نشر موقع معهد «بروكنجز»، الذي يُعنى بتحليل قضايا السياسة العامة، تحليلًا للكاتبة فيديريكا سايني فاسانوتي عن الصراع الدائر في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط بين قوى مختلفة حول مصادر الطاقة من نفط وغاز طبيعي.

غيض من فيض

وفي مستهل مقالها، تقول فيديريكا فاسانوتي، الباحثة في مركز أمن واستخبارات القرن الحادي والعشرين في برنامج السياسة الخارجية في معهد بروكنجز إنه في أحدث سلسلة من الإجراءات الاستفزازية المرتبطة بالتنقيب عن النفط والغاز الطبيعي في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط​، أجرت تركيا مؤخرًا مناورات بحرية في منطقة ما في ذلك البحر تَعُدَّها اليونان أيضًا ضمن مياهها الإقليمية.

وبذلك الإجراء، تواجه تركيا كَارْتِل (اتِّحَاد احْتِكَارِيّ) للطاقة يسمى منتدى غاز شرق المتوسط ​​(EMGF)، والذي يضم مصر، وإسرائيل، وإيطاليا، واليونان، وقبرص، والسلطة الفلسطينية. ويسعى الاتحاد الأوروبي للوساطة، إذ قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون: إن الوضع مقلق للغاية لدرجة أن فرنسا ستعزز وحدتها البحرية في شرق البحر المتوسط. لكن هذا مجرد غيض من فيض.

وفي بداية شهر أغسطس (آب) وقَّعت مصر واليونان اتفاقية – وصفتها تركيا بأنها «ملغاة وباطلة»، وهذا ليس بالمستغرب – لتعيين حدود مناطقها الاقتصادية الخالصة (EEZs) (ويقصد بالمناطق الاقتصادية الخالصة، المناطق البحرية التي تمارس فيها الدولة سلطتها) للسماح للأفراد باستغلال الموارد البحرية، سواء الموجودة بالفعل، أو الكامنة في أعماق تلك المناطق. وتنظم الدول هذه الاتفاقيات على نحو ثنائي، حتى لو كان هناك إطار دولي يحكمها.

أما الهدف من الاتفاقية فيتمثل في الحد من الطموحات التركية في المنطقة والرد على الاستفزاز الواضح من جانب أنقرة: والمقصود بذلك توقيعها مذكرة في إسطنبول في عام 2019 مع حكومة الوفاق الوطني الليبية، القائمة في طرابلس، بشأن المناطق الاقتصادية الخالصة والتعاون العسكري.

هل ليبيا مجرد بيدق تلعب به تركيا؟

تقول الكاتبة: إن الاتفاق الليبي – التركي – الذي لا تقره مجموعة منتدى غاز شرق المتوسط وتتهمه بانتهاك اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 (مونتيجو باي) – له هدفان رئيسان: تحديد المناطق الاقتصادية الخالصة التركية والليبية على الترتيب، لاستغلال موارد الطاقة؛ والسماح لتركيا بتقديم المساعدة العسكرية لحكومة الوفاق الوطني في الحرب الأهلية الليبية الجارية.

أما هدف أنقرة الأوسع فهو استباق أي مشروع محتمل لمجموعة منتدى غاز شرق المتوسط في المنطقة طالما استمر استبعاد تركيا من المجموعة. وإذا استمرت بلدان منتدى غاز شرق المتوسط – التي لديها علاقات متوترة للغاية في بعض الحالات مع أنقرة – في استبعاد تركيا (أو حتى التحرك لمنع تركيا من الوصول إلى حقل غاز داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة الخاصة بها، اعتمادًا على تفسير اتفاقية مونتيجو باي)، فيمكن لتركيا استخدام هذا الأمر ذريعة لتبني إستراتيجية أكثر عدوانية. وفي مثل هذا السيناريو يمكن أن تطرح أنقرة عقبات قانونية دولية لمنع تمرير الغاز إلى المنطقة؛ مما يجعل استخراجه من حيث التكلفة أقل فعالية.

الاتفاق الليبي – التركي يغضب مصر والإمارات

ولفتت الكاتبة إلى أن هذا الاتفاق أثار غضب خِصْم حكومة الوفاق الوطني في ليبيا المشير خليفة حفتر الذي يقود الجيش الوطني الليبي المتمركز في طبرق وبدأ حصارًا على طرابلس في شهر أبريل (نيسان). وتدعم مصر، والإمارات العربية المتحدة المشير حفتر منذ عام 2014؛ إذ يرى كل منهما أن ليبيا ليست مجرد منصة مثالية لتوسيع أهدافهما الاقتصادية فحسب، ولكنها أيضًا ساحة للمواجهة الأيديولوجية ضد تركيا وقطر الممثلين السياسيين لجماعة الإخوان المسلمين التي تُعد عدوًا لدودًا لمصر وممالك الخليج.

Embed from Getty Images

وبهذا المعنى تمثل ليبيا فرصة غير عادية لأبوظبي كي ترى أهداف قوتها الوسطى (دولة ذات سيادة بالرغم من أنها ليست قوة كبرى، لكنها تتمتع بتأثير كبير) تتحقق واقعًا على الأرض، وهي كذلك بالنسبة للقاهرة لتوسيع منطقة نفوذها غربًا. وفي الواقع كانت منطقة برقة الساحلية في شرق ليبيا دائمًا أرضًا للتجارة والروابط القبلية العميقة مع مصر. وفي الآونة الأخيرة سَعَت القاهرة إلى لعب دور محوري في سيناريوهات الأزمات في منطقة البحر المتوسط ​​العريضة، حيث تتقاطع مشكلات الفلسطينيين مع مشاكل السوريين والليبيين، وحيث تمثل موارد الطاقة مصالح هائلة تتجاوز حوض البحر المتوسط.

وفي هذا السياق تسعى فرنسا للعب دور قيادي: اتَّخذت باريس مواقف معارضة لأنقرة لبعض الوقت (كتلك المتعلقة بعضوية تركيا في الناتو، والغاز الطبيعي، والمهاجرين، وليبيا)، وفي الأشهر الأخيرة دعمت بقوة المبادرات التي طرحتها مصر، واليونان، وقبرص، ضد تركيا. وفي وقت سابق من هذا العام، طلبت فرنسا أن تصبح عضوًا في منتدى غاز شرق المتوسط، بينما طلبت الولايات المتحدة أن تصبح مراقبًا دائمًا. وترى فرنسا هذه الخطوات بمثابة فرصة لتعزيز إستراتيجيتها في البحر المتوسط. وبصورة أعم؛ لأن أوروبا لا تملك حاليًا إستراتيجية حقيقية لاحتواء تركيا.

الدور الأساسي للولايات المتحدة في شرق المتوسط

ترى الكاتبة، التي عملت مستشارة بشأن ليبيا لجيمس ماتيس، وزير الدفاع الأمريكي الأسبق، أن الولايات المتحدة تعتقد أن هذه المنطقة ذات أهمية إستراتيجية كبيرة، وعلى وجه الخصوص لاحتواء التدخل الصيني والروسي من خلال الاصطفافات والحلفاء الإقليميين. وتهدف السياسة إلى الحفاظ على أمن طرق التجارة البحرية الرئيسة – وتأتي قناة السويس أولًا وقبل كل شيء في هذا الصدد. وبهذا المعنى فإن الهدف هو تقليل فرص المواجهة بين دول المنطقة، لا سيما أن الأمر يتضمن اثنين من أعضاء الناتو: تركيا واليونان، ومن المحتمل الآن أن تدخل فرنسا إلى ساحة المواجهة.

إن الفراغ الذي خلَّفته الولايات المتحدة في الآليات السياسية للبحر الأبيض المتوسط ملئته الصين وروسيا على نحو متزايد. والقوتان قادرتان على المناورة بصورة جيدة في المنطقة، حيث تستفيدان من الفوضى المُمنهجة المتزايدة والتوترات المتنامية بين الدول. ولذلك، يجب على أمريكا أن تعمل على منع كل هذا.

دولي

منذ أسبوعين
مترجم: بعد اكتشاف حقل الغاز.. كيف قد تتغير قواعد اللعبة بين تركيا وروسيا؟

وفي نهاية مقالها، تخلُص الكاتبة، التي عملت مستشارة لمجموعة تيرنا، أول مشغل لشبكة نقل الكهرباء في أوروبا، إلى أن واشنطن يجب أن تبدأ بليبيا وتدفع عملية السلام دبلوماسيًّا وعسكريًّا أيضًا، إذا طلب الليبيون ذلك، من خلال الأمم المتحدة التي يمكن أن تنظم مجموعة أو فريقًا دوليًّا لإرساء دعائم الأمن وتهيئة الظروف لمراجعة المذكرة التي وُقِّعت في شهر نوفمبر (كانون الثاني) عام 2019 بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني. وهذه نقطة انطلاق أساسية، ذلك لأن التحركات الحالية القائمة بين القوى الإقليمية لن تتضاءل وتفتر إلا من خلال استقرار ليبيا فقط.

وفي الوقت نفسه، يجب على الولايات المتحدة الاستفادة من حلفاء منتدى غاز شرق المتوسط للتوصُّل إلى مواقف أكثر مرونة تجاه تركيا والاعتراف بمصالحها المشروعة لتصبح شريكًا في منتدى غاز شرق المتوسط وتتاح لها الفرصة للانخراط في استغلال مشترك للموارد وتقاسم الإيرادات (والاعتراف بوضعها الاقتصادي الهائل). وفي المقابل يجب على تركيا احتواء طموحاتها الإقليمية، مع الأخذ في الاعتبار أن اندلاع صراع مسلح بين هذه القوى المتوسطية سيكون كارثيًّا على الجميع.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد