلقي على سرير مُطول لُيخبرك أنه سيدفع بك داخل ماسحٍ ضوئي، ويطلب منك أن تتبنى الحالة الذهنية التي تجعلك تتصور أن الصورة التي تراها تكبُر وتتوسع، وهذا كل ما في الأمر.

وتستكمل سارة تصوراتها، فتتخيل المشهد حيث تتمدد أنت فيه في هدوء بداخل الجهاز وتبدأ في الاسترخاء، لتظهر بعدها صورة على الشاشة أمامك، وترى دائرة سوداء صغيرة تزداد اتساعًا كل بضع ثوانِ، وبينما تستمر أنت في الاسترخاء، تكبر الدائرة قليلًا، وتكبر مُجددًا.

في تلك الأثناء تشعر أن قلقك ينحسر قليلًا، وتسمع صوتًا خارج مجال رؤيتك، ربما هو باحثٌ آخر يخطو بسرعة بداخل الغرفة، تفقد تركيزك للحظة وتلاحظ عندما تعود لتُحملِق في الشاشة أن الدائرة تقلصت بالكاد إلى ما يُشبه ثقب الإبرة.

تُحاول أن تسترخي مرة أخرى، لترى أن الدائرة تتسع بسرعة أكبر هذه المرة، وتبدو وكأنك قد فهمت كيف يجري الأمر. لذا تعلو وجهك ابتسامة، وتُفكِر أن هذا يبدو سهلًا للغاية، وعند شعورك بالارتياح، تكبر الدائرة قليلًا.

«ليس مرضًا حقيقيًّا».. تعرف إلى 10 من أشهر الأساطير الشائعة حول المرض النفسي

ما هو الارتجاع العصبي؟

تنتقل الكاتبة بعدها لتعريفنا على واحد من أهم الأساليب في مجال الصحة النفسية، والذي يعرف بـ«الارتجاع العصبي – Neurofeedback»، وهو واحد من أكثر الأساليب الواعدة والآخذة في التطور بسرعة في مجال الصحة النفسية.

وتوضح الكاتبة أنه عن طريق الربط بين النشاط الدماغي وصورة أو صوت في الزمن الفعلي، يُمكننا استخدام أساليب بسيطة تُشبه الألعاب لحث الناس على تدريب أنفسهم على تكوين وصلات عصبية جديدة، أو أن يدخلوا أو يتجنبوا طوعًا حالات ذهنية مُحددة.

Embed from Getty Images

ومثلما يذهب مقياس الحرارة صعودًا وهبوطًا وفقًا لدرجة الحرارة، توضح سارة، أن حقيقة أن الناس يرون ويسمعون ما يفعله عقلهم، تُشكِل وسيلة ضغط تسمح لهم بتنظيم عقلهم على الصعيد الداخلي، دون الحاجة إلى الانخراط في تدخلات سلوكية أكثر مُباشرة.

يُمثل «الارتجاع العصبي» طفرة كبيرة بالنسبة لعديدٍ من الاضطرابات النفسية، مثل الرهاب والقلق واضطرابات ما بعد الصدمة، وكلها اضطرابات قد يصعب مُعالجتها؛ لأن الخبرة المُكتسبة منها قد تكون هائلة.

وتشير سارة إلى أن العلاج المُعتاد لمثل هذه العلل النفسية يتمثل في «العلاج السلوكي المعرفي»، لكنها تقول إنه يتطلب من الأفراد أن يواجهوا مخاوفهم، وفي المُعتاد سيخضع المرضى لجلسات عدة يتعرضون فيها إلى «المحفزات»، ليتعلموا في النهاية أن المُحفزات لا تُشكل تهديدًا موضوعيًّا.

وتضرب الكاتبة مثالًا على ذلك بالعناكب، فإذا كنت مرعوبًا منها، قد تُجبر على الجلوس في غرفة مع عنكبوت لتحاول أن تتغلب على خوفك، بيد أن مشهدًا كهذا يكون غير جذاب للدرجة التي تجعل كثيرًا من المرضى ينهون العلاج مُبكرًا، ليكون لهذه التدخلات معدل نجاح مُنخفِض.

التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي

وفي هذا الصدد تؤكد لنا الكاتبة أننا محظوظون لكون التصوير الدماغي قد تطور سريعًا خلال العقد الماضي، وبخاصة «التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي»، وهي العملية التي وصفتها الكاتبة من منظور المريض في بداية المقال.

ويشتمل هذا الأسلوب على أقطاب مغناطيسية عملاقة تقيس تدفق الدم في أجزاء مُختلفة من المخ، بصفته مؤشرًا على أي من هذه المناطق يكون نشطًا في وقتٍ معين.

وباستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، يتمكن الباحثون من رسم خريطة للنشاط العصبي للفرد في أثناء تفكيره في مفهوم معين، مثل العناكب على سبيل المثال، وبالعثور على هذا النمط الذهني لدى الناس ممن يُعانون من الرهاب، حينها يتمكن الباحثون من الحد من الحاجة لمواجهة مصدر الرهاب خلال العلاج.

وتشرح الكاتبة كيف يجري الأمر قائلة إنه بتزويد الباحثين بنمط نشاط دماغ الفرد عند رؤية «عنكبوت»، أصبح من الممكن الآن منح المرضى تعزيزًا إيجابيًّا عندما يتمكنون من تقليل النشاط في مناطق الدماغ التي تتوافق مع التجربة المُكتسبة من الخوف الساحق من العناكب.

والأهم، في رأي الكاتبة، أننا نستطيع أن نفعل ذلك دون أن نُظهِر للمرضى أيًّا من هذه الكائنات ذات الثماني أرجل. ونُريهم عوضًا عن ذلك، رموز الإشارات لدائرة أو لنغمة لطيفة، وبمكافأتهم برؤيتها تُغير من شكلها أو نغمتها، يجد الأشخاص أنفسهم سبلًا بديلة لإخضاع النشاط العصبي في أيٍ من هذه المناطق. وبهذه الطريقة، يبدأ المخ بتعديل نفسه على المستوى الداخلي، وتخف حدة الرهاب مثلما لو كان الأمر بفعل السحر.

ولا تقتصر أفضلية أسلوب الارتجاع العصبي على سهولته فقط، إذ أظهر عدد من المشروعات البحثية البارزة أيضًا أن هذا الأسلوب قد يكون فعالًا حتى عندما لا يكون المشاركون مدركين للهدف من هذا الإجراء؛ فإعادة البرمجة اللاواعية هذه، مثلما أوضحت سارة، لديها آثار بعيدة المدى على البحوث المتعلقة بالإدراك البشري، بولوجها إلى جوهر العلاقة بين العقل والجسد، وإتاحتها العديد من الفرص الجديدة للعلاجات الإكلينيكية الحديثة.

لكن لهذا الأسلوب أيضًا جانبًا مُظلِمًا مُحتملًا، وهو خطر أن يصبح الارتجاع العصبي بمثابة باب خلفي للتلاعب بأدمغتنا دون أن نُدرِك ذلك حتى.

بداية الارتجاع العصبي ووكالة ناسا والقطط المسكينة

تستعرض الكاتبة بدايات اكتشاف أسلوب الارتجاع العصبي واستخداماته الأولى، فتروي الحكاية المُتقلبة التي لا تُصدق لأسلوب الارتجاع العصبي بإيجابياته وسلبياته، الحكاية التي بدأت البحوث في هذا الأسلوب، الحكاية التي بدأت بقصة عن وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) وعن وقود الطائرات القمري والقطط المُهلوسة.

ففي فترة الستينيات، اكتشف باري ستيرمان، وهو باحث في خبايا الدماغ في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، هو وزملاؤه إمكانية ترويض الإيقاعات الحسية للقطط، فقط بإعطائهم قليلًا من الطعام في كل مرة يتمكنون فيها من تنشيط منطقة حركية معينة. كان هذا مثالًا على «الإشراط الكلاسيكي» أو «نظرية بافلوف»، الذي تدرك فيه الكائنات الحية الحافز الذي يُسبب استجابة لا إرادية.

معظم القطط التي اختارها موضوعًا لبحثه، أصبحت مُترنحة وغير قادرة على الوقوف على قدميها، فقد شرعت الأبخرة في التحلل البطيء، الذي أسفر عن هلاوس ونوبات وموت في نهاية المطاف.

كان هذا واحدًا من العروض الأولية لإيضاح كيف أن هذا النوع من الإشراط بإمكانه التأثير في وظيفة الدماغ، بدلًا من كونه رد فعل سلوكي فحسب، بحسب الكاتبة.

ولاحقًا، أجرى ستيرمان دراسة أخرى تتضمن القطط، وأخذ يُراقب آثار وقود المسبار القمري في أنظمة الثدييات لدى وكالة «ناسا». معظم القطط التي اختارها موضوعًا لبحثه، أصبحت مُترنحة وغير قادرة على الوقوف على قدميها، فقد شرعت الأبخرة في التحلل البطيء، الذي أسفر عن هلاوس ونوبات وموت في نهاية المطاف.

إلا أنه كان هناك بعض الحالات الاستثنائية، فالقطط التي خضعت لتدريب عقلي بدت وكأنها مُحصنة من الآثار الانتكاسية لوقود الطائرات، فقد بدت كلٌ من هذه القطط بطريقةٍ ما أنها تتمكن من تنظيم استجاباتها العصبية، وتعافى معظمهم من الأبخرة.

وفي هذا الصدد تؤكد الكاتبة أن هذا الاستنتاج هو ما أدى إلى اعتماد أسلوب الارتجاع العصبي في برنامج «ناسا» التدريبي، الذي ما زالت تضطلع فيه بدور إلى يومنا هذا.

جو كاميا وأولى دراسات الارتجاع العصبي

في تلك الأثناء، بدأ جو كاميا، الباحث الإدراكي في جامعة شيكاجو إجراء بعض أولى الدراسات الرسمية لأسلوب الارتجاع العصبي، وأظهرت الدراسات أن البشر تمكنوا طوعًا من التأثير في معدل ضربات القلب، ودرجة حرارة الجلد، والتصدي للتعرق.

Embed from Getty Images

وأوضح كاميا، وفقًا للكاتبة، أنه بالاستعانة بالتعزيز الإيجابي (ممثلًا على سبيل المثال في صوت جرس)، قد يُدرَب الناس على تنظيم حالاتهم الدماغية كي يُنتجوا موجات «ألفا»، المُقترنة بالاسترخاء. كان هذا شكلًا من أشكال «الإشراط الإجرائي»، الذي يختلف عن «الإشراط البافلوفي»؛ لأنه كان يتعلق بالربط بين السلوك التطوعي واستجابة مُعينة، عوضًا عن ربطها بحافز.

استخدم كاميا وجيل من باحثيه أسلوبًا لتصوير الدماغ عُرِف بعملية «التخطيط الكهربائي للدماغ». وبحسب الكاتبة يتضمن هذا الإجراء وضع غطاء على الرأس مع مجموعة من القنوات تخرج من أقراص معدنية يتساوى قطرها مع قطر القرش المعدني مثبتة على الغطاء. تلتقط هذه الأقراص الإشارات الكهربائية الصادرة من الجمجمة، وتطبعها على هيئة موجات توفر معلومات عن مدى السرعة التي تعمل بها مجموعات معينة من الخلايا العصبية.

وعليه، يُمكن الربط بين هذه الموجات الدماغية وحالات إكلينيكية ودماغية بعينها. على سبيل المثال، تتميز اضطرابات طيف التوحد بموجات شديدة البطء في مُقدمة الدماغ تُسمى «دلتا». وبصورة مُفصلة، توضح سارة أنه بمقدورك معرفة متى تكون عينا أحدهم مُغلقة؛ لأن موجة الألفا تبدأ في الجزء الخلفي من الدماغ، لتتسلل بعدها ببطء إلى مُقدمته.

في بدايات أسلوب الارتجاع العصبي، كان الباحثون يضعون هذا الغطاء على رأس المُشارِك ويعرضون نغمات لطيفة أو وجهًا سعيدًا على الشاشة، كلما أسفرت القراءة عن موجات دماغية ستُسفر عن تأثير سرير إيجابي. وبدا أن الأمر يعمل بنجاح، وحظي الارتجاع العصبي بازدهاره الأول.

بيد أنه كانت هناك مشكلة تقنية في جهاز التخطيط الكهربائي للدماغ، وفقًا للكاتبة، فالإشارة الواحدة التي يتلقاها هي مقياس عالمي مُشوش للنشاط الدماغي. وفي الغالب يُمكنك العثور على إشارات مماثلة لإشارات جهاز التخطيط الكهربائي للدماغ من تفاعلات داخلية مُختلفة كليًّا بداخل الدماغ، وكثير منها لا يتصل بالنتائج العلاجية المرجوة.

وفي الواقع، تكون الإشارة رديئة للغاية لدرجة أنها يُمكن أن تتأثر بإشارات غير عصبية، مثل أن تجِزَّ على أسنانك، أو أن ترمُش بيعينيك. ورغم أن هذه التقنية هي أبعد ما تكون عن الكمال، فهي ما تزال وسيلة مُنخفضة التكلفة واسعة الانتشار في عالم التصوير الدماغي.

نجاح التجارب يتناسب عكسيًّا مع قابلية تكرارها

بينما بدأ طوفان بحوث الارتجاع العصبي، كان لكثيرٍ من الدراسات المُبكرة نتائج إيجابية، فقد بدا أننا عثرنا على وسيلة للتدخل مُنخفضة التكلفة وغير مُسببة للاضطراب وفعالة. وهو ما كان كذلك حتى أزمة التكرار أو قابلية إعادة الإنتاج، التي، وفقًا للكاتبة، جعلتنا نلاحظ مشكلة في هذه الأداة الواعدة، إذ باتت قابلية إعادة الإنتاج تُشكِل صُداعًا هائلًا للبحوث النفسية.

في عام 2015، بذل مئات الباحثين جهودًا مُشتركة لإعادة خلق مائة دراسة مؤثرة في مجال علم النفس، 79 دراسة منهم كانت في الأصل قد أسفرت عن نتائج مهمة. إلا أنه مع تكرار هذه الدراسات، ظلت نتائج 36 دراسة فقط على حالها.

هناك أسباب عدة لهذه الأزمة، في رأي الكاتبة، بيد أن واحدة من أكبر الإخفاقات للتجارب التقليدية كان تصميمها الضعيف للغاية. ببساطة، في كثيرٍ من الأحيان لم تكن هناك بيانات كافية لتقرير ما إذا كان الأثر المُفترض الذي لاحظته هذه التجارب يُعد من حقائق الطبيعة حقًّا أم لا.

كانت المشكلة حادة، خاصة في الدراسات المبكرة عن الارتجاع العصبي، فلم يقتصر الأمر على وجود عدد قليل من المُشاركين لإثبات حقيقة التأثير، بيد أنه كانت هناك أيضًا احتمالية خطيرة لوجود اختيارات ذاتية مُتحيزة وخطيرة بين هؤلاء الذين شاركوا. فقد كان الناس يضطرون عادة إلى السفر إلى المراكز الطبية لأيامٍ عدة قد تصل إلى أسابيع حتى في المرة الواحدة، ما يعني أن كل من اختاروا أن يفعلوا ذلك، تشاركوا بعض السمات أو كانوا من فئة مُعينة، حسبما أوضحت سارة.

أما الناس الذين لم يشهدوا أي اختلاف فعلي انسحبوا من الأبحاث في وقت مُبكِر، في حين بقي هؤلاء ممن آمنوا بصحة النتائج حتى نهاية العلاج. هؤلاء «المؤمنون» لربما يكونون قد أثروا في النتائج الإيجابية في العديد من دراسات الارتجاع العصبي.

تستكمل سارة استعراض رحلة هذا الأسلوب مشيرة إلى أن تجارب الارتجاع العصبي استغرقت أيامًا عدة، وتضمنت في بعض الأحيان 20 جلسة تدريبية، ودائمًا ما كان المشاركون مُدركين للنتائج المقصودة.

وبإعادة التفكير في تلك الدراسات، كثيرٌ من هذه التجارب لم يُكرر، بينما فشلت الدراسات الأخرى في إظهار أي فوارِق عندما قورنت بالعلاج الوهمي.

الرنين المغناطيسي الوظيفي قارب نجاة

هذه الدراسات الأولية عن القطط ووقود الطائرات، أو عن الأجراس وعمليات «الإشراط الإجرائي» لدى البشر، جعلتها موجة من النتائج غير المُقنعة في طي النسيان، في رأي الكاتبة. ونتيجة لذلك، اكتسب الارتجاع العصبي سُمعة مفادها أنه علم زائف، لتتباطأ سريعًا الموجة العارمة لأبحاث الارتجاع العصبي إلى مُعدل يكاد لا يُذكر.

مر الجزء الأكبر في الثلاثة عقود حتى اقتحم التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي المشهد في فترة التسعينيات، والآن بدلًا من الحصول على معلومات غامضة عن حالات الدماغ تستند إلى الموجات، أصبحنا قادرين على أن نحصل على لقطات ثلاثية الأبعاد لأي من مناطق الدماغ، تحديدًا تلك التي تكون نشطة في أثناء عملية الإدراك.

بدأت الدراسات في إظهار أن تعليم الأفراد تنظيم منطقة واحدة من مناطق الدماغ في جلسات علاجية قليلة، قد يسفر عنه تغييرات دائمة في السلوك الذي تتبعه هذه المنطقة.

وبامتلاك هذه التكنولوجيا الجديدة، بدأ الباحثون محاولات تعليم الناس كيفية تنظيم مناطق مُحددة في الدماغ، وكان هذا، وفقًا للكاتبة، بمثابة دفعة قوية لأسلوب الارتجاع العصبي، فلم يتمكن العلماء فقط من التأكد من أنهم يخلقون التغيرات الدماغية المقصودة في تدخلاتهم العلاجية وصولًا إلى المناطق المليمترية المُكعبة المُحددة التي اعتزموا تدريبها، بل قد تُثبت التقنية ذاتها أيضًا أن الدماغ خضع لتغيرات جذرية عميقة.

بدأت الدراسات في إظهار أن تعليم الأفراد تنظيم منطقة واحدة من مناطق الدماغ في جلسات علاجية قليلة، قد يسفر عنه تغييرات دائمة في السلوك الذي تتبعه هذه المنطقة، وقد يحدث هذا في بعض الأحيان بعد أشهر من التدخل الأولي، حسبما أوردت سارة.

ولأن هذه الأشكال الجديدة للارتجاع العصبي كانت محصورة إلى حد كبير في حيز الدماغ، فقد تطلبت جلسات أقل كثيرًا لخلق تعديلات في الخلايا العصبية، بصورة أكبر من دراسات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي السابقة، لتقل الجلسات من العشرات أو أكثر إلى أربع أو خمس جلسات. بيد أن وسيلة التصوير الدماغي هذه أثبتت شيئًا لم يتوقعه أحد، وهو أنه يمكنك أن تُحدِث تغييرًا دائمًا في نشاط الدماغ، بأن تُفكِر فقط في أنك تخضع لتدخل فعلي.

هل الارتجاع العصبي والعلاج الوهمي وجهان لعملة واحدة؟

تؤكِد الكاتبة سارة في مقالها أن المُشكلة التي تتعلق بالارتجاع العصبي قديمة قدم العلاج الوهمي ذاته، ففي الدراسات «مزدوجة التعمية» التي تبحث في الارتجاع العصبي مع التحكم في عنصر العلاج الوهمي، لا يكون الباحث ولا المُشارك مدركين لكونهما يتلقون تدخلًا فعليًّا من عدمه. وعندما لا يعلم أحد مَن مِن المُفترض أن يختبر الآثار الإكلينيكية، تختفي الفوارق السلوكية بين العلاج الوهمي وتدخل الارتجاع العصبي في أغلب الأحوال.

Embed from Getty Images

والأكثر إثارة للإعجاب، أو القلق في واقع الأمر، في رأي سارة، أنه بإمكان العقل أن يُحدِث تغييرًا في الدماغ بمجرد التفكير في أنه يخضع لعملية تدخل، وأظهرت الدراسات الحديثة أن إخضاع الأشخاص لعملية ارتجاع عصبي زائفة قد يكون له التأثير نفسه للارتجاع العصبي الحقيقي. فعندما صدق الناس أنهم يخضعون لعملية تدخل، عادة ما أقروا بأن الأمر كان له تأثير ملحوظ.

وفي بعض الأحيان، بدأ النشاط الدماغي لهؤلاء الأفراد يُظهِر أن الدماغ قد أُعيد تدريبه على النحو المنشود؛ فالمشاركون في تجارب الارتجاع العصبي الزائف لم يُعلنوا فحسب عن انخفاض الألم المزمن، فعلى سبيل المثال، أظهرت منطقة الإنسولا (وهي منطقة في الدماغ ترتبط مباشرة بالخبرة المُكتسبة من الألم) انخفاضًا في النشاط.

وبحسب الكاتبة، فمنذ مطلع عام 2010 يواجه أسلوب الارتجاع العصبي هذا الجدل، فقد بدأ الباحثون في التساؤل عما إذا كان الارتجاع العصبي بأكمله يتعلق على نحوٍ ما بالقدرة العميقة والهائلة للدماغ على تغيير نفسه، والذي لا يحتاج بغية تحقيقه أي أسلوب حقيقي لفعل ذلك.

وأثارت دراسات العلاج الوهمي تساؤلات حول ما إن كنت تستطيع فعليًّا فصل العقل عن الدماغ، وضربت الكاتبة مثالًا على هذا بالفيلم الهوليوودي الناجح «Inception» الصادر عام 2010 الذي تناول فكرة مماثلة؛ ففي الفيلم يُعدل البطل الذي يقوم بدوره ليوناردو ديكابريو أفكار الأشخاص بأن يدخل إلى عقولهم بينما هم يحلمون.

وفي هذا الصدد، تحدثنا الكاتبة عن موجة جديدة من الأبحاث تصب تركيزها على تقنية لتصوير الدماغ، مماثلة لما ورد بالفيلم، للدرجة التي جعلت الداعين إليها يسمونها «الارتجاع العصبي الاستهلالي».

أظهرت هذه الدراسات أنه من الممكن زرع أفكار في عقول الناس دون أن يكونوا على دراية بذلك. وفي إحدى الحالات، أجرى الباحثون مسحًا ضوئيًّا للمشاركين للحصول على قراءة «مرجعية» لنشاطهم الدماغي، ثم أخضعوهم لأيامٍ عدة من التدرب على الارتجاع العصبي، وعندما شاهد هؤلاء الأشخاص خطوطًا سوداء على الشاشة، طُلِب منهم «تنظيم نشاطهم الدماغي إلى حدٍ ما»، ليجعلوا الدائرة الرصاصية في منتصف الشاشة تكبر قدر الإمكان.

وفي النهاية، دُفِع إليهم المال رهنًا بمدى نجاحهم. إلا أن ما لم يكونوا قد أُخبروا به هو أن حجم الدائرة كان مُرتبطًا بأنماط من النشاط الدماغي تماثلت مع تلك الناتجة عن رؤية اللون الأحمر.

وبعد فعل ذلك مئات المرات، سُئل الناس عما ساعدهم على الحصول على درجات عالية، ولم يذكر أحد منهم الألوان، وذكر بعضهم الحمير الوحشية، أو أعمال العنف، أو الأداء في بطولات رياضة الجمباز، بيد أنه في الاختبارات اللاحقة، كان المشاركون أكثر عُرضة لرؤية اللون الأحمر بدرجة أكبر من هؤلاء الذين لم يتلقوا ارتجاعًا عصبيًّا عندما عُرِضت عليهم صورة. ودون أن يُدركوا ذلك حتى، زُرِع في عقولهم الأثر البصري للون الأحمر.

وسيلة للالتفاف حول أزمة العلاج الوهمي

تُحدثنا الكاتبة عن فينسينت تاشيرو ديموشيل، أستاذ علم النفس في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، الذي طبق هو وزملاؤه الارتجاع العصبي على أنواع الرهاب.

وفي دراسة نُشِرت عام 2018، سجلوا نشاط الدماغ لدى «مُشاركين عاديين يتمتعون بصحة جيدة»، بينما شهدوا على أحداث إدراكية مُعينة، مثل النظر إلى صور لعنكبوت أو ثعبان، ليحسبوا بعدها متوسط هذا النشاط الدماغي، ويمنحوا الباحثين نموذجًا أو إشارة للنشاط الدماغي الكامن الذي يقترن بتلك الحيوانات.

وبامتلاك هذه الإشارة في متناول اليد، عمل الباحثون على أشخاص يُعانون من فوبيا العناكب أو الثعابين، وباستخدام تعزيزات عصبية آلية كالدائرة المُتغيرة، لم يُعرِّضوا المشاركين قط إلى مخاوفهم، ولم يخبروهم حتى ما إن كانوا سيختبرون انخفاضًا في استجابتهم لمخاوفهم.

تُعد هذه النتائج إنجازًا ملحوظًا في علم الأعصاب، إلا أن التداعيات الأخلاقية وتلك الناتجة عن هذا العلاج لهذه الوسائل بالكاد استُكشِفت.

وبحسب الكاتبة، فقد كانت العملية بأكملها غير واعية، بيد أنه، بعد أيامٍ عدة من التدرب، تمكن هؤلاء الأشخاص بنجاح من التقليل من تلك الأنشطة الدماغية المُقترنة بتلك الأحداث الإدراكية، وأظهروا استجابة فسيولوجية للخوف أقل (استنادًا إلى التعرق وتنشيط لوزة المُخيخ) عندما عُرضت عليهم في النهاية صورة لما يُخيفهم.

وجد هذا النهج الذكي الجديد وسيلة للالتفاف حول مشكلة العلاج الوهمي، وفقًا للكاتبة، فالمشاركون ليس لديهم أي وعي بالتدخل، وعليه، فمما لا شك فيه أن التغيرات الدماغية المُلاحظة في هذه الدراسات ترتبط بتدريب الأنشطة الدماغية، وبهذا يتجنب الأشخاص المعنيون أيضًا ردود الفعل السلبية التي تصدر عند تعرضهم لمخاوفهم.

وبينما تُعد هذه النتائج إنجازًا ملحوظًا في علم الأعصاب، فإن التداعيات الأخلاقية وتلك الناتجة عن هذا العلاج لهذه الوسائل بالكاد استُكشِفت، حسبما أوضحت سارة.

وفي حال برهنت هذه الوسائل على قوتها، قد يُصبِح الارتجاع العصبي ثوريًّا بالنسبة للمرضى ممن يُعانون اضطرابات مُستعصية مثل انفصام الشخصية، أو من متلازمة المُنحبس، أو حتى من الخرف.

وتتوقع الكاتبة أننا سنرى دراسات في هذه المجالات تظهر خلال السنوات المُقبلة.

اضطلع الارتجاع العصبي، في رأي الكاتبة، بعمل جيد وتدبر نفسه ليكون آلية للتأثير في الإدراك الأعلى، بدلًا من كونه مجرد تنظيم صاعد أو هابط بسيط لمنطقة مُعينة في الدماغ، حتى إن إحدى الدراسات أثبتت أن الارتجاع العصبي قد يُستخدم لتغيير مستويات الثقة.

وبهذه الإمكانية المُكتشفة حديثًا لإعادة برمجة أدمغة المرضى، الذين يمتلكون مستويات متفاوتة من الإدراك الواعي، أصبح من المهم أن نفكر في الكيفية التي يُمكن أن يُساء بها استعمال الارتجاع العصبي الاستهلالي في حال وقوعه في الأيدي الخطأ.

مُستقبل الارتجاع العصبي

عندما يتعلق الأمر بالمستقبل العلاجي للارتجاع العصبي المُصور بالرنين المغناطيسي الوظيفي، فإننا، بحسب الكاتبة، نخوض ببساطة غمار المجهول، ومع التوسع في استخدامه بصفته أداة نفسية، هناك حاجة بوضوح إلى تطوير طبيعة الموافقة.

ففي معظم البحوث السريرية، يجري إعلامك بأنك إما أن تكون في حالة «النشاط»، وإما حالة «التحكم» (وهي حالة العلاج الزائف)، لذا لا تعرف أبدًا ما إن كنت تتلقى التدخل الذي أُحِطت علمًا بشأنه. وتتساءل الكاتبة عما إذا كانت هناك منفعة طبية للخضوع لتدخل دون وجود تحيزات ناجمة عن التوقعات.

وتستعرض سارة الحل لهذه المُعضلة، الذي عالجته بعض الدراسات الاستهلالية من خلال الحصول على موافقة من الأوصياء القانونيين، بحيث يعرف الشخص الذي لا يتلقى علاجًا على الأقل القصة الكاملة لما يجري.

وتؤكد الكاتبة في نهاية مقالها أنه ثمة حقيقة واحدة أكيدة على الأقل، وهي أنه في حالة بلغ الارتجاع العصبي مُراده، فسيتطلب ذلك منا أن نفكر مليًّا في الأساس العلمي والفلسفي للتدخلات البشرية.

«الجارديان»: دروس من زيمبابوي.. كيف تتعامل الدول الفقيرة مع الاكتئاب؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد