إيمان الحسين، زميلة معهد دول الخليج العربي في واشنطن، كتبت مقالًا نشره موقع سترافور، ترصد فيه أحدث التغييرات التي طرأت على المناهج الدراسية في مختلف المراحل التعليمية السعودية. فمن أقصى اليمين إلى أقصى اليسار؛ تنهال الاتهامات على المملكة العربية السعودية بعد أن غيرت من سياساتها في الآونة الأخيرة، خاصة منذ تولي الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، وفي حين يرى البعض أن هذه التغييرات تمثل ردة عما استقرت عليه تقاليد المملكة منذ تأسيسها، يراها آخرون تطورات إيجابية تعزز الانفتاح الذي لم تشهده البلاد من قبل.

استهلت إيمان مقالها بالقول: «أدخلت السعودية مؤخرًا تغييرات على المناهج الدراسية في المملكة، مما يؤثر على الطلاب على جميع الأصعدة تقريبًا. إذ تؤكد الكتب المدرسية الجديدة على الامتثال للقيادة من خلال الإعراب عن الفخر بالانتماء للدولة والالتزام باللوائح والقوانين. 

وتلفت المناهج المُحَدَّثة إلى أن تاريخ السعودية يمتد إلى شبه جزيرة العرب قبل الإسلام، على عكس الموقف الديني الذي غالبًا ما يشير بالسلب إلى حضارات ما قبل الإسلام. كما تهدف المناهج المدرسية الجديدة إلى وضع حدٍ للوحدة العربية والوحدة الإسلامية التي كانت تشكل قلقًا دائمًا للقيادة. 

ويُعَد التأكيد على الهوية القومية والولاء للدولة، مع وصف السعودية بأنها مهد الخلافات (جمع خلافة)، وسيلة لإعادة توجيه الولاء إلى الدولة. وكان كتابا «التاريخ» و«الدراسات الاجتماعية والمواطنة» هما الأكثر تأثرًا بالتغييرات الأخيرة؛ نظرًا لاحتوائهما على بعض الموضوعات المستجَدّة التي تؤكد عليها القيادة السعودية الجديدة».

كيف تصبح «مواطنًا صالحًا» على الطريقة السعودية؟

توضح الكاتبة أن أحد الموضوعات الرئيسية التي يؤكد عليها المنهج الجديد، هو سمات المواطن السعودي الصالح، ومسؤوليته / مسؤوليتها نحو الدولة. وتُوصف المواطنة في كتاب «الدراسات الاجتماعية والمواطنة» بأنها «الانتماء للدولة والتمسك بقيمها ومبادئها، والتمتع بالحقوق والواجبات والولاء للقيادة والدولة لتعزيز الأمن والازدهار».

Embed from Getty Images

تُعرَض مسؤوليات المواطن الصالح على النشء في وقت مبكر منذ الصف الرابع «الابتدائي»، ويُطلب من الطلاب التفرقة بين المصادر الأولية والثانوية؛ لمنع تداول الأخبار الزائفة أو غير الدقيقة. وللقيام بذلك، ينبغي أن يتحلى الطلاب بالأمانة التي هي ضد «الخيانة»؛ فالمواطن الصالح هو «شخص ذو سلوك جيد، يتبع التعاليم الإسلامية المعتدلة، ويتمتع بشعور قوي بالانتماء، ويعمل بِجِدّ، ويؤدي دورًا فعَّالًا في تعزيز أهداف البلد وازدهاره».

وتابعت إيمان قائلة: «اتباع التعاليم الإسلامية لا يعتبر فقط جزءًا من كينونة المواطن السعودي الصالح، بل تستخدم هذه الصفة أيضًا للتأكيد على أهمية السعودية في المنطقة والعالم الإسلامي الأوسع نطاقًا، وهو ما قد يوضح سبب عدم تأثر الكتب المدرسية الدينية بالتغييرات التي طرأت على المنهج المدرسي. إذ تظل الهوية الدينية كما هي، وكذا صورة السعودية بوصفها «مهد الإسلام» و«مركز العالم»، حسبما ورد في الصفحات الأولى من الكتب المدرسية الجديدة. 

والدين لا يعتبر فقط جزءًا من الهوية السعودية، بل يُستَخدَم أيضًا في استحضار مقارنات مع الدروس المستفادة من الماضي. على سبيل المثال، يقارن فصل عن الخوارج «تلك المجموعة التي تمردت على الإمام علي» سلوكيات تلك الحركة مع ما وصفه المنهج بـ «خوارج العصر» الذين يدعمون الاضطرابات والفوضى بعدم طاعة الحاكم».

إرث الملوك.. دور العائلة الملكية قبل الإسلام!

أشارت الكاتبة إلى أن تاريخ السعودية والعائلة الملكية يتشابكان ليقدما للطلاب فكرة معقَّدة ولكنها مقنعة عن بلدهم. وتؤكد الكتب المدرسية الجديدة على التواصل مع الماضي، بتمجيدها للحضارات الإسلامية والحضارات التي سبقت الإسلام التي اتخذت شبه الجزيرة العربية مقرًا لها، على عكس الكتب المدرسية السابقة التي لم تُضيف أي صفة إيجابية على عصر ما قبل الإسلام. 

على سبيل المثال، ترتبط حضارة الأنباط قبل الإسلام في شمال غرب السعودية بمدينة العلا، أحد أهم المعالم السياحية في السعودية، التي تُعَد جزءًا لا يتجزأ من خطة رؤية البلاد في 2030. ويُعَد الاحتفال بتلك المعالم في الكتب المدرسية غير مسبوق، كما يُظهِر اهتمام الدولة بدمج تاريخ ما قبل الإسلام في التراث الوطني السعودي. 

علاوة على ذلك، ومن أجل إبراز هذا الارتباط المستمر بالماضي، تصور المناهج الجديدة تاريخ السعودية ودور العائلة الملكية على أنهما يرجعان إلى 200 عام قبل مجيء الإسلام. وقد تجلَّى ذلك بشكل كبير في رسم توضيحي بكتاب «الدراسات الاجتماعية والمواطنة» يشير إلى أن الدولتين الأموية والعباسية نشأتا في السعودية. وفضلًا عن ذلك، تستعرض الكتب تاريخ هذه الدول السعودية الثلاث باستفاضة، خاصة فيما يتعلق بالمعارك والمواجهات مع العثمانيين، الذين تعرضوا لانتقاد صريح في المناهج الجديدة.

وأضافت الباحثة: «يصف كتاب «التاريخ» إرث الملوك السابقين، وينسب للملك سلمان فضل منح النساء مزيدًا من الحقوق وحصولهن على المواطنة الكاملة. ويُعَد الوصف الجديد لتاريخ السعودية طريقة مهمة لإعادة تقييم الهوية السعودية. كما أن الغاية من صورة الملك سلمان وهو يرقص العرضة «النجدية» التقليدية هي التأكيد على محورية الهوية النجدية.

بل إن عبارة «نخوة العوجا» (ذلك التعبير النجدي الذي يحتفل بمدينة الدرعية، مسقط رأس عائلة آل سعود) توصف بأنها شعار قومي، بما يعيد تعريف الهوية السعودية بين العادات والتقاليد النجدية. ولم يكن ذلك مستغربًا، نظرًا للتأكيد المتزايد على الهوية النجدية في السرد القومي الناشئ في البلاد خلال السنوات الأخيرة».

مسؤوليات السعودية الإقليمية.. من محاربة الإرهاب إلى دعم فلسطين

لفتت الكاتبة إلى أن منهج المرحلة الثانوية يشرح أيضًا وبالتفصيل ملامح الحرب ضد الإرهاب، ومسؤوليات البلاد الإقليمية. تجلى ذلك في التحليل المستفيض لجهود المملكة في تأسيس التحالف العسكري الإسلامي لمحاربة الإرهاب، والمركز العالمي لمكافحة الفكر المتطرف «اعتدال».

كما تؤكد الكتب المدرسية على موقف السعودية من القضية الفلسطينية، وتصف الملك عبد العزيز وأبناءه بأنهم من أشد المؤيدين للقضية الفلسطينية. وتستشهد الكتب بجهود الملك سلمان المتعلقة بـ«قمة القدس» التي عقدتها الجامعة العربية في مدينة الظهران عام 2018، وأكدت على «محورية القضية الفلسطينية للعالم العربي». 

وتشدد الكتب المدرسية الجديدة أيضًا على معونات السعودية المالية السخية لمؤسسات مثل دائرة الأوقاف الاسلامية في القدس ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين. ويؤكد المنهج الجديد على أن «الأعداء الصهاينة والعرب» يستهدفون جهود السعودية عادة، ويشدد في المقابل على أن المملكة وقفت على الدوام بجانب الشعب الفلسطيني.

التناقضات مستمرة.. الشباب السعودي بين الثوابت الدينية والانفتاح العصريّ

واختتمت الباحثة مقالها بالقول: «جاءت التغييرات في المناهج الدراسية في وقتها المناسب، نظرًا لخضوع نظام التعليم إلى تدقيق متزايد داخل البلاد وخارجها. فعلى الصعيد المحلي، عادة ما يشير نقاد المناهج المدرسية إلى المحتوى الديني المتقادم الذي يتعارض مع نمط الحياة السعودي الجديد، ومشروع تحول البلاد بموجب رؤية 2030. 

علاوة على ذلك، قدّم قلق الحكومة المتزايد من تأثير الإخوان المسلمين على نظام التعليم حافزًا للدولة لإدخال تعديلات وتحديث الكتب المدرسية وفق رؤيتها الجديدة للبلاد. ونتيجة لذلك، تسلط الكتب المدرسية الجديدة الضوء على موقف السعودية السياسي الحالي، بالتأكيد على دورها المهيمن وانتقاد خصومها بشكل صريح، وهو – ما اعتبرته الباحثة – محاولة من الدولة لمواجهة الحركات العابرة للحدود الوطنية – السياسية منها والدينية. 

ومع ذلك، فإن استثناء الكتب المدرسية الدينية من التغييرات الأخيرة يعني – بحسب المقال – أن الإصلاح الاجتماعي الحالي سيستمر في توليد تناقضات لدى الشباب العالقين بين التعاليم الدينية التي عفا عليها الزمن والمناخ الاجتماعي الأكثر استرخاءً».

مترجم: لماذا تهاجم السعودية العثمانيين الآن؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد