في حين أن نتائج الانتخابات البرلمانية التي جرت في 12 مايو (أيار) الماضي في العراق ستستغرق شهورًا حتى تتضح معالمها، فقد رصد تقرير نشره موقع «ستراتفور» الأمريكي ثلاث نقاط أساسية واضحة شهدتها جولة الانتخابات الأخيرة بالبلاد.

أولًا: في أول انتخابات منذ الهزيمة العسكرية لتنظيم «الدولة الإسلامية (داعش)»، لم يتعرض أي مركز اقتراع لهجوم كبير ولم يتم الإبلاغ عن أي حادث أمني كبير، مما يمثل إنجازًا كبيرًا لقوات الأمن في البلاد.

ثانيًا: كانت فوارق النتائج بين التحالفات الرئيسة أضيق من أي وقت مضى، وهذا يعني أن بناء تحالفًا طائفيًا سيكون منتظرًا في الأشهر المقبلة.

ثالثًا: والأهم من ذلك، فإن انتصار التحالف الذي يديره الزعيم الشيعي مقتدى الصدر سيدفع الحكومة المقبلة إلى تجاوز السياسات الطائفية، وستجبر وعود الصدر بمحاربة الفساد الحكومة على التحرك في هذه المسألة. كما أن رغبة الصدر في الاستقلال لن ترضي القوى الخارجية التي تحاول التأثير على العراق، بما في ذلك الولايات المتحدة وإيران.

وأضاف التقرير: «منذ الغزو الأمريكي والإصلاح الدراماتيكي للحكومة عام 2003، أجرى العراق أربعة انتخابات برلمانية، تبعت كل منها شهور من المفاوضات لتشكيل الحكومة. من خلال الاجتماعات العامة والخاصة، يقرر السياسيون هوية رئيس مجلس النواب المكون من 329 مقعدًا ورئيسًا للوزراء».

وفقًا للتقليد، ولكن ليس بموجب القانون، يكون رئيس البرلمان سني، والرئيس كردي ورئيس الوزراء – وهو أقوى دور – شيعي. هذه العملية تكون مربكة بسبب الطبيعة الديمقراطية للنظام. وتكون لأصوات الناخبين دور فعلي في تحديد هوية التحالفات الناجحة، وشكل المجموعات التي تؤثر على اختيار المناصب في مجلس الوزراء، بما في ذلك المناصب في الوزارات القوية وهي وزارات النفط والمالية والداخلية.

ومع ذلك فقد ذكر التقرير أن هذه الانتخابات تميزت بأدنى نسبة مشاركة في البلاد على الإطلاق في الاقتراع البرلماني: 44%. في عام 2005 كان الإقبال 79%، وفي عام 2010 كان 62%. وفي عام 2014 كان 60%. وعلى الرغم من أن الناخبين في بعض المحافظات ذات الأغلبية السنية واجهوا مشكلة في الوصول إلى صناديق الاقتراع في هذه الانتخابات، إلا أن الوضع الأمني خلال تلك السنوات السابقة كان أسوأ.

تراجع الثقة

قد يشير الانخفاض – بحسب التقرير – في نسبة الإقبال إلى تراجع الثقة في قدرة الانتخابات على إنتاج حكومات يمكنها الوفاء بالوعود وتحسين حياة العراقيين. وعلى الرغم من قدرتهم على اختيار الممثلين بطريقة ديمقراطية، لا يزال العراقيون يرون أن بلادهم تكافح ضد الفساد، ونقص النمو الاقتصادي، وعدم الاستقرار المستمر.

لافتات انتخابية-العراق

منذ عام 2003، كانت النغمة الاحتجاجية ضد الكسب غير المشروع أعلى جزئيًا؛ لأن البلاد تفتقر إلى اقتصاد فعال بغض النظر عن عائدات النفط؛ مما أثار استياء المواطنين حول كيفية توزيع هذا الدخل. على المدى القريب، سيكون كبح الفساد تحديًا وعقبة كؤودًا، بغض النظر عن هوية الحكومة، وفق ما ذكر التقرير.

كما أن الاقتصاد يعاني أيضًا من الدعم المفرط. يعتبر العراق من بين أكبر الدول دعمًا في العالم، حيث ينفق القطاع العام حوالي 40% من الناتج المحلي الإجمالي. ووفقًا لصندوق النقد الدولي، فإن ما يقرب من نصف الوظائف في البلاد توجد في القطاع العام أو في الشركات المملوكة للدولة؛ مما يشير إلى ركود القطاع الخاص. يبلغ نصيب الفرد من الخدمات الاجتماعية أقل من بعض دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الأخرى. وتواجه الحكومة دورة غير مستدامة من تقديم مزيد من الدعم للسلع في حين لا تقوم برفع الضرائب. لقد أبقى هذا النظام غير المستقر المواطنين عند الحد الأدنى من الطعام والكساء، لكنه أضر بقدرة الاقتصاد على النمو. كما أن قانون الأجور في القطاع العام ينتقص من قدرة الحكومة على الإنفاق على البنية التحتية المعطلة، والمستشفيات والمدارس، ورفع مستوى قطاع النفط والغاز، الذي يوفر 60% من الناتج المحلي الإجمالي.

في هذا المناخ، قرر العديد من الناخبين أن ينتهزوا الفرصة لتبني ما يقدمه الصدر. وفي حين لم يتم الكشف عن النتائج النهائية، فإن قائمة المرشحين التي يدعمها الصدر فازت بأكبر عدد من الأصوات. استغل الصدر هذا الاستياء تجاه الحكومة والاعتقاد بأن الطبقة السياسية التقليدية تقصّر باستمرار في الوفاء بوعودها. وقد أصقلت معارضته العميقة للسماح للولايات المتحدة، أو أية قوة خارجية، بما في ذلك إيران، لتشكيل العراق، أصقلت جاذبيته الشعبية. كما يعرف عنه قيادته لميليشيات كانت قد قاتلت الولايات المتحدة أثناء الغزو الأمريكي للعراق.

ومع ذلك، فقد قلص في هذه الأيام من علاقاته مع الميليشيات وجعل من مكافحة الفساد رايته الرئيسة والقومية والاستقلال العراقي من التدخل الخارجي صرخته الحاشدة. خلال السنوات الأربع الماضية من فترة حكم حيدر العبادي كرئيس للوزراء، أيد الصدر بصوت عال تشكيل حكومة يديرها خبراء فنيون. وضغط مرارًا على العبادي للوفاء بوعوده بكبح الفساد المستشري. وقد استخدم الصدر قدرته على الاستفادة من المطالب الشعبية والغضب لجلب المتظاهرين إلى الشوارع للضغط على الحكومة.

صانع الملوك

خلال الحملة، قام بخطوات مدهشة من خلال التحدث مع الحلفاء غير التقليديين: الشيوعيين، والأكراد، وحتى المسؤولين السعوديين. وبقيامه بذلك فقد وافقت حملته مطالبة العديد من العراقيين بتطبيق سياسة تتجاوز الطائفية والانقسامات العرقية. في الأشهر المقبلة سيحتاج بناء التحالف إلى أن يعكس التعاون بين الطوائف والأعراق، بالإضافة إلى العمل الجماعي اللازم لتشكيل حكومة فاعلة.

مقتدى الصدر-العراق

ورجح التقرير أن ينتهي الأمر بالصدر بلعب دور صانع الملوك. ولكنه سيحتاج إلى حل وسط، والنظر فيما إذا كان يريد أن يكون حلفاؤه جزءًا من الحكومة أو جزءًا من المعارضة. بعد كل شيء، لا توجد قائمة شيعية لديها أغلبية، وفوارق النتائج بين الكتل المتنافسة ليست كبيرة. في عام 2010، لم تحصل اللائحة التي تضم أكبر نسبة تصويت على الفرصة الأولى لتشكيل الحكومة؛ وذلك لأن خصومها قاموا بتشكيل كتلة أكبر بعد الانتخابات مباشرة.

ومع ذلك فسيكون للقوائم الرئيسة التي يقودها الشيعة الأثر الأكبر في الحكومة الجديدة التي تستند ببساطة على التركيبة السكانية في العراق ذات الأغلبية الشيعية، ولكن القوائم الأصغر التي يقودها السنة، مثل الكتلة الوطنية، والأحزاب التقليدية التي يقودها الأكراد، مثل «الحزب الديمقراطي الكردستاني» و«الاتحاد الوطني الكردستاني»، سيكونون حلفاء أساسيين.

وقال التقرير: «إنه ورغم أن الأكراد والسنة يشعرون تاريخيًا بعدم التمثيل الكافي في العراق، إلا أن المقاعد التي يجلبونها إلى الطاولة ستكون أساسية لتشكيل الكتل بسبب فوارق النتائج الصغيرة. وبالطبع، فإن السياسيين في بغداد يدركون أن المجتمعات التي يمثلونها ضرورية لتضمينها في صنع السياسات. خلافًا لذلك يمكن أن يمزق الصراع المدني البلاد الهشة مرة أخرى».

في الماضي عمل الصدر بشكل عملي مع العبادي، الذي يتعاون بشكل علني مع الولايات المتحدة، ومن المتوقع أن يفعل ذلك مرة أخرى. وعلى الرغم من مقاومة الصدر لتوحيد قواه مع واشنطن، فإنه يمكن أن يدعم العبادي لمنصب رئيس الوزراء ولا يعطل العلاقة بين الولايات المتحدة والعراق. وإذا فضل الاعتماد على القوات العراقية، فمن المتوقع أن يضغط الصدر على العبادي لمقاومة وجود دعم إضافي أمريكي لمكافحة الإرهاب. وفي النهاية فإن قائمة النصر التي قادها العبادي، مع ميله إلى العمل مع الجميع، وسجله الحافل المنتشي بهزيمة تنظيم «داعش»، يجعله أحد أهم حلفاء بناء الائتلاف القادم.

ومع ذلك، يمكن للصدر أن يتحالف مع الفصائل المؤيدة لإيران، مثل تلك التي يقودها هادي العامري، أو نوري المالكي؛ مما يمنح إيران كتلة كبيرة للعمل في البرلمان. في هذا التجمع فإن شعبية العامري والصدر ستعوض الكراهية تجاه المالكي بين السنّة والأكراد، في بيان صدر بعد الانتخابات أوضح الصدر تفضيلاته بوضوح، مشيرًا إلى أنه سيعمل مع الجميع فقط باستثناء الفصائل المتحالفة مع إيران بقيادة العامري والمالكي. هذا الخيار غير مفاجئ بناءً على التنافس بين الصدر والسياسيين المرتبطين ارتباطًا وثيقًا بإيران.

وفي حين أن الصدر متردد في قبول الدعم الخارجي من قبل أي شخص – الرغبة في الاستقلال التي تروق للعراقيين – فإنه لا يستطيع تخليص البلاد من جميع العلاقات الخارجية. تقدم دول الخليج أموال الاستثمار للبنية التحتية. توفر إيران الأموال لقوات الأمن والأحزاب السياسية. وتقدم تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي المساعدة. وتمنح نقاط الضعف في الاقتصاد العراقي فرصًا هائلة أمام الغرباء من أجل دعم التنمية العراقية، لكن مثل هذه المساعدة غالبًا ما تأتي بقيود سياسية. بغض النظر عن مدى التزام الحكومة القادمة بخطة الإصلاح الاقتصادي أو السعي لتحقيق الاستقلال، فإن هناك حاجة إلى بعض المساعدات من الدول والمؤسسات الخارجية.

في نهاية المطاف، سيظل النفوذ الإيراني عميقًا في الحكومة العراقية المقبلة بسبب التراكم القوي للعلاقات الاقتصادية والأمنية والسياسية. في هذه الانتخابات قاد العامري إحدى القوائم التي جمعت أكبر عدد من الأصوات، وكانت تتألف من ميليشيات شيعية مدعومة من إيران. هذه المجموعات تغير الآن المشهد السياسي للعراق، لكن إذا أقنع الصدر العبادي، وأحزابًا أصغر بالعمل معه ضد أقرب حلفاء إيران في الحكومة، فإن إيران، مثل الولايات المتحدة، يمكن أن ترى نفوذها محدودًا في الحكومة المقبلة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد