تَعُجُّ الحياة السياسية اللبنانية بالقضايا الشائكة، ويستغرق لبنان وقتًا طويلًا في التوصل إلى تسوياتٍ سياسيةٍ لحل القضايا العالقة. لكن اللبنانيين أصبح لديهم أخيرًا مجلس وزراءٍ جديدٍ يُمكِن التكهُّن بحقائبه الوزارية، بعد جمودٍ دام تسعة أشهرٍ بحسب التقرير الذي نشره موقع «لوب لوج» الأمريكي.

وأشار غسان روبيز، كاتب التقرير، والسكرتير السابق لمجلس كنائس الشرق الأوسط في جينيف، إلى أن تداول السلطة هو عمليةٌ نادرة الحدوث في الشرق الأوسط. إذ إن رئيس الوزراء سعد الحريري (الزعيم السني المُوالي للسعودية) وجبران باسيل (وزير الخارجية المُوالي لحزب الله) كانوا جزءًا من الحكومة السابقة.

من اليمين: سعد الحريري، ميشيل عون، نبيه بري

ووصف روبيز المحسوبية بأنها أزمةٌ مُستوطِنةٌ في لبنان، إذ حلَّ سعد الحريري محل والده رفيق الحريري زعيمًا للطائفة السنية في أعقاب اغتيال الأخير عام 2005. أما باسيل فهو صهر الرئيس ميشال عون، في حين يشغل صهر الرئيس الثاني منصب قائد القوات المسلحة. وشبَّه روبيز الحكومة الجديدة بالنبيذ العتيق الذي يُقدَّم في كؤوسٍ جديدة.

لكن هناك استثناءً واحدًا لتلك القاعدة، بحسب روبيز. إذ ستشغل أربع سيداتٍ -تمتلكن خلفياتٍ سياسيةٍ مثيرةٍ للإعجاب- حقائب وزاريةً مهمةً داخل الحكومة الجديدة.

ونفى روبيز صحة مزاعم النُقَّاد بأن حزب الله سيُهيمن على الحكومة. إذ يمتلك حزب الله ثلاثة وزراءٍ فقط من أصل 30 وزيرًا، وثمانيةٌ منهم فقط أعربوا عن تعاطفهم مع ما وصفوه بـ«المقاومة». وفي الواقع، يعتبر الكثير من اللبنانيين أن هذه الحركة هي مُجرد «ميليشات شيعية» وليست «مقاومة». لكن الولايات المتحدة وإسرائيل يعتبرون حزب الله «جماعةً إرهابيةً» يجب معاقبتها والقضاء عليها بأي ثمن.

وبغض النظر عما يُؤمن به حزب الله، فقد فازت كتلته الانتخابية بـ70% من المقاعد البرلمانية في الانتخابات الوطنية التي جرت العام الماضي بحسب التقرير. وتُمثِّل هذه الكتلة المسلمين بمختلف أطيافهم، فضلًا عن قطاعٍ لا بأس به من الطائفة المسيحية.

وسط تكهّنات بمرضه.. 4 رجال محتملين لخلافة حسن نصر الله

ويصف رئيس الوزراء الحريري والرئيس عون هذه الحكومة بفخرٍ على أنها حكومة «وحدةٍ وطنية». وحكومة «الوحدة» في هذه الحالة تفترض توازنًا بين سلطات الأحزاب، والتمثيل الطائفي المتناسب، والسياسة الخارجية مُتعدِّدة الجوانب. ويرى روبيز أن رئيس الوزراء الحريري يخدم مصالح المملكة العربية السعودية والقوى الغربية، في حين يفعل رئيس مجلس النواب نبيه بري الأمر نفسه بالنسبة لإيران وسوريا.

ويأتي خفض الإنفاق العام وتوفير الخدمات العامة الأساسية على رأس أجندة الأعمال المحلية للحكومة الجديدة، بحسب روبيز. إذ حذَّر المانحون الدوليون وسلطات التصنيف الائتماني العالمي الحريري من أن الدين الوطني وصل إلى مستوياتٍ خطيرة: 84 مليار دولار أو 150% من إجمالي الناتج المحلي. كما أن محاربة الفساد تُعَدُّ من أولويات الحكومة الجديدة، لكنها ستستغرق وقتًا طويلًا.

وأورد روبيز أن رئيس الوزراء وعد بتدشين إصلاحٍ سياسيٍ جذريٍ وحثَّ على «التضامن» لتجنُّب تأثير «التوتُّرات الإقليمية». ويُقصَدُ بالـ«التوتُّرات الإقليمية» في هذا السياق، بحسب روبيز، الإشارة إلى الصراع المُحتدم بين السعودية (وحلفائها) وإيران حول صعود حزب الله سياسيًا في بيروت ودوره العسكري في سوريا.

وأفاد روبيز أن اللبنانيين فكَّروا طويلًا في كيفية التعايش مع حزب الله بوصفه «دولةً داخل الدولة»، ولكنهم قرَّروا في النهاية التكيُّف مع الوضع الراهن المرير جزئيًا بعد أن فشلوا في إيجاد حلٍ للتهديدات العارمة التي تُواجهها بلادهم -اللاجئون، واحتمالية اندلاع الحرب الأهلية من جديد، وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وغارات إسرائيل المتكرِّرة.

وأيَّدت حكومة الحريري السابقة حزب الله رسميًا خلال بيان سياساتها عام 2016: «للشعب اللبناني الحق في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وردِّ اعتداءاته واسترجاع الأراضي (اللبنانية) المُحتلة». ويعتقد روبيز أن الحريري سيُظهر نفس الدرجة من التسامح مع حزب الله خلال بيان سياساته المقبل، الذي يُنتظر أن يُقرِّه مجلس النواب الجديد قريبًا.

وذكر سين مكفات، في كتابه الجديد «The New Rules of War» المثير للجدل، أن 70 دولةً تعلَّمت التعايش مع الميليشيات على مختلف أنواعها في عصرٍ جديدٍ من «الفوضى الدائمة»، بحسب ما أورده روبيز في تقرير الموقع الأمريكي. وأشار مكفات إلى أن الشرق الأوسط يُعَدُّ أرضًا خصبةً لظهور الكثير من هذه الكيانات غير الحكومية.

ونتيجةً لهذه الاضطرابات المتزايدة، قد تتكيَّف دول المنطقة ضمنيًا مع حزب الله من وجهة نظر روبيز. لذا أصبحت السعودية أكثر قلقًا الآن بشأن حرب اليمن المُطوَّلة على حدودها، مقارنةً بقلقها على «الحرب الأهلية» في سوريا أو السياسات الداخلية للبنان.

ويرى روبيز أن خطوة إعادة فتح سفارة الإمارات العربية المتحدة في دمشق تُشكِّل واحدةً من العلامات الكثيرة على الاتِّجاه الإقليمي للتكيُّف مع الوضع الجديد في سوريا ولبنان، فضلًا عن مساحة الحرية الكبيرة التي منحتها الرياض للحريري في التفاوض مع حزب الله من أجل تشكيل حكومته.

«حزب الله» لا يرحب بها! العقبات التي تواجه تغلغل روسيا في لبنان

ويرى روبيز أن الطريق نحو تسوية الأوضاع يَعُجُّ بالألغام في لبنان، إذ تتزايد المعارضة لحزب الله وحليفه الإيراني داخل إسرائيل والكونجرس الأمريكي وإدارة ترامب. وراقبت وزارة الخارجية الأمريكية تشكيل الحكومة اللبنانية عن كثب، نتيجة قلقها العميق حول دور حزب الله.

وبعثت واشنطن برسالةٍ مختلطةٍ إلى الرئيس عون بمجرد إعلان الحكومة الجديدة: تتضمن عبارات التهنئة مصحوبةً بكلمات «الأسف» على مشاركة حزب الله في الحكومة. وحذَّرت واشنطن حزب الله من «تحويل الموارد» الخاصة بالوزارات الثلاثة التي «يُسيطر» عليها إلى كتلته الانتخابية، وخاصةً وزارة الصحة. ولكن هذا النوع من التنمُّر أثبت فشله في عوالم السياسة الخارجية الأمريكية الأخرى تحت إدارة ترامب، بحسب روبيز.

ولكن روبيز يرى أيضًا أن اللبنانيين سيكونون أفضل حالًا مع هذه الحكومة الجديدة، رغم التعقيدات المنتظرة. ولن تقلب الحكومة الجديدة البلاد رأسًا على عقب، بحسب الكاتب، إذ يجب أن ينصب تركيزها على الاقتصاد، وخاصةً قضايا الدين الوطني وتوفير الطاقة الكهربائية بكفاءة.

لبنان عانى من أزمة التخلص من المخلفات لسنوات

ومن المتوقع أن تنجح لبنان المستقرة في جذب السياح وخلق المزيد من فرص العمل. وستبعث لبنان برسالةٍ شديدة اللهجة إلى المنطقة حول تمكين المرأة، في حال نجحت النساء الأربع بحقائبهن الوزارية.

ويعتقد روبيز أن حزب الله يتمتَّع بالذكاء الكافي للحفاظ على توازن السلطة الطفيف بين الطوائف الدينية الرئيسية في البلاد، وهو التوازن الذين لن تنجو لبنان بدونه. وفي عالمٍ تسوده «الفوضى الدائمة»، أصبح التعايش بين الدول والدول البديلة هو القاعدة وليس الاستثناء. وأضحت سيادة الدولة الخالصة امتيازًا متضائلًا داخل الشرق الأوسط في الحقبة التي تعقب الربيع العربي للأسف. ومن هذا المنطلق، نصح روبيز الحريري بالتركيز على الاقتصاد ضمن أولويات حكومته الجديدة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد