تسأل الكاتبة روبن رايت في المقال الذي نشرته مجلة «نيويوركر»: «حرب جديدة لـناقلات النفط في الشرق الأوسط، ثانيةً؟». رايت هي صحافية كتبت في عدّة صحف أجنبية وعملت مراسلةً لها في عشرات الدول حول العالم. يأتي المقال في حين تتجه أنظار العالم، وأسواق المال والنفط، نحو الخليج العربي وتحديدًا بحر عمان الذي فُجّرت فيه ناقلة نفطية. سرعان ما وجّه الاتهام نحو إيران التي نفت أن يكون لها يدٌ في الأمر.

رسائل إيران تنهمر: من الألغام وحتى الصواريخ

تبدأ الكاتبة المقال برصد الحدث: صباح الخميس الماضي، الساعة الـ6:12 صباحًا سمعت سفن الحربية البحرية في الشرق الأوسط إشارات الاستغاثة، صادرة من كوكوكا، الناقلة اليابانية المتجهة من المملكة العربية السعودية لسنغافورة. أُصيبت بعبوة ناسفة. انفلتت النيران في غرفة المحرك وغادرَ الطاقم السفينة.

ثم جاءت إشارة الاستغاثة الثانية الساعة السابعة صباحًا من ناقلة نرويجية أُصيبت أيضًا، «ذا فرونت ألتاير The Front Altair» المتجهة من الإمارات العربية المتحدة إلى تايوان، وهي أيضًا اجتاحتها النيران. تداعيات الحدث مباشرة وشديدة. بمرور ساعات ارتفعت أسعار النفط 4%. انطلقت البحرية الأمريكية لتساعد وتحقق في الهجمات. ودعا مجلس الأمن لمشاورات مباشرة لتفادي صراع جديد في الشرق الأوسط.

علَّقت شركتا نقل الحجوزات الجديدة للدول المنتجة للنفط في الخليج العربي. وبدأت لعبة الاتهامات مجددًا في قلب التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران.

ومن واشنطن تحمّل إدارة ترامب المسؤولية لإيران في هجوميها يوم الخميس، وفي الهجوم على ناقلات النفط الأربع الأخرى يوم 12 مايو (أيّار) الشهر المنصرم. هُوجمت ناقلات النفط الست في خليج عمان الواقع بين إيران وعمان ومباشرةً بعد مضيق هرمز. تنقلُ الكاتبة عن وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو: «هذا التقييم –للموقف- مبنيٌ على جمع للمعلومات، والأسلحة المستعملة، ومستوى الخبرة المطلوب لتنفيذ العملية، وهجمات إيرانية مماثلة على سفن وقعت سابقًا، ومن واقعِ أنه لا يوجد في المنطقة مجموعةٌ بالوكالة تملك المصادر والمهارة للتحرك على هذا المستوى من التعقيد».

تقول الكاتبة أن الإدارة لم تقدم معلومات معينة عن سبب اعتقادها أن إيران هي المسؤولة عن الحادثة الأخيرة أو هجمات مايو (أيار). ذكرت مصادرُ أن الولايات المتحدة رصدت ألغام لاصقة غير منفجرة بالقرب من إحدى ناقلات النفط.

تنقلُ الكاتبة عن الرابطة الدولية للملاك المستقلين لـناقلات النفط «إنترتانكو»: كلتا الناقلتان هُوجمتا «عند أو دونَ مستوى الماء بالقرب من غرفة المحرك أثناء عمله. يبدو أنه عملٌ مدبّر ومُنسق له».

وفي الجهة الأخرى نفت طهران مسؤوليتها عن الحادثة وغرّد وزير خارجيتها جواد ظريف: «لا يمكن للتهمة أن تفسّر ما حدث صباحًا». وأشار إلى وقوع الهجوم على الناقلة اليابانية بينما كان رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي مجتمعًا بالقائد الأعلى لإيران؛ آية الله علي خامنئي: «محادثات ودية موسّعة». تشير الكاتبة إلى أن زيارة آبي هي الأولى لرئيس وزراء ياباني لإيران منذ ثورة 1979 وجاء لنقل رسالة من الرئيس ترامب الذي زار طوكيو الشهر الماضي. أضاف ظريف لتغريدته: «مقترح إيران لمنتدى حوار إقليمي مقترحٌ هام» لتخفيف التوتر بينَ الجمهورية الإسلامية ومملكات الخليج.

يشير بعض الخبراء إلى أن كلا الطرفين يتقاسمان اللوم والعالم يتحملُ التكاليف. تنقلُ عن علي فايز، رئيس برنامج إيران في مجموعة الأزمات الدولية قوله: «إذا كانت إيران المتهمة فما لإدارة ترامب إلا أن تلوم نفسها لدفعها طهران لاتخاذ خطوات عدائية تحاشتها إيران منذ أسوأ أيام الحرب الإيرانية العراقية». ويتابع:«إذا لم تكن إيران الفاعلة فهي ممن يريدون أن يروا حربًا بين أمريكا وإيران»، وتصاعد التوتر في الخليج العربيّ والبحر الأحمر يتبعه «ارتفاع في المخاطر الكبيرة على الأسعار العالمية للطاقة».

يحدث كل هذا ويغلي العالم معه. جاكوب لارسن، رئيس الأمن البحري في جمعية «BIMM»، بيمكو تمثّل 60% من أساطيل التجارة عالميًا بما فيها ناقلتا حادثة يوم الخميس، تنقل الكاتبة تصريح لارسن: «نحنُ على مشارف صراع دون وجودٍ فعلي لصراع مسلح، ولذا التوتر عالٍ جدًا». ثلث تجارة النفط المنقول بحريًا تمرُّ عبر مضيق هرمز.

أصدرت الحكومات الأوروبية تحذيرًا عاجلًا حول مخاطر الصراع في منطقة الخليج. ألمانيا أكبر داعمي اتفاق 2015 لحظر انتشار السلاح النووي، وصفت الحادثة بأنها «مقلقة بشدّة». أما روسيا فحذّرت من التسرع بالتهم، وتذكرُ الكاتبة تصريح نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف: «رأينا مؤخرًا حملة تكثيف ضغط سياسي ونفسي وعسكري على إيران. لا نودّ للحدث الصادم والتراجيدي لسوق النفط العالمية أن يستغلّ لمُفاقمة الوضع بمنحى ضد إيران».

الولايات المتحدة: «لا تراجع ولا استسلام»

لكن إدارة ترامب اعتبرت الهجوم على الناقلتين انعكاسًا لنمط أوسع من الاستفزازات الإيرانية مؤخرًا التي يجب أن «تُفهم في سياق الأربعين عامًا من العداء اللامبرر ضدّ الأمم الراغبة بالحريّة» وفقًا لتعبيرات وزير الخارجية بومبيو.

في 22 أبريل (نيسان) توعّدت إيران بقطع تدفق النفط عبر مضيق هرمز إذا سبّبت حملة واشنطن، «حملة الضغط الأقصى»، منعًا كاملًا للصادرات الإيرانية، وتعليقًا على هذا الوعيد يقول بومبيو أن إيران «تعملُ الآن على تنفيذه». يدّعي بومبيو أنه في مايو (أيار) حاول الحرس الثوري الإيراني نشر قوارب شراعية قادرة على إطلاق الصواريخ. وكَذَا رُبطت إيران بهجوم في 14 مايو (أيار) على خطي نفط استراتيجيين في السعودية، بوكالة الميليشيا في اليمن، وهجومٌ صاروخي على مطار سعودي، مطار أبها الدولي.

تحدثت الكتابة عن زعم الأمريكيين أنّ إيران عبر حلفائها لها ارتباط بسقوط صاروخ بالقرب من السفارة الأمريكية في بغداد يوم 19 مايو (أيار) وتفجير سيارة في أفغانستان يوم 31 من الشهر ذاته أصابَ أربعة أمريكيين في الخدمة.

وتتابع باستعراض ما قاله وزير الخارجية الأمريكي: عند النظر للصورة العامة فـ«هذه الهجمات غير المبررة تعتبرُ تهديدًا واضحًا للسلام والأمن الدولي، واعتداء فجٌّ على حرية الملاحة، وحملة تصعيد مرفوضة من إيران».

التوتر في الخليج في نظر الكاتبة هو صدى لحرب ناقلات النفط التي اشتعلت في أواخر الثمانينيات أثناء حرب السنوات الثمانية بين العراق وإيران. حرب ناقلات النفط بدأت عامَ 1984 بمهاجمة العراق للميناء الإيراني للنفط وناقلة نفط في جزيرة خارج شماليَ الخليج العربيّ. ردّت إيران بمهاجمة ناقلات النفط –منطلقةً من الكويت ثم من دول أخرى- التي تُبحر بالنفط العراقي.

ولمّا هددت حرب ناقلات النفط في 1987 بزعزعة إمداد النفط العالمي تدخّلت إدارة رونالد ريغان. حوّلت السفن الكويتية لأمريكية بوضع العلم الأمريكي عليها ما سمح للبحرية الأمريكية بتوفير الحماية العسكرية لها. عملية «إرنست ويل» صارت أكبر عملية تأمين بحرية منذ الحرب العالمية الثانية. تضمّنت حملَ مجموعات مقاتلة من البحرية، وطائرات مراقبة جويّة وعمليات للقوات الأمريكية الخاصة. وفي مشهدٍ من مشاهد الحرب حُشدت 30 سفينة سفينة لتأمين مرور ناقلات النفط في الخليج المضطرب عبر مضيق هرمز.

تدخّل الولايات المتحدة لحماية الناقلات أدّى لتعامل عسكريّ مباشر مع إيران. في سبتمبر (أيلول) 1987 رصدت طائرة أمريكية السفينة الإيرانية «إيران اجر» ففتحت طائرات الهيلكوبتر الحربية النار وأغرقت السفينة وقتل أربعة إيرانيين، وقفزَ عنها بقيتهم (التقطتهم البحرية الأمريكية).

توقيت الهجوم الأمريكي كان مؤذيًا بشكل خاص لإيران. خامنئي، رئيسَ إيران آنذاك، كان في نيويورك في زيارة للجمعية العامة للأمم المتحدة في أول زيارة لقيادي ثوري من الدرجة الأولى منذ الثورة عامَ 1979 التي أسقطت الشاه. جاءت زيارته بعدَ أول اتصال غير معلن بين واشنطن وطهران فيما عرف باسم «إيران- كونترا»، حيث بادلت الولايات المتحدة رهائن أمريكيين مقابل أسلحة أُعطيت لإيران، وذلك في إدارة ريجان.

سافرَ في 1986 مسؤولون كبار في البيت الأبيض في بعثة خاصة لم تنجح. ورغم الفشل الدبلوماسي كانت رحلة خامنئي عام 1987 لتوضّح استعداد إيران للتفاعل مع العالم. ولكن حُرقت الزيارة بمغامرة إيران التلغيمية المتعثرة.

حضرت الكاتبة إفطارًا مع رئيس إيران قال فيه مؤكدًا: «كانت سفينة تجارية مسالم. هذه بداية سلسلة من الأحداث عواقبها المريرة لن تقتصر على الخليج العربي (مش منطق نقول الخليج العربي هنا لأنه على لسان الرئيس الإيراني، فأعتقد الأفضل نقول الخليج الفارسي). تستحقُ أمريكا ردًا مناسبًا لفعلها الشنيع. نحن من خسرنا أبناءنا اليوم. ولكن ماذا لو سمح الله جاء يوم تستقبلون أنتم فيه جثث أبنائكم. سيقول لكم الناس: لمَ لَم توقفوهم؟».

وخلال سنوات تالية، تقولُ الكاتبة، أخبرها مسؤولون إيرانيّون أن تجربة خامنئي المُهينة في نويورك كانت تكوينية في تفكيره حول الولايات المتحدة. واعتقد منذ ذلك الحين أنّ الهجوم الأمريكي على السفينة «إيران اجر» كان مقصودًا لإفشال خطابه وإفشاله هو شخصيًا. وبعد عامين فقط عُيّن خامنئي قائدًا أعلى للجمهورية خلفًا للخميني، منصبٌ تولّاه خامنئي ثلاثة عقود.

خامنئي في خطاب له في مدينة نيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية عقب مشاركته بالجمعية العامة للأمم المتحدة. عامَ 1987 

كرر خامنئي في عدة مناسبات عامة أن الولايات المتحدة لا يمكن الوثوق بها وقالها مرةً أخرى في اجتماعه مع أبي، رئيس وزراء اليابان. غرّد القائد الأعلى على حسابه الناطق بالإنجليزية على تويتر قائلًا: «لقد قلت يا سيد أبي أن ترامب قال: المفاوضات مع الولايات المتحدة ستؤدي إلى تقدم إيران. وبإذن الله، بدون مفاوضات ورغمَ العقوبات سنتقدم».

وفي إشارة نحس لاحتماليات الحل الدبلوماسي في خف التوتر في الخليج قريبًا ردّ ترامب مغردًا: «مع احترامي الشديد لرئيس الوزراء آبي لذهابه إلى إيران واجتماعه بآية الله علي خميني، إلا أني شخصيًا أشعر أنّ مجرد التفكير بالوصول لاتفاق أمر بعيد. ليسوا جاهزين ولا نحن كذلك».

«إذا لم أُصدّر فلا أحد سيصدّر».. هل تنفذ إيران تهديدها بإيقاف صادرات نفط الخليج؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد