نشر موقع «ذا كونفرزيشن» مقالًا مشتركًا لكل من مارتن سكوت، الأستاذ المحاضر في الإعلام والتنمية الدولية بجامعة «إيست أنجليا»، وكيت رايت، المسؤولة الأكاديمية في مجموعة أبحاث الإعلام والاتصالات بجامعة إدنبرة، وميل بونس، رئيسة قسم الصحافة بجامعة لندن، ليعرضوا فيه نتائج بحثهم الجديد الذي عمل عليه فريقٌ متعاون من الجامعات الثلاث لمعرفةِ أثر التغطيات الإخبارية على توزيع ميزانيات المساعدات الطارئة للبلدان التي تمرّ بالأزمات الإنسانية.

Embed from Getty Images

هل تؤثر التغطية الإخبارية مباشرةً؟

تغطي وسائل الإعلام الإخبارية الأزمات الإنسانية بصورة انتقائية. غالبًا ما تكون التغطيات الإخبارية العالمية المكثفة من نصيب الأحداث المرتبطة بالصور الدرامية الواضحة، مثل انفجار ميناء بيروت الذي حصل في عام 2020 مثلًا. في المقابل نادرًا ما تُعطى تغطية جيدة للأزمات الإنسانية طويلة الأمد التي يتعذر الوصول إليها ويصعب شرحها للجمهور، مثل الحرب الأهلية في اليمن التي ما تزال مستعرّة بأتونها منذ 2014، على الرغم من أن هذه الأزمات في حاجةٍ ماسة للتغطية أكثر بكثير.

ويُرفق كاتبو التقرير رسمًا بيانيًا يبدو فيه الفارق في التغطية الإخبارية المخصصة لليمن ولبنان، ما بين يوليو (تموز) 2020 وأغسطس (آب) 2020:

وبحسب التقرير يفترض الباحثون أن لهذه الأمور أهمية خاصة بسبب الأثر الذي يعتقدونه لاهتمام وسائل الإعلام على طريقة تخصيص الحكومات للمساعدات الإنسانية وكيفية توزيعها. ويخصّ التقرير على وجه التحديد كيف يساعد الاهتمام الإعلامي في تفسير كيف تُدعم بعض دعوات الأمم المتحدة للمعونة الإنسانية دعماَ كاملًا تقريبًا، مثل المساعدات الموجهة للعراق (92% من مستهدف الأمم المتحدة)، ولبنان (84%)، بينما لا يتلقى البعض الآخر سوى جزء بسيط من التمويل المُحتاج له، مثل الأزمات في فنزويلا (24%)، وجنوب السودان (10%).

عززت هذه الافتراضات البحوث السابقة التي حددت الارتباطات الواضحة بين مقدار التغطية الإخبارية التي تتلقاها الأزمة، ومخصصات المساعدات الحكومية. على سبيل المثال أظهرت إحدى الدراسات المتابعة للمساعدات الخارجية الأمريكية للكوارث أن كل خبر إضافي في صحيفة «نيويورك تايمز» حول كارثةٍ ما يترافق بتخصيص مساعدات إضافية بمقدار نصف مليون دولار.

لكن هل تُحدث التغطية الإخبارية فرقًا فعليًا في مقدار المساعدة الإنسانية التي تتلقاها أزمة ما؟ أم أننا نخلط بين الارتباط والسببية هنا؟

تُعدّ هذه الأسئلة مهمة للغاية في وقتٍ يفشل فيه تمويل المانحين في مواكبة مستويات الاحتياجات الإنسانية المتصاعدة بوتيرة سريعة، وقد تساعد الإجابات الدقيقة في ضمان وصول المعونة الإنسانية إلى حيث تشتدّ الحاجة إليها أكثر.

Embed from Getty Images

الاستجابة للأزمات

يقول معدو التقرير إنهم سعوا للإجابة عن تلك الأسئلة، ومن أجلها أجرى فريق الباحثين لديهم من جامعات إيست أنجليا، وسيتي، ولندن، وإدنبرة، مقابلاتٍ مع 30 من كبار البيروقراطيين المكلفين بوضع سياساتٍ تتعلق بتخصيص المساعدات الإنسانية، وتتضمن خبرتهم العمل مع 16 حكومة تمثل البلدان الديمقراطية التي لديها أكبر ميزانيات للمساعدات الإنسانية عمومًا. نُشرت النتائج مؤخرًا في مجلة «Journalism Studies» الأكاديمية المتخصصة بدراسات الاتصال وصلته بالصحافة.

وينقل كتّاب التقرير عن بعض البيروقراطيين الذين قابلوهم قولهم إنه في بعض الظروف أدت التغطية الإخبارية المفاجئة والمكثفة إلى زيادة مستويات المساعدة الإنسانية، بغض النظر عن مدى استحقاق الأزمة لذلك. ويضيف التقرير أن هذا الحال ينطبق على انفجار بيروت 2020، وفقًا لما قاله لهم أحد صانعي السياسات: «لدينا ميزانية محدودة للغاية – للمساعدات الإنسانية – وباعتبار لبنان بلدًا متوسط الدخل، فلم يكن ليوجد على قائمة هذه الميزانية.. لكن المستوى الواسع للاهتمام الإعلامي به – كان يعني أنه علينا – اتخاذ القرار مبكرًا لتقديم مساهمة ذات حجمٍ معقول».

ومن الأمثلة الأخرى التي قدمها المجيبون عن التغطية الإعلامية المسببة لتزايد المساعدات الرسمية، أزمة لاجئي الروهينجا عام 2015، وزلزال نيبال في العام نفسه.

Embed from Getty Images

يضيف التقرير أن الأشخاص الذي قابلوهم شرحوا أيضًا كيف أثرت وسائل الإعلام عليهم، من خلال إثارة الجمهور ومنظمات المجتمع المدني، وخاصة المسؤولين المنتخبين، الذين مارسوا بعد ذلك ضغوطًا على الوزارات الحكومية للإعلان عن تمويل إضافي. وينقل التقرير تعقيب أحدهم على الأمر: «إذا تحول شيء ما إلى قضية إعلامية كبيرة، فجأة ومن خلال النظام، يبدأ الناس في طرح الأسئلة بشأنه.. لذلك هناك ضغط حقيقي حتى يمكن القول: هذه هي الطريقة التي استجبنا بها».

تعدّ التغطية الإخبارية الفورية والمكثفة مؤثرةٍ على نحو خاص، ففي ظروف مماثلة لا يعود لدى البيروقراطيين الوقت الكافي لإعداد دفاعٍ عن سبب عدم دعمهم لاستجابةٍ أكبر للأزمة، لكن الأشخاص الذين قابلهم القائمون على الدراسة شددوا على أن وسائل الإعلام الوطنية الرائجة تُعتبر أهم مؤثر في هذا المجال، وليس وسائل التواصل الاجتماعي، أو المنصات الإخبارية الدولية مثل «سي إن إن» أو «بي بي سي».

ويوضح ذلك ما اقتبسه التقرير من أحد من قابلوهم: «الإعلام الوطني «مهم» لسياسيينا. إنهم يُنتخبون «هنا» ولذلك عادةً ما يهمّ هو شهرتهم في «هذا البلد»، مدى شعبيتهم «هنا».. إنه الإعلام الذي يصل إلى عامة الجمهور». ولهذا السبب يصنّف كتاب التقرير حالات التأثير الإعلامي في المساعدات الإنسانية تحت خانة تأثير الأخبار الوطنية المفاجئة.

فقط في حالات الطوارئ

ومع ذلك يقول التقرير إن هذا التأثير يبدو منحصرًا في ميزانيات المساعدات الإنسانية «الطارئة» والصغيرة نسبيًا للحكومات. فوفقًا لمن قابلهم الفريق لا تتأثر المخصصات السنوية من المساعدات الإنسانية بالتغطيات الإخبارية، وهي مخصصات أكبر بكثير من السابقة، وتُرصَد للأزمات الممتدة والأطول أجلًا. يعود ذلك إلى أن المهلة الطويلة التي تستغرقها عمليات تخصيص المساعدات السنوية تعني أن البيروقراطيين تمكنوا من الاستجابة لمشاغل الوزراء المتعلقة بالدعاية، وهم يفعلون ذلك من خلال اتصالات إستراتيجية مخططة لشرح مخصصات المساعدات، بدلًا عن التعديل عليها.

لا يعني هذا أن وسائل الإعلام الإخبارية ليست عاملًا في اتخاذ البيروقراطيين القرار بشأن ميزانيات المساعدات السنوية. رأى بعض البيروقراطيين مثلًا أن الافتقار إلى التغطية الإخبارية لبعض الأزمات يمثل مؤشرًا دالًا على أنه ينبغي لهم تقديم المزيد لهذه «الأزمات المنسية»، كما هو الحال في ميانمار والساحل الأفريقي.

يعود هذا لافتراض هؤلاء البيروقراطيين أن الحكومات الأخرى ستكون أكثر تأثرًا بالتغطية الإخبارية منهم، وبالتالي يحاول هؤلاء تعويض ما اعتقدوا أنه سيكون تشوهًا في ممارسات تمويل الحكومات الأخرى – وذلك وفقًا لتصريحاتهم للفريق الذي قابلهم – ويُطلق التقرير على هذه الظاهرة «تأثير الأزمة المنسية».

Embed from Getty Images

ما أهمية ذلك؟

بالنسبة لوكالات الإغاثة التي تسعى للتأثير على الدول المانحة عبر وسائل الإعلام، تشير هذه النتائج إلى أن اتخاذ تدابير فعالة من شأنه أن يشمل إثارة تغطية مكثفة ومفاجئة عبر وسائل الإعلام الإخبارية الوطنية، ومن المحتمل أن تتضمن الإجراءات الفعالة أيضًا استهداف الحكومات التي فيها وزراء يسعون وراء الدعاية، ولديها ميزانيات أكبر للمساعدات الطارئة.

وفي المقابل إذا كانت الإدارات الحكومية ترغب في مقاومة تأثير وسائل الإعلام والدفاع عن صنع القرار القائم على الاحتياجات، ينبغي عليها التفكير في بناء فهمٍ عام (ووزاري) أقوى للمبادئ الإنسانية، ومنهجيات تخصيصٍ أكثر شفافية وأكثر استنادًا على الأدلة.

يضيف كتّاب التقرير أيضًا أن مساهمة الحكومات مقدمًا في صناديق التمويل المرنة والمشتركة – من قبيل «صندوق الأمم المتحدة المركزي لمواجهة الطوارئ (CERF)» – يسمح للبيروقراطيات أن تُرى على أنها تقدم المساعدة، دون أن تضطر إلى تخصيصٍ مساعدات مُرتجلة في الظروف العاجلة.

يقول كاتبو التقرير إن بحثهم يشير أيضًا إلى أن صانعي السياسات الحكومية قد يعيدون التفكير في كيفية وأسباب تخصيصهم التمويل للأزمات المنسية، بناءً على غياب التغطية الإخبارية. قد لا تكون المخصصات السنوية للحكومات الأخرى تتأثر بالضرورة بالتغطيات الإخبارية، وقد تتبع مبادئ تمويل مماثلة بالفعل، لذلك يحتمل أن تكون بعض الحكومات هي السبب الأساس في ذلك، بينما تمضي في تصحيح عدم التوازن أو التشوه في التمويل.

«related_post id=»366499»»

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد