في الحملة ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، هناك نوعان من المسارح الرئيسية للقتال، العراق وسوريا. وبطبيعة الحال، فإن الصراع هو أكثر من مجرد معركة عسكرية، حيث يمتد إلى ما هو أبعد من هذين البلدين، غير أنهما يمثلان مركز الأحداث في الوقت الحاضر.

حاليًا، تعتبر إستراتيجية العراق إستراتيجية واعدة إذا ما قورنت بنظيرتها في سوريا. على الأقل، لدينا حكومة صديقة للولايات المتحدة بزعامة رئيس الوزراء حيدر العبادي، بالإضافة إلى جيش عراقي على استعداد للقتال في معظم الأحيان. علاوة على ذلك، يتواجد بالعراق 3000 من الأمريكيين الذين يتولون مهمّة تدريب القوات العراقية، فضلًا عن الضربات الجوية التي يشنها الطيارون الأمريكيون من الأجواء العراقية ضد داعش.

على الأقل، لم يعد تنظيم داعش يسيطر سوى على ربع الأراضي في العراق، وكانت آخر المدن التي تم تحريرها مؤخرًا على أيدي القوات العراقية مدينة تكريت، مسقط رأس الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وإحدى المدن المهمة في المناطق ذات الغالبية السنية الرئيسية في البلاد، وهو الأمر الذي قد يبشر بالخير في المستقبل.

ولكن للأسف، فإن الأمر ليس بهذه البساطة. ففي الوقت الذي نُشغل فيه أنفسنا بمهمة التفكير في الاستراتيجيات المستقبلية فيما يتعلق بسوريا، فإن التحدي في العراق لا يزال بعيدًا عن الوضوح، كما أن أية توقعات تتحدث عن تحرير مدينة الموصل وغيرها من المدن الكبرى التي تخضع لسيطرة داعش هذا العام هي توقعات غير دقيقة.

بل إن المعضلة هي أسوأ من ذلك، لأن المسألة لا تتعلق بما إذا كانت المدن والمناطق الأخرى المأهولة من محافظات مثل نينوى والأنبار وصلاح الدين سيتم تحريرها أو لا، ولكن على يد من، وكيف. من الضروري أيضًا التفكير في الأطراف التي ستتولى مهمّة الإشراف على تلك المناطق بعد ذلك.

رافع العيساوي، نائب رئيس الوزراء العراقي السابق ووزير المالية في حكومة نوري المالكي، كان قد تناول جانبًا كبيرًا من هذه المعضلات سالفة الذكر في ندوة عُقدت مؤخرًا بواشنطن في معهد بروكنجز بحضور أثيل النجيفي، محافظ نينوى.

وفيما يلي عرض لثلاثة نقاط رئيسية أشار إليها العيساوي في رسالته التي وجهها إلى الولايات المتحدة والتعليق على كل منها:
أولًا: العيساوي ساوى بين سلوك المليشيات الشيعية في العراق وسلوك داعش. تلك المليشيات المدعومة من إيران، والتي كان المالكي قام بتسليحها، كانت قد ساعدت في حماية العاصمة العراقية بغداد الصيف الماضي ضد قوات الدولة الإسلامية التي سيطرت على مناطق بالعراق بالقوة، ومن ثّم ساعدت في تحرير تكريت. ولكن وفقًا للعيساوي، فإنها تتبنى سلوكيات وحشية وتهدد مستقبل العراق على المدى البعيد، شأنها في ذلك شأن داعش.

يبدو العيساوي مبالغًا ولو قليلًا في وجهة نظره. فالمليشيات الشيعية لا تبدو سيئة كما داعش. في واقع الأمر، سيكون من الإنصاف الإشارة إلى أن بغداد كانت لتتعرض لتهديدات كبيرة في حال لم تتدخل تلك المليشيات الصيف الماضي للدفاع عنها.
ولكن الحجة الشاملة مقنعة، وتشير إلى أن المسار الحالي في العراق، والذي يعتمد اعتمادًا كبيرًا على تلك المليشيات لهزيمة داعش وتحرير المناطق ذات الأغلبية السنية في الأشهر المقبلة، سيخّلف كثيرًا من المشاكل. وقد حذر كين بولاك، من مركز بروكنجز في هذا الشأن مما أسماه “النجاح الكارثي” لتحرير مدن مثل الموصل من قبل تلك المليشيات التي هي أكثر ولاءً لأسيادها في طهران من بغداد.

ثانيًا: أكد العيساوي على ضرورة بناء الجيش العراقي والشرطة وإنشاء الحرس الوطني. للقيام بذلك، أشار إلى أن المليشيات غير النظامية السابقة سيتم تعيينها وتدريبها والتحري عنها بشكل فردي.

من حيث المبدأ، هذه فكرة جيدة للغاية. في الواقع، قد نحتاج إلى الأخذ في الاعتبار حقيقة أن هذه المليشيات هي مليشيات قوية، ومن غير المرجح أن تقبل بنزع سلاحها وأن يتم تسريحها بهذه الطريقة السعيدة. ربما تكون هناك حاجة إلى شيء من التعويض لمجموعات صغيرة من مقاتلي المليشيات السابقين الذين سيقومون بالانضمام إلى قوات الأمن الرسمية للدولة.

على العيساوي وزملائه السنة أن يكونوا مستعدين للقبول ببعض التسويات في هذا الصدد، وخاصة فيما يتعلق بالمناصب القيادية، آخذين في الاعتبار مصالح الدولة العراقية والأخطار التي تحيط بها سعيًا للوصول إلى إنجاح هذه الفكرة.

ثالثًا: قدم العيساوي رؤيته بشأن قوات الحرس الوطني، باعتبارها وسيلة لتمكين مقاتلي العشائر السنية وقوات الأمن المحلية الأخرى، وهي الرؤية التي اسماها «النسخة المعدلة من نموذج ديفيد بترايوس».

تستند خطة العيساوي على إنشاء “لجان مشتركة” تتألف من ممثلين عن الحكومة المركزية العراقية، ومستشارين أمريكيين، وقوى محلية تقوم بإعادة هيكلة الجيش العراقي إلى قوة قتال وطنية غير طائفية، بجانب تجنيد وتدريب المقاتلين السنة والأكراد كقوات حرس وطني.

مرة أخرى، يبدو هذا جيدًا – إعطاء بغداد الرقابة على الأشياء- في حين سيتم تجنيد السكان المحليين في عمليات القتال للدفاع عن مدنهم. غير أن ذلك يتطلب المرونة في التنفيذ. على سبيل المثال، هل ستقرر هذه اللجان المشتركة المسائل التي تتعلق بالأفراد والتسليح بالأغلبية أم بالإجماع؟ ومن سيتولى مهمة اختيار الأعضاء الفرديين؟

تثير أفكار ورؤى العيساوي العديد من الأسئلة التي تتعلق بكيفية التنفيذ. غير أنه محق في فكرته العامة التي تقول بأن الطريق لا يزال طويلًا في العراق، سواء في مجال مكافحة داعش أو تعزيز التوقعات بتحقيق الاستقرار في البلاد على المدى البعيد.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد