أكد الصحافي البريطاني، ديفيد هيرست، أن حملة القمع التي يقودها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان داخل المملكة العربية السعودية، أكبر بكثير مما تعترف به سلطات المملكة، مشيرًا إلى أن «عدد المعتقلين تجاوز 500 شخص، وبلغ عدد الذين حقق معهم ضعف ذلك العدد».

وقال هيرست في تقرير نشره موقع «ميدل إيست آي» وترجمته «عربي21»، إن بعض كبار الشخصيات المعتقلة في السعودية، تعرضت للضرب والتعذيب بشكل سيئ خلال اعتقالهم أو استجوابهم لاحقًا، إذ نُقل بعضهم للعلاج في المستشفى.

وأوضح أن «السعودية تستخدم  الفوضى كسياسة في جوارها القريب، سواء في العراق، أو في سوريا، أو في اليمن، لكنها الآن تطبق نظرية الفوضى في الداخل، ولا أحد يدري على وجه التأكيد، ولا حتى الأمير نفسه، إلى أين ستؤول الأمور بعد ذلك».

وأشار هيرست إلى أن الأعمدة الأساسية التي قامت عليها المملكة، المتمثلة في «وحدة عائلة آل سعود، والشخصية الإسلامية للدولة، وطبقة رجال الأعمال المزدهرة والموالية للحكم، تعرضت للتقويض بشكل آني ومتزامن».

وأكد هيرست أن تقويض تلك الأعمدة الأساسية أدى إلى «تعاظم الخطر المحدق بالمملكة، وبات احتمال انهيارها وغرقها في الرمال كبيرًا جدًا».

وفيما يلي النص الكامل لتقرير «ميدل إيست آي» الذي ترجمته «عربي21»:

بإمكان موقع ميدل إيست آي الكشف عن أن بعض الشخصيات التي اعتقلت في حملة التطهير، التي شنت داخل المملكة العربية السعودية السبت الماضي، تعرضت للضرب والتعذيب في أثناء توقيفها، أو خلال ما تلا ذلك من استجواب، ونالها من التنكيل الشديد ما استوجب نقلها إلى المستشفى للعلاج.

وصرحت مصادر داخل الديوان الملكي لموقع ميدل إيست آي بأن حجم القمع، الذي شمل اعتقالات جديدة كل يوم، أكبر بكثير مما تعترف به السلطات السعودية، حيث تجاوز عدد المعتقلين 500 شخص، وبلغ عدد الذين حقق معهم ضعف ذلك العدد.

‎ويذكر أن أفرادًا من العائلة الملكية الحاكمة، وعددًا من وزراء الحكومة، وكبار رجال الأعمال، وقعوا في شباك الموجة المفاجئة من الاعتقالات التي أمر بها ولي العهد محمد بن سلمان باسم مكافحة الفساد.

‎إلا أن بعض -وليس جميع- الشخصيات الكبيرة التي أوقفت عوملت دون غيرها بوحشية شديدة، وتكبدت جراحًا في مختلف أنحاء البدن تحت وطأة ألوان من التعذيب التقليدي. إلا أن وجوههم لم تصب بجراح حتى لا تظهر عليهم بعد أن يظهروا للعلن لاحقًا أي علامات تدل على التعذيب والامتهان الذي تعرضوا له.

تعرض بعض المعتقلين للتعذيب حتى يكشفوا عن تفاصيل حساباتهم البنكية. ولحماية مصادره لن يتمكن موقع ميدل إيست آي من الكشف عن معلومات تفصيلية حول الإساءات التي تعرض لها هؤلاء.

‎تسود حالة من الذعر العاصمة السعودية، الرياض، وخاصةً في أوساط الشخصيات التي كانت تحسب على نظام الراحل الملك عبد الله الذي توفي عام 2015، وذلك بسبب حملة التطهير التي تشن منذ السبت الماضي، التي جاءت بعد حملة سبقتها استهدفت عددًا من رجال الدين المسلمين، والكتّاب، والاقتصاديين، والشخصيات العامة.

يخشى كثيرون أن يكون وراء هذه الإجراءات القمعية تحرك لمحمد بن سلمان بهدف سحق جميع منافسيه ومعارضيه داخل وخارج العائلة السعودية، قبل أن يحل محل والده البالغ من العمر 81 عامًا.

‎انتشرت أنباء أنه أطلق مساء الأربعاء سراح سبعة من الأمراء كانوا محتجزين في فندق ريتز كارلتون في الرياض منذ أن أوقفوا السبت الماضي. ولكن حسب مصادر ميدل إيست آي تم نقل الأمراء إلى قصر الملك.

‎أما محمد بن نايف، ابن عم ولي العهد، الذي مازال تحت الإقامة الجبرية، فقد جمدت أرصدته حسبما أوردت وكالة رويترز للأنباء. كما تم إيقاف أبناء سلطان بن عبد العزيز وجمدت أرصدتهم وممتلكاتهم.

‎ومن أشهر أبناء سلطان، الأمير بندر بن سلطان، السفير السعودي السابق في واشنطن، ونديم الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش.

لا توجد معلومات حول ما آل إليه مصيره، إلا أن السلطات السعودية قالت إن إحدى قضايا الفساد التي يجري التحقيق فيها هي صفقة أسلحة اليمامة التي كان الأمير بندر ضالعًا فيها.

وكان الأمير بندر قد اشترى قرية بأكملها في كوتسوولدز، ذات الجمال الطبيعي الفاتن في وسط إنجلترا، كما اشترى عقارًا مساحته ألفا فدان يشتمل على مضمار لسباق الخيل، وذلك بجزء من المال الذي تلقاه رشوة وعمولة في صفقة أسلحة اليمامة، التي جنت منها مؤسسة بي إيه إي البريطانية لصناعة الأسلحة، ما يقدر بـ43 مليار جنيه إسترليني، أي ما يعادل 56.5 مليار دولار على شكل عقود لتزويد المملكة بطائرات مقاتلة.

‎ويُزعم بأن 30 مليون دولار (أو ما يعادل 15 مليون جنيه إسترليني) أودعت في حساب الدولار العائد للأمير بندر في مصرف ريغز بانك بواشنطن، ونجم عن ذلك تحقيقات في قضايا الفساد في الولايات المتحدة وبريطانيا، رغم أن القضية أسقطت في بريطانيا، وأغلق ملفها في عام 2006 بعد تدخل من رئيس الوزراء طوني بلير.

ومن بين المعتقلين ريم، ابنة الوليد بن طلال، المرأة الوحيدة التي ذكر أنها استهدفت في هذه الحملة (حتى الآن).

‎تجميد الحسابات البنكية

ولكي يحول دون هرب أي أحد، أمر محمد بن سلمان بتجميد الحسابات البنكية الشخصية، وقد بلغ عدد الحسابات التي أغلقت وعدد أولئك الذين منعوا من السفر عدة أضعاف عدد الذين أوقفوا واعتقلوا، بحسب ما علمه موقع ميدل إيست آي من مصادر مطلعة في الرياض.

لم يتوقع أحد حملة قمع بهذا الحجم، وأن تكون موجهة ضد أمراء بهذا العمر والمقام داخل بيت العائلة السعودية الحاكمة، وهذا ما يفسر ضبط كثير ممن اعتقلوا على حين غرة، ودون أن تتاح لهم فرصة الهرب.

لم يسبق في تاريخ المملكة المعاصر أن تعرض أعضاء في العائلة الحاكمة لحملة تطهير كهذه، ولهذا فقد أتت هذه الحملة على أواصر الوحدة العائلية التي ضمنت استقرار الدولة منذ تأسيسها فحطمتها.

لربما كان آخر حدث بهذا الحجم هو الانقلاب على الملك سعود من قبل شقيقه الأمير فيصل في عام 1964، حين أمر الأمير فيصل، في مرحلة حرجة من تلك الملحمة، الحرس الوطني بمحاصرة قصر الملك، إلا أن الملك نفسه لم يتعرض للتشهير أو الامتهان.

‎بل كان خروجه من البلاد مهيبًا، إذ وقفت جميع الشخصيات الكبيرة، بما في ذلك فيصل نفسه، لتوديعه في المطار بكل احترام.

‎كان محمد بن سلمان قد تعهد قبل أن يصبح ولي العهد قائلًا: «ليكن معلومًا لديكم، لن ينجو أحد في قضية من قضايا مكافحة الفساد، أيًّا كان ذلك الشخص، حتى لو كان أميرًا أو وزيرًا».

‎ولكن الذي حدث هو أن أبناء جميع الرجال الأساسيين الأربعة في بيت آل سعود، الذين شكلوا العمود الفقري للعائلة خلال العقود الأربعة الماضية، قد استهدفوا في حملة التطهير، وهؤلاء هم أبناء الملك فهد بن عبد العزيز، والملك عبد الله، والأمير سلطان، والأمير نايف.

‎ولا شك أن ذلك يمثل هجومًا غير مسبوق على موقع أعمدة آل سعود وثروتهم، بما في ذلك الشخصيات الثلاث الأبرز في فخذ السديري من قبيلة آل سعود الحاكمة.

‎الملك سلمان واحد من سبعة أشقاء سديريين، وهي المجموعة التي هيمنت على مقاليد الأمور في المملكة خلال الأربعين سنة الماضية. والسديري الآخر الذي ما زال على قيد الحياة هو الأمير أحمد بن عبد العزيز، الذي تعرض للتهميش.

‎لم ينل سلمان العرش إلا لأن اثنين من أشقائه، سلطان ونايف، توفي كل واحد منهما في أثناء ولاية كل منهما للعهد.

‎وحتى وصوله إلى العرش كان فلتة كما كتبنا من قبل في ميدل إيست آي، إذ إن الملك عبد الله كاد قبل أن يتوفى أن يوقع على مرسوم ملكي ينزع ولاية العهد من سلمان. إلا أن ذلك المرسوم لم يقدر له أن يرى النور.

إهانة على الملأ

 ‎يعتبر ما ارتكبه محمد بن سلمان من اعتداء على أبناء عمه في تراث البدو أمرًا معيبًا لا ينسى ولا يغتفر، وسوف تظل الإهانة التي تعرضوا لها وتجميد ممتلكاتهم في نظر من يعيش من أفراد عائلاتهم طعنة في شرفهم، وعارًا يتحتم عليهم أن يثأروا ممن جلبه عليهم، ‎إلا أن هجوم ولي العهد على كبار رجال الأعمال لا يقل خطورة عن ذلك.

‎على سبيل المثال، أحد الذين شملتهم حملة التوقيف والاعتقال يوم السبت الماضي، بكر بن لادن، رئيس أكبر شركة إنشاءات سعودية، التي كانت تناط بها مهمة إدارة أضخم مشاريع الإنشاءات على مدى عقود من خلال سلسلة عقود مقاولات، يكلف بعضها لمقاولين أصغر كان يدفع تكاليفهم من شركته مباشرة.

يبلغ ابن لادن من الثراء ما يمكنه من امتصاص هذه التكاليف، قبل أن يقوم هو بدوره «برشوة» المسؤولين في الحكومة ليدفعوا له على العمل الأصلي، وعلى العقد الذي كانوا قد وقعوه معه.

ولكن حينما تقصي الرجل أو الشركة التي تتربع على هرم المقاولين التي تكلف وتدفع لمن تحتها في الهرم، فلن يتلقى أحد دونه في الهرم أتعابه، وفي هذا مجازفة خطيرة قد ينجم عنها حالة من الفوضى العارمة التي ستجتاح قطاع الإنشاءات بأسره. والشيء نفسه حصل مع شركة سعودي أوجيه، الشركة التي تعود ملكيتها إلى سعد الحريري، رئيس الوزراء اللبناني السابق، التي أعلنت إفلاسها في 31 يوليو (تموز) من هذا العام.

كما شملت حملة التطهير الأخيرة بعض الوزراء الذين عينهم محمد بن سلمان بنفسه. ومنهم عادل فقيه، وزير التخطيط والاقتصاد السابق، الذي كان رأس الحربة في تنفيذ مشروع الخصخصة الذي جاء به محمد بن سلمان ضمن ما يسمى برؤية 2030.

كما كان له دور مفصلي في الإعلان عن نيوم، المشروع المقترح لإنشاء مدينة ضخمة، وهو المشروع الذي تدعمه الحكومة بما يقرب 500 مليار دولار، الذي من المفروض أن ينفذ على ساحل البحر الأحمر.

وكان فقيه، الذي شغل من قبل منصب عمدة جدة، قد اعتقل في الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني)، وهو المصير ذاته الذي حاق بعادل الطريفي، وزير الإعلام الذي عينه ولي العهد بنفسه.

لعله من سخريات القدر أن إعلان مشروع نيوم كان قد جرى في فندق ريتز كارلتون، وهو المكان نفسه الذي يحتجز فيه المعتقلون منذ اعتقالهم يوم السبت الماضي.

بعد هذا الذي حدث، ربما يتساءل كثيرون من زملاء محمد بن سلمان كم بقي لهم من الوقت قبل أن ينقض الأمير الطامح والشرس عليهم هم أنفسهم.

ولذلك يرى أحد المحللين أن محمد بن سلمان، بعد أن ضرب الأسس التي تقوم عليها وحدة العائلة، وبعد أن وجه ضربة لكبار رجال الأعمال، واستهدف علماء الإسلام المستقلين، وكبار الشخصيات العامة، ها هو يوجه مدافعه إلى أعمدة الدولة السعودية التقليدية.

وفي تصريح لموقع ميدل إيست آي، قال مصدر مطلع في الرياض الليلة الماضية: «حتى وقت قريب، استخدمت المملكة العربية السعودية الفوضى كسياسة في جوارها القريب، سواء في العراق، أو في سوريا، أو في اليمن. لكنها الآن تطبق نظرية الفوضى في الداخل، ولا أحد يدري على وجه التأكيد، ولا حتى الأمير نفسه، إلى أين ستؤول الأمور بعد ذلك».

وأضاف المصدر: «قام الاستقرار في المملكة على ثلاثة أعمدة: وحدة عائلة آل سعود، والشخصية الإسلامية للدولة، وطبقة رجال الأعمال المزدهرة والموالية للحكم. أما الآن، وقد تعرضت الأعمدة الثلاثة للتقويض بشكل آني ومتزامن، فقد تعاظم الخطر المحدق بالمملكة، وبات احتمال انهيارها وغرقها في الرمال كبيرًا جدًا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد