قال جورج فريدمان في مقال له على موقع «جيوبوليتيمال فيوتشرز»: «إن الولايات المتحدة قررت أخيرًا اتخاذ تدابير جادة للتصدي لتعاظم نفوذ إيران في الشرق الأوسط».

وأوضح فريدمان أن وزارة الدفاع الأمريكية أرسلت حاملة طائرات وسفن هجومية إلى الشرق الأوسط. والسبب هو أن المخابرات الأمريكية قد كشفت عن تهديد إيراني ضد المصالح الأمريكية وحلفائها في المنطقة. صرح ترامب بأنه لا يريد الحرب مع إيران، ولكنه مستعد للدفاع عن مصالح بلاده في المنطقة.

ومع أنه ليس من الواضح ما هو التهديد الذي اكتشفته الولايات المتحدة، وبما أن هذه القوة ستستغرق بعض الوقت للوصول إلى المنطقة، يمكننا أن نفترض أن التهديد ليس وشيكًا. وسنفترض أن التهديد المزعوم يمكن مواجهته بنوع وكمية القوة الجوية المنتشرة. ولكن كما هو الحال مع كل عمليات النشر هذه، هناك عناصر عسكرية ونفسية وسياسية يجب فهمها.

روسيا وإسرائيل يترقبان.. هل تتمكن إيران من السيطرة على ميناء اللاذقية السوري؟

التراجع عن خطة الانسحاب السابقة

رأت إدارة أوباما أن التدخلات الضخمة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط فشلت في تحقيق أهدافها السياسية وفرضت تكاليف كبيرة على الجيش الأمريكي وسببت الحرج للولايات المتحدة. ربما تكون شوكة تنظيم القاعدة قد انكسرت – يشير فريدمان – لكن هذه التدخلات لم تخلق أنظمة فعالة يمكنها أن تقمع الجماعات الجهادية. لم تحقق عمليات النشر هدفها ولا تدعم الاستراتيجيات الأمريكية. وأدركت واشنطن أن سحب القوات الأمريكية من المنطقة سيكون له عواقب سياسية، لكنها خلصت إلى أن تكلفة هذه العواقب مقبول.

أدى الانسحاب الأمريكي إلى إعادة تشكيل خريطة القوى في المنطقة. كانت القضية الاستراتيجية الأساسية في المنطقة هي العلاقة بين العالم العربي والدول المحيطة غير العربية مثل إسرائيل وتركيا وإيران والقوى العظمى، مثل بريطانيا والولايات المتحدة. ولكن مع انسحاب الولايات المتحدة، أصبح نفوذها أقل أهمية، في حين أصبحت العلاقات بين القوى العربية والإقليمية متوترة. في ذلك الوقت، جاء التهديد الأكبر من إيران، التي رأت أن العالم العربي يمثل تهديدًا تاريخيًا، ولكنه أيضًا يمثل فرصة فورية.

لكن الفرصة ضاعت مع صعود تنظيم داعش – يكشف فريدمان – الذي حدث بالتوازي مع الانسحاب الأمريكي. نظرت إيران ذات الأغلبية الشيعية إلى الدول الإسلامية والسنية والعربية الراديكالية كتهديد لمصالحها، ولا سيما في العراق «التي كانت حرب العشر سنوات في الثمانينات مجرد مظهر واحد لتلك المصالح». لا يمكن لطهران أن توافق على قيام حكومة جهادية في بغداد، لذلك تدخلت لمساعدة الجيش العراقي. لكن المفارقة هنا هي أنه في تلك المرحلة تقاطعت المصالح الإيرانية والأمريكية. فكلاهما يريد هزيمة «تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)». وما إن تحقق ذلك، واصلت أمريكا انسحابها من العراق، بينما أصبحت لإيران اليد العليا في بلد عربي به عدد كبير من السكان الشيعة.

إيرانيون يتظاهرون للانسحاب من الاتفاق النووي

خلق هذا فرصة تاريخية أكبر بكثير لإيران. كانت إستراتيجية طهران هي التحالف مع الشيعة في العالم العربي لتحدي القوى العربية السنية، خاصة السعودية. ففي لبنان – يضيف فريدمان – وجدت إيران موطئ قدم قوي من خلال حزب الله، ورأت فرصة أخرى في سوريا. فعلى الرغم من أن نظام الأسد علماني، لكنه ينتمي إلى العلويين، وهي طائفة شيعية لها روابط تاريخية مع إيران. خلال الحرب الأهلية في سوريا، كثفت إيران دعمها لنظام الأسد تزامنًا مع التدخل الروسي. كان لطهران وموسكو مصلحة مشتركة في إضعاف القوة الأمريكية في المنطقة. وعلى الرغم من عداوتهما التاريخية، إلا أن لكل منهما مصلحة كبرى في إضعاف الولايات المتحدة، ولو معنويًا فقط.

ممارسة الضغوط على إيران

وهكذا برزت إيران كقوة إقليمية كبرى – يشدد فريدمان. فهي تسيطر على العراق ولبنان، وهي قوة مهمة في سوريا وتشارك بعمق في حرب اليمن. إنها تزيد الخناق على السعودية، وهي الدولة التي خاضت معها الحروب منذ الستينيات. وبات العداء السعودي الإيراني هو أساس الديناميات الإقليمية. في الماضي، كما حدث أثناء غزو العراق للكويت، استخدمت واشنطن القوة الرئيسة لعرقلة إيران. لكن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة كانت حريصة على الحد من الانخراط الأمريكي. لذلك تريد الولايات المتحدة الآن الاعتماد على القوى الإقليمية للتصرف عندما يكون من مصلحتها القيام بذلك، بدلًا عن تدخلها المباشر.

وكانت النتيجة ظهور تحالف غير مسبوق بين إسرائيل وعدد من دول الخليج العربي. وهو يشكل خطرًا على إيران. تحاصر إيران السعودية من كافة الاتجاهات، ولكن هذا ما يمكن أن يطلق عليه اسم القوة الناعمة. فباستثناء لبنان، فإن سلطتها في البلدان الأخرى ليست متجذرة. ويؤكد فريدمان أن التعاون الذي نشأ بين إسرائيل والقوى العربية المناهضة لإيران هو تعاون كبير. وبالإضافة إلى الضغوط السياسية التي تمارس على إيران، فإنها تتعرض لعقوبات اقتصادية من جانب واشنطن بسبب برنامجها النووي. وهذه الاستراتيجية الأمريكية تتناسب مع فكرة تقليل التدخل العسكري واستخدام الوسائل الدبلوماسية والاقتصادية لممارسة الضغوط. وقد تأثرت إيران بالفعل، فأصبح اقتصادها أضعف بسبب العقوبات الأمريكية.

تعرض التمدد الإيراني لضغوط كبيرة – ينوه فريدمان – فقد هاجم الإسرائيليون المواقع الإيرانية في سوريا. وروسيا – حليف إيران ظاهريًا – لم تقم بأي محاولة لوقفها. كما أن وضع إيران في اليمن صعب. لكنها تبقى مؤثرة في العراق، أما في كل مكان آخر، فقد واجه توسعها مشاكل خطيرة.

ومع ذلك، لم تستسلم إيران. كانت طهران تمد حماس بالأسلحة منذ فترة، لكن العلاقة بين الكيانين السني والشيعي توترت بسبب الحرب السورية. أحد الخيارات السياسية لإيران هو جر إسرائيل إلى هجمات على غزة ولبنان وتصوير نفسها على أنها القوة الرئيسة الوحيدة في العالم الإسلامي التي تتحدى إسرائيل بينما يتحالف عرب الخليج مع تل أبيب. المشكلة في هذه الاستراتيجية هي أنها يمكن أن تنشط الجهاديين، وهم ليسوا أصدقاء لإيران.

التهديد الإيراني خلق تحالفًا غير مسبوق بين السعودية وإسرائيل

لذلك، يتعين على إيران إما سحب بعض أذرعها أو توجيه ضربة بطريقة أو بأخرى – يضيف فريدمان. حذرت الولايات المتحدة من احتمالية تعرض حلفائها للهجوم. والقضية الآن بالنسبة للولايات المتحدة هي أنه، بالنظر إلى المشاكل الاقتصادية لإيران والمكانة الضعيفة التي تعاني منها في المنطقة، فإن الانسحاب الأمريكي يقلل خطورة اتخاذ إجراء ضد إيران. في الوقت نفسه، فإن إعادة نشر أعداد كبيرة من القوات البرية ليس شيئًا تريد الولايات المتحدة القيام به.

لذلك، نرى انتشارًا للقوة الجوية والبحرية الأمريكية. إذ تستعد أمريكا للرد بضربات جوية، إذا نفذت إيران بعض العمليات لتحقيق الاستقرار في موقفها. المشكلة هي أن إسرائيل قادرة على توجيه الضربات الجوية في سوريا ولبنان، بينما لا توجد أهداف ذات قيمة في العراق. لذا فما هددت به الولايات المتحدة ضمنًا هو الضربات الجوية على إيران نفسها إذا نفذت عمليات ضد حلفائها. لكن القوة التي تنشرها الولايات المتحدة ليست كبيرة بما يكفي لشن حملة جوية مستمرة. لذلك، فإن التهديد الذي تشكله في هذا الوقت محدود.

يرى فريدمان أن الانتشار العسكري الأمريكي له غرضان. أولًا، معرفة ما إذا كانت القوة الجوية تشكل تهديدًا كبيرًا لإجبار الإيرانيين على الامتناع عن الأعمال العدوانية في المنطقة. ثانيًا، معرفة ما إذا كان هذا كافيًا لوقف التوسع الإيراني. إن إيران تعاني من أزمات داخلية، وقد يرى الشعب الإيراني أن الضربات الجوية الأمريكية خطأ آخر من قبل الحكومة الإيرانية. بالتأكيد لا يمكن الجزم بما سيكون عليه الأمر. لكن أغلب الظن أن الحكومة الإيرانية لا تعرف ذلك بالتأكيد، وقد يحد ذلك من المخاطرة.

وفوق كل هذا حقيقة أن تدخل الولايات المتحدة في المنطقة فشل في تحقيق أهدافه السياسية وأدى إلى سحبها القوة الرئيسة، تاركة قوات محدودة لأهداف محدودة للغاية. فمن دون قوة عالمية تفرض الاستقرار، أعادت المنطقة ترتيب نفسها، كما كانت الولايات المتحدة تأمل في ذلك، لكن إعادة الترتيب وضعت إيران في موقع قوي، وهو ما لم تريده واشنطن بالتأكيد. ومن المتوقع أن تحاول إيران ضرب التحالف الجديد المناهض لها، بينما ستحاول الولايات المتحدة إعادة تأكيد قوتها دون إعادة نشر قوات برية. وفي النهاية، فإن الإسرائيليين والسعوديين والأتراك يواجهون خطرًا أكبر من الولايات المتحدة وبالتالي يحتاجون إلى المجازفة، في كلتا الحالتين.

«ناشيونال إنترست»: 5 أسلحة ستفوز بها أمريكا في أي حرب مقبلة ضد إيران

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد