أثار ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الجدل حوله منذ وصوله إلى السلطة. عومِل في بداية عهده على أنه مجددًا يؤسس لسعودية جديدة أكثر تحررًا، لكن تأثرت تلك الصورة بعد جريمة قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، والتي تتهم بعض أجهزة الاستخبارات ابن سلمان بتدبيرها.

إلا أنَّ الكاتبة السعودية مضاوي الرشيد، أستاذة الأنثروبولوجيا الاجتماعية، ترى في مقالٍ لها نشرته مجلة «فورين أفيرز» أنَّ الخطر الحقيقي الذي يحيط بابن سلمان ونظامه يتمثل في اللاجئين السعوديين والمُنشقين عن نظامه ممن يعيشون بالخارج.

لجين الهذلول ليست الوحيدة.. هؤلاء أيضًا يُحاكمن معها وتعرضن للتعذيب والقمع!

الهروب من المملكة

قد لا يبدو للوهلة الأولى أنَّ هناك كثيرًا من القواسم المُشتركة بين الطلاب الجامعيين السعوديين والأمراء الساخطين والإسلاميين والفتيات المُراهقات، لكن حسبما توضِح مضاوي، فكثيرٌ من أعضاء هذه الفئات يطلبون اللجوء بدولٍ مثل الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأوروبا.

قد تكون أعدادهم قليلة مُقارنةً باللاجئين ممن فروا من أفغانستان والعراق وسوريا في خلال العقدين المُنصرمين، إلا إنَّ طالبي اللجوء هؤلاء يتسببون بأزمةٍ سياسية للمملكة، وهي أزمة لم يُعد بإمكان ولي العهد الشاب محمد بن سلمان تجاهلها، في ظل الصورة التي يحاول ترويجها عن كونه يسعى لتحديث المملكة.

فوفقًا لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، قدم 815 مواطنًا سعوديًا طلبًا للجوء عام 2017، بزيادة نسبتها 318% عن عام 2012، وذلك بخلاف طالبي اللجوء غير الرسميين ممن يعيشون بالخارج، في حالةٍ أشبه بالنفي الذاتي، ويؤجلون عودتهم إلى الوطن خوفًا من القهر والاضطهاد. وكان جمال خاشقجي الصحافي المقتول واحدًا منهم.

حسبما ترى مضاوي، تُشكِل الجاليات السعودية بالخارج، الجريئة في انتقاداتها، مُشكلاتٍ عدة للمملكة. فأولًا، تُنفِق السعودية ملايين الدولارات على المنح الدراسية، كي تُقلل من اعتمادها على العمالة الأجنبية، وبالتالي لا يسعها أن تخسر مواطنيها من الشباب ذوي المؤهلات التعليمية العالية ليعيشوا بالخارج.

وأضافت مضاوي أنَّ المشكلة الأكبر المتعلقة بالجاليات السعودية بالخارج هي الانطباع الذي تُولِده عن المملكة؛ فخلف كل طالب للجوء قصة عن الظلم والقمع، تُناقِض الرواية الرسمية عن السعودية العصرية الجديدة، المليئة بالفرص الاقتصادية. ولهذا السبب وغيره يوتر طالبو اللجوء العلاقات بين المملكة والحكومات المُضيفة، التي هي جميعًا حُلفاء وشُركاء للنظام الحاكم في الرياض.

بداياتٍ مُفاجِأة ونهاياتٍ متوقعة

أعلن ولي العهد محمد بن سلمان عن تخصيصه اهتمامٍ ومواردَ خاصة للشباب السعودي، وروج لمبادرات ومشاريع حرة فنية تهدُف إلى اقتصادٍ أكثر انفتاحًا، ومكافأة الشباب على قدراتِهم الإبداعية ومواهبهم، حتى أنَّه أطلق مُبادرة وهي مؤسسة «مسك»، المُخصصة لتمكين الشباب للإسهام في الاقتصاد السعودي. لكن بحسب مضاوي، فإنَّ أغلب طالبي اللجوء ينتمون لفئة الشباب ذاتها التي يحاول ابن سلمان خطب ودها.

وهؤلاء الهاربون الجُدد ينضمون إلى طلابٍ كثيرين ممن حصلوا على منح دراسية حكومية للدراسة في أوروبا والولايات المُتحِدة الأمريكية في عهد الملك عبد الله، الذي امتد حكمه من عام 2005 إلى عام 2015، وفشلوا في العودة لتأسيس «المملكة العربية السعودية الجديدة» في ما بعد.

فبمجرد أن عزَّز محمد بن سلمان من سلطته وأصبح الوجه الجديد للمملكة عام 2017، مال هؤلاء الطلاب إلى التشكيك في الوعود التي قطعها ولي العهد بخصوص الإبداع وإتاحة الفرص والازدهار. وخافوا من الاضطهاد الذي قد يتعرضون له في حال عودتهم إلى المملكة العربية السعودية، وبخاصةً في حال كانوا قد استفادوا الحريات التي تمتعوا بها في الخارج لانتقاد النظام الحاكم والكشف عن أوجه القصور فيه.

وترى مضاوي أنَّ مخاوف هؤلاء الشباب كان لها أساسٌ راسخ، لأنَّ النظام الحاكم السعودي من السهل استفزازه، فتغريدة أو رسالة على الواتساب أو مُشاركة في حدثٍ سياسي أو أكاديمي مُعادي للنظام هو كل ما يتطلبه الأمر لينتهي بك المطاف في قائمة المُشتبه بهم في سعودية محمد بن سلمان.

ويُحكِم النظام سيطرته التامة على مواطنيه بالخارج، ويُراقِب جميع تحرُكاتِهم من خلال تقنيات مراقبة متطورة. هذه الرقابة المُتفشية كُشِف عنها بعد مقتل خاشقجي، عندما صار الجميع على علم بأنَّ النظام اخترق هاتف ناشط شاب يعيش في كندا يُدعى عمر الزهراني، وسجلوا اتصالاته مع الصحافي القتيل.

لا أحد ينجو من اضطهاد ابن سلمان.. أمراء العائلة المالكة مثالًا

بحسب التقرير، يُقوِض طالبو اللجوء من الشباب المتعلمين الحملات الدعائية السعودية عن الفرص الجديدة المتاحة بالمملكة، ويتحدى الأمراء المنفيون التصورات الخاطئة المُتعلقة بالتضامن والترابُط في العائلة المالكة. وهذا التصور الأخير بالذات تبدد منذ عمليات «التطهير» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2017، عندما احتجز محمد بن سلمان كبار الأمراء، ومن بينهم الوليد بن طلال ومتعب بن عبد الله، في فندق الريتز كارلتون في الرياض.

وهروب حفنة من الأمراء ممن اتخذوا أوروبا مقرًا لهم يؤكِد حقيقة أنَّ النظام في عهد الأمير الجديد غيَّر من استراتيجيته في استمالة الأمراء ممن يثيرون المشاكل إلى تهديدهم من خلال الاحتجاز المهين.

وتشير مضاوي في هذا الصدد إلى الأمير خالد بن فرحان آل سعود، الذي أضعف من نفوذ النظام الحاكم عن بعد. فقد أعلن عن انشقاقه من منفاه بألمانيا عام 2013، وبدأ حملةً إعلامية للنيل من محمد بن سلمان.

وفي مقابلاتٍ له في قناة هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، وفي وكالات أنباء أخرى يعتبرها النظام مُعاديةً له، اتهم الأمير خالد العائلة المالكة بالنفاق لاستمتاعها بملذاتٍ مُحرمة تحظرها على المواطنين العاديين، مثل الاحتفال وتناول المشروبات الكحولية، ووصف الملك سلمان «بالحاكم الميكيافيلي». وأعلن الأمير خالد بعد مقتل خاشقجي أنَّه هرب من محاولة اختطافٍ في ألمانيا، زعم أنَّها بأمرٍ من ولي العهد.

الفتيات الهاربات

بحسب مضاوي، أحدث فئات المنفيين السعوديين هي فئة «الفتيات الهاربات». فأكثر من ألف فتاة، ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عامًا، تركن المملكة العربية السعودية في ظل حكم محمد بن سلمان، هربًا من الرقابة المُشددة التي يفرضها عليهم ذووهم، التي قد تصل في بعض الحالات إلى الاعتداء الجسدي والجنسي.
تستعرض مضاوي حال هذه الفتيات، فتشرح أنَّ الرحلات القاسية التي خاضوها قد تجلب عليهم مزيدًا من القيود والعقوبات في حال أُجبِروا على العودة إلى المملكة العربية السعودية مُجددًا.

وتضرب مثالًا بقضية بارزة جذبت الاهتمام الدولي لقضية الفتيات الهاربات. ففي 5 يناير عام 2019، احتُجِزت فتاة في الثامنة عشرة من عمرها تُدعى رهف القنون في مطار بانكوك، وهي في طريقها إلى أستراليا لطلب اللجوء.

قضت رهف أيامًا عدة في غرفتها بفندق المطار، قبل أن تمنحها كندا حق اللجوء. ولولا دعم كثيرٍ من الناشطين السعوديين وغير السعوديين، كان من الممكن أن تُلاقي رهف المصير ذاته الذي لاقته فتياتٌ هاربات أُخريات أقل حظًا منها، وهو الترحيل القسري إلى المملكة.

لكنَّ النظام أقر أخيرًا بتلك المُشكِلة، لحد سماحه ببث النقاشات حول هذه المسألة في وسائل الإعلام الحكومية، بعد هروب رهف من البلد.

وترى مضاوي أنَّ المناقشات العلنية لهذه المُشكِلة قد تعني ضمنيًا أنَّ الحكومة بدأت في أخذها على محمل الجد، وقد تكون أيضًا وسيلة للحكومة لإنهاء الأزمة وإلقاء اللوم على أهل الفتيات أو أوصيائهم.

جبهة مُتحِدة

يختلف السعوديون ممن يعيشون في المنفى بشدة في اتجاهاتهم السياسية، وتُوحِدهم مظالمهم تجاه المملكة العربية السعودية في ظل حكم محمد بن سلمان. أبرز هذه المظالِم بحسبِ مضاوي هي تقييد حرية التعبير والفساد وتهميش الأقليات والنساء وانتهاكات حقوق الإنسان.

وهذه المسألة الأخيرة هيمنت على مؤتمر المُعارضة الذي استضافه منتدى «ديوان لندن» الجديد في ديسمبر (كانون الأول) عام 2018. كان من بين الحضور الناشطة هالة الدوسري المقيمة في واشنطن، والتي أصبحت الآن عضوةً بمنصة «زمالة جمال خاشقجي» في صحيفة «واشنطن بوست»، بالإضافة للناشطتين النسويتين أماني الأحمدي وأماني العيسى، والإسلاميون ممن نُفوا حديثًا، سلطان العبدلي ومحمد العمري وأحمد بن راشد السعيد ومحمد القحطاني، والناشِط الشيعي فؤاد إبراهيم.

وانضم إليهم منفيون آخرون ممن غادروا المملكة في فترة التسعينات، مثل أستاذ الفيزياء محمد المصاري. عرضوا جميعًا رؤاهم لسعودية مختلفة، ودعا بعضهم إلى اتخاذ خطواتٍ عملية لوقف أعمال القمع والاحتجازات، بينما دعا آخرون إلى إسقاط النظام.

لكن تشير مضاوي أنَّه إلى وقتنا هذا، لم تتعامل المملكة العربية السعودية ولا الحكومات المُضيفة مع طالبي اللجوء بجدية بصفتهم قوة سياسية. لكن بتزايد أعدادهم وتوحُّد جبهتهم، ترى مضاوي أنَّهم سيتسببون بمزيدٍ من الحرج للنظام الحاكم وحلفائه.

إذ يظهر الكثير من هؤلاء المنفيين بانتظام في وسائل الإعلام العالمية، حيث يُحللون الشئون السعودية بأساليب من شأنها قلب الرأي العام على النظام. على سبيل المثال، الناشطة السعودية المُحتجزة لجين الهذلول، لديها أخٌ يُدعى وليد يعيش في الولايات المتحدة الأمريكية، وأختٌ تعيش في بلجيكا، أطلق كلاهما حملة لإطلاق سراحها، وأخذا على عاتِقهما مهمة تزويد وسائل الإعلام بمعلوماتٍ دورية عن الإيذاء والتعذيب اللذين تتعرض لهما لجين.

ووفقًا لمضاوي، فإنَّ التقارير القوية التي تُقدمها منظمات حقوق الإنسان والوكالات التابعة للأمم المتحدة والصحافة العالمية تجعل من الصعب على الدول المُضيفة حرمان هؤلاء السعوديون من حق اللجوء.

وبحسب التقرير، اعتمدت المملكة العربية السعودية في الماضي على حلفائها للاضطلاع بمهمة ترحيل أبنائها المُبعدين، واعتبرت منحهم حق اللجوء خيانةً لها. ومثالًا على ذلك كندا، التي تضررت علاقاتها الدبلوماسية مع المملكة العربية السعودية كثيرًا، نظرًا لانتقادها انتهاكات النظام لحقوق الإنسان، واستضافتها لمنفيين يصرحون بانتقاداتهم مثل إنصاف حيدر، زوجة رائف حيدر، الذي حُكِم عليه بألف جلدة وبالسجن لسنواتٍ كثيرة، لتأسيسه منتدى ليبرالي على شبكة الإنترنت.

ويعيش الزهراني في كندا أيضًا مع ما يُقارِب من مئتي شاب من طالبي اللجوء. وما يخشاه النظام هو أن يُشجِع هؤلاء المنفيون ممن حصلوا على حق اللجوء آخرين على الهروب من المملكة. وأقصى مخاوفه هو إنشاء كتلة حرجة من المنشقين بالخارج، وبخاصةً المشاهير منهم ممن يُجيدون الحديث والتعبير عن أنفسهم.

وفي رأي مضاوي، فإنَّ مقتل جمال خاشقجي خيرُ دليلٍ على سياسة عدم التسامح المُطلق إزاء أصواتٍ معارضة كهذه بالخارج؛ فهم لا يُعاملون كمصدر للإزعاج بل كتهديدٍ للأمن الوطني. وكلما وصل عددٌ أكبر من اللاجئين إلى أراضي أفضل حلفاء ومؤيدي ولي العهد، كلما زادت الرياض من ضغوطها على الحكومات المضيفة للتقليل من أعدادهم وحرمانهم من حق اللجوء.

لكن حتى بعد الاستياء العالمي الذي عقب مقتل جمال خاشقجي، لا زال القمع بالمملكة العربية السعودية عنيفًا، ولا زال محمد بن سلمان يصنع أعداءً له، ممن لن يتمكن من استمالتهم أو إرهابهم أو القضاء عليهم جميعًا. وستواصل الجالية النمو، لكنَّ مضاوي ترى أنَّ ابن سلمان قد يحاول وضع حدٍ لظاهرة النزوح، بمنعه للناشطين والمُنشقين من السفر، ليُبقي أصدقاءه قريبين وأعداءه أقرب.

لجين الهذلول تبعث برسالة مثيرة من داخل السجن

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد