انتشار القوات العسكرية المختلفة بالقرب من بعضها، بمصالحها المتضاربة وطموحاتها المتنافسة للسيطرة على الأرض يزيد من خطورة اندلاع صراعٍ واسع من أي شرارةٍ بسيطة.

في محاولةٍ لتحليل الوضع السوري والتكهن بما سيؤول إليه الوضع مستقبلًا، نشر موقع «ستراتفور» الأمريكي تحليلًا للوضع، ينظر في القوى الإقليمية والعالمية المختلفة المنخرطة في سوريا وأجنداتها المختلفة، وما إن كانت تلك الأجندات المتعارضة قد تتسبب في نشوب صراعٍ أوسع.

بحسب تحليل «ستراتفور» فإن العالم ربما لا يكون قد نسيَ أمر الحرب الأهلية السورية الحالية، فهي على الأقل حاضرةٌ في أذهان الملايين الذين تأثروا بها، لكنَّ الصراع في سوريا لم يعد مهيمنًا على وسائل الإعلام العالمية كما في الماضي؛ والسبب الأكبر في ذلك هو نجاح الجيش النظامي السوري في السيطرة على معظم المراكز السكانية في سوريا، وتجميد بقية جبهات القتال نسبيًا في الفترة الحالية. ورغم هذا الهدوء النسبي في الوضع بسوريا، ربما يحمل العام القادم صراعًا أكبر بكثير، لكن هذه المرة لن يكون الصراع فقط بين الجيش النظامي وفصائل المعارضة، وإنَّما بين الدول المنخرطة الآن في الساحة السورية.

على مدار الأعوام السبع الماضية، اتجهت عدة قوى إقليمية وعالمية إلى سوريا لتحقيق أجنداتها ومصالحها الخاصة المختلفة. بعض هذه الأهداف مشتركةٌ بالفعل بين تلك القوى، مثل هزيمة «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» – التي أصبحت الآن شبحًا لما كانت عليه في الماضي بفضل جهود التحالف الدولي – لكنَّ الكثير من تلك الأهداف ليس كذلك. وربما تكون الدول المنخرطة في الساحة السورية – مثل: تركيا، وإسرائيل، وإيران وأمريكا وروسيا، غير راغبةٍ بالدخول في صراعٍ مفتوح مع بعضها، لكنَّ سعي كلٍ منها لتحقيق أهدافه الخاصة المختلفة، إلى جانب غياب المساحة الكافية لأي تحركاتٍ استراتيجية أو مناورات في الساحة السورية المكتظة، يعني أنَّ أي عملياتٍ عسكرية ربما تتسبب في اندلاع صراعٍ بين دولٍ مختلفةٍ، سواءٌ عمدًا، أو دون قصد. وصراعٌ كهذا ستكون له تداعياتٌ على مستوى العالم.

سوريا.. ساحةٌ مكتظة بالفاعلين

يُقدِّر تحليل موقع «ستراتفور» أنَّ الخطر الرئيس في سوريا لاندلاع صراعٍ كهذا ينبع من الرغبة المستمرة للجيش النظامي السوري وحلفائه – خاصةً إيران – في السيطرة على مزيدٍ من المناطق. فبالإضافة إلى بعض الجيوب المعزولة التابعة لـ(داعش) والتي ما زال الجيش النظامي يحاول السيطرة عليها، ربما تتجه أنظار دمشق وطهران إلى منطقتين رئيستين: الشمال، وشمال الغرب، حيثُ تسيطر فصائل المعارضة المدعومة من تركيا، والشرق وشمال الشرق، حيث تسيطر قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة. وبينما قد يتسبب وجود القوات التركية والأمريكية بالقرب من تلك المناطق في الحد من قدرة دمشق وطهران على مهاجمتها، إلا أنَّه من غير المحتمل أن تظل قوات الجيش النظامي السوري ساكنةً تمامًا.

وحاليًا يبدو أنَّ محافظة إدلب ستشهد حتمًا بعض العمليات العسكرية قريبًا؛ ما يزيد خطر اندلاع صراعٍ مباشر بين الجيش النظامي السوري والقوات التركية المنتشرة بالمنطقة إلى جانب حلفائها من فصائل المعارضة. وإن حصلت دمشق على مساعدة روسيا في تلك العمليات العسكرية في إدلب، ستزداد احتمالية نشوب هذا الصراع السوري التركي. صحيحٌ أنَّ أولوية روسيا حاليًا هي الانسحاب من الصراع (مع الحفاظ على مكاسبها) والاستمرار في علاقاتها الودية مع تركيا، لكنَّ موسكو تصبح أكثر حنقًا مع الوقت تجاه غياب أي تقدمٍ في جهود تركيا لتفكيك بعضٍ من أكثر جماعات المعارضة المسلحة تطرفًا في إدلب، مثل «هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقًا)»، التي ما زالت مستمرةً في شن الهجمات على القوات الروسية. ولأنَّ دمشق تبحث عن أية ذريعةٍ لاستمرار العمليات العسكرية، ربما يدعم الكرملين هجومًا إيرانيًا سوريًا على إدلب، نظرًا لرغبته في إنهاء الصراع؛ ما قد يتسبب في صراعٍ مباشر مع تركيا.

Embed from Getty Images

عملية نزع الأسلحة الثقيلة والمعدات من فصائل المعارضة في إدلب في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

أمَّا في الشرق، يرى الموقع أنَّ أهداف الأجندة الأمريكية تطورت لتتحول إلى تقويض مصالح إيران وتقييد وجودها في سوريا. تتواجد بالفعل أعدادٌ كبيرة من القوات الإيرانية بالقرب من مواقع قوات سوريا الديمقراطية في شرق سوريا، وتواجه الطرفان بالفعل في معارك عديدة. وإذا تفاقمت الخصومة بين واشنطن وطهران في 2019، ربما تتسبب أي معارك بين القوات الإيرانية وقوات سوريا الديمقراطية في نشوب صراعٍ أكبر في سوريا بين الولايات المتحدة وإيران. بالإضافة إلى أنَّ هذا الصراع قد يجذب إلى فلكه الجيش النظامي السوري، وربما أيضًا القوات الروسية في تلك الساحة السورية المكتظة.

وتركيا أيضًا لديها مصالح كبرى في المنطقة. فهي حريصة على العمل على إضعاف وحدات حماية الشعب الكردية، وكانت في البداية تخطط لبسط نفوذها بعد انسحاب القوات الأمريكية لتحقيق ذلك، ثم قررت التحرك لسحق هذا الفصيل المسلح الذي يتكون في غالبيته من الأكراد، لكنَّ واشنطن أجبرت أنقرة على إعادة التفكير في استراتيجيتها تلك بعد أن أعلنت نيتها البقاء لفترةٍ أطول في سوريا. ستحرص تركيا بشدة على تجنب أي صراعٍ مباشر مع القوات الأمريكية في سوريا (حتى لو كانت خطط تركيا الإقليمية لا تساعد في تهدئة التوترات بينها وبين أمريكا، حليفتها في حلف الناتو)، لكنَّها ستبحث باستمرار عن طرقٍ لإضعاف وحدات حماية الشعب الكردية في العام المقبل. وقد تلجأ تركيا لمهاجمة قادةً بعينهم في الوحدات أو أهداف أخرى مهمة، ومن الممكن أيضًا أن تشن حملةً سرية على المجموعة باغتيال القادة البارزين وتحريض المقاتلين العرب في قوات سوريا الديمقراطية على التمرد. وأيًا كان نهج تركيا، فهي لن تقف موقف المتفرج.

وإسرائيل كذلك لديها سببٌ جوهري لتخوض في مستنقع الحرب السورية، وهو إيران. هاجمت إسرائيل القوات الإيرانية عدة مرات في سوريا، وكانت تلك الهجمات تتسبب أحيانًا في رد فعلٍ انتقامي من طهران، كما حدث في مايو (أيار) 2018. وفي الوقت نفسه، قد يؤدي صراعها إلى جذب قوى أخرى في سوريا. ففي سبتمبر (أيلول) 2018، حاول جنودٌ يديرون الدفاعات الجوية السورية مهاجمة طائرة إسرائيلية، فأصابوا بالخطأ طائرةً روسية وأسقطوها. ولتقليل احتمالات تكرار تلك الحادثة، وفرت موسكو لشركائها السوريين دفاعاتٍ جوية أفضل، وهددت بشن هجماتٍ انتقامية على إسرائيل. لكنَّ جهود روسيا لن تجعل إسرائيل تتوقف عن هجماتها على الأرجح. وبالتالي، في ظل هذا الوضع الذي لا يحتمل أي أخطاء، ربما تتسبب هجمات إسرائيل القادمة ضد الأهداف الإيرانية في نشوب مواجهةٍ بين القوات الإسرائيلية ونظيرتها الروسية، أو حربٍ أوسع مع إيران، وهذه ربما تتضمن صراعًا مع حركة حزب الله في لبنان.

Embed from Getty Images

إسرائيل تعزز دفاعاتها في الجولان بعد انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي الإيراني وحدوث هجماتٍ متبادلة بين إسرائيل والقوات الإيرانية في سوريا.

لا مجال للخطأ

يختتم موقع «ستراتفور» تحليله بأنَّ جميع الدول التي دخلت مستنقع الحرب السورية لا ترغب بالتأكيد في الدخول في صراعٍ مع بعضها، ما يعني أنَّها جميعًا ستتخذ كل التدابير الوقائية الممكنة لتقليل احتمالية تصعيد الصراع، لكنَّ انتشار هذه القوات العسكرية المختلفة بالقرب من بعضها، بمصالحها المتضاربة وطموحاتها المتنافسة للسيطرة على الأرض، يزيد من خطورة اندلاع صراعٍ واسع من أي شرارةٍ بسيطة. والظروف الحالية تعني أيضًا أنَّ احتمالية نشوب صراعٍ في سوريا لن تقل في المستقبل القريب.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!