صار من السهل أن ينشئ شخص أو جهة – استخباراتية أو غيرها – منظمات وهمية للتجسس – أو لأهداف أخرى غير قانونية – ولا يمكن تتبع مصدرها. وها نحن بصدد إحداها.

منظمة غير ربحية أسست في 2015، تتبعها الصحفي «توماس فوكس» ومنظمة العفو الدولية، حتى أغلقت لكن لا تزال التكهنات بشأن مؤسسها قائمة، هل هي الحكومة القطرية تتجسَّس على النشطاء الحقوقيين بشأن الانتهاكات بحق المهاجرين وظروف العمل القاسية، أم أنها دولة معادية أو دولة كالإمارات أو مصر بعد تعكر العلاقات بين الدولتين.

الجارديان: قطر تشتري بقاءها بالمال

من هي المنظمة وكيف انكشفت؟

في منتصف عام 2015 وقعت قطر في فضيحة التقارير المتتالية المدعية مقتل 1200 مهاجر من العمال أثناء تجهيزات قطر لاستقبال كأس العالم 2022. فيما نفت الحكومة القطرية مقتل أي عامل أثناء أعمال بناء الأندية. أيًّا كان العدد الحقيقي لأعداد العمال المقتولين، اجتاحت موجة من صور المعاملة القاسية للعمال في أعمال البناء وسائل الإعلام وأثارت انتباه العامة. لم يكن الأمر غريبًا على المنظمات الحقوقية غير الربحية في دول الخليج، وبطبيعة الحال لم يكن مستغربًا أن أسست مجموعة صغيرة من حقوقيين غير معروفين بريطانيين وفرنسيين مجموعة باسم Voiceless Victims، أو «ضحايا بلا صوت».

ملأت المجموعة موقعها وحساب تويتر بسيل من الصور المروعة لظروف العمال مطالبة بالانتباه العالمي للكارثة. وفي 20 أكتوبر (تشرين أول) 2015 تواصلت المجموعة مع عدد من منظمات حقوق الإنسان الدولية لمشاركة فيديو بالانتهاكات أو كما وصفه مديرها «لوك هان» بالـ«فيديو المستفز ذي الانتشار الفيروسي». كما طالبوا عملاق كرة القدم برشلونة بوقف تعاقده مع الخطوط الجوية القطرية.

ووصلت المطالبات للأشخاص ذوي العلاقات مع المنظمات الدولية بما في ذلك منظمة العفو الدولية ومنظمة مكافحة الرق الدولية والاتحاد الدولي للنقابات وغيرها. وبدت لهم مثل أي منظمة غير حكومية أخرى غير ربحية تحارب من أجل قضية تستحق.

إلا أن ما غاب عنهم جميعًا أنها منظمة مزيفة متهمة بالتجسس الإلكتروني على النشطاء الحقوقيين في الشرق الأوسط، حاولت التوصل لمواقعهم وهوياتهم. منظمة محتالة مدعومة بالمال لخداع الأشخاص الذين يعملون في أماكن العمل ذات الطبيعة الخطرة من أجل كشف معلومات حساسة.

عمل على قدم وساق «وهمي»

يقول «توماس» كانت منظمة العفو الدولية أول من كشف عن نشاط «ضحايا بلا صوت» «الغريب». طلبت المنظمة من «كلوديو جوارنيري» التحقيق في أمر وصول العديد من رسائل إنذار البريد الإلكتروني لفريق العمل بالمنظمة. واكتشف «جواريني» أنه بفحص عدد من رسائل مزاعم الانتهاكات بحق العمال في قطر، عند الضغط على بعض المرفقات كانت ترسل تقارير مرة أخرى للمرسل تحتوي على عنوان الـIP والموقع الجغرافي التقريبي ومعلومات عن جهاز حاسب المستخدم كنظام التشغيل والمتصفح، كما احتوت بعض الرسائل على رسومات جيف غير مرئية بها شفرة ترسل نفس البيانات السابقة للمرسل. ويقول المحقق إن مثل تلك التقنيات قد يستخدمها العاملون في التسويق، لكن تلك تحديدًا أكثر استهدافًا واختراقًا.

وأضاف «جواريني» «يبدو أنهم عثروا على خدمة يمكن استخدامها لهدف محدد في كشف الهويات المجهولة وتحديد الموقع الجغرافي للناس الذين يعملون على القضايا القطرية». كما أضاف أنه ربما من قام بذلك أراد الوصول لما توصل له الباحثون التابعون لمنظمات حقوق الإنسان في قطر. أو ربما يكون استطلاعًا يتبعه المزيد من الهجمات، إلا أنه لم تكن هناك أي هجمات.

استكملت منظمة العفو الدولية البحث في أمر «ضحايا بلا صوت»، وتلك المرة كان مجال البحث في حساب المنظمة على مواقع التواصل الاجتماعي. وجدت «العفو الدولية» أن منشورات المنظمة المزعومة تختلف عن طبيعة منشورات المنظمات الحقوقية فكانت على حد تعبيرها «عامة للغاية» و«لا طعم لها». على سبيل المثال كانت الحملة التي شنتها في احتفالات الكريسماس للعام الماضي، عبارة عن صور معاناة المهاجرين تم تعديلها بشكل رديء لتخرج صورة احتفالية تدعو الناس لتذكر معاناتهم والإحسان إليهم في هذا الوقت من العام.

فضلاً عن أنها وجدت أحد الأخبار المحرفة. إذ وضع اسم «ضحايا بلا صوت» بجوار أحد الأخبار المفبركة تحت شعار موقع الجزيرة باللغة الإنجليزية. الخبر على موقع الجزيرة كان عن استعادة المهاجرين جوازات سفرهم، إذ نفى متحدث عن الجزيرة علاقة الخط الساخن بالخبر وأنه ربما قام أحد بقص الخبر وشعار الجزيرة ولفق قصة كاملة.

يستكمل «توماس» القصة قائلًا إن منظمة العفو لم تتوقف عند ذلك الحد، بل أتت بـ«فابين جوا» للتمادي في البحث. زار «فابيان» وأحد زملائه في فرنسا العنوان المذكور على الموقع الرسمي في مدينة ليل. وعند سؤالهم عن مقر موقع Vlvictims.org، تبين أن أحدًا لم يسمع عنه قط. وأن المكان المذكور شغلته إحدى نقابات المعلمين طوال ستة أشهر، وذلك حسب ما أورده رجل البريد.

هنا تبين لـ«توماس» و«العفو الدولية» من كلام «فابين» أن المنظمة إذا كانت وهمية إذًا فهي حتمًا خطرة. لكن السؤال الأهم حسب ما قاله جيمس لينش – نائب مدير القضايا الدولية في منظمة العفو الدولية – هو «هل تلك المنظمة برعاية دولة أم أنها مبادرة فردية؟» إذ يبدو أن لها إمكانات كبيرة يمكن أن تقوض أو تشكل خطرًا على مجموعات العمل المدني الشرعية، «حتى وفقًا لمعايير الدفاع عن حقوق الإنسان الدولية».

استعراض فارغ

وفي بحث «توماس» الشخصي، تكشف له أن «هان» مدير المنظمة ليس إلا كاذبًا، بالبحث عن حسابه في موقع لينكد إن، ذكر «هان» أنه كان مديرًا لمركز جلوبال جاستيس Global Justice Center لمدة سبع سنوات، وأنه حاصل على شهادة القانون من جامعة أكسفورد، التي لم يكن لديها أي سجل عن انضمام شخص حامل لهذا الاسم مطلقًا. حاول الوصول لـ«هان» وصديقتة الموجودة على حساب لينكد إن، إلا أنه لم يكن لهم أي جهات اتصال أو أصدقاء يمكن التواصل معهم. وكذلك حساباتهم على فيسبوك وتويتر.

واستمرت محاولة البحث في سجلات الموقع المحمية منذ تأسيسه في مارس 2016، إلا أن أحد السجلات المرسلة في 2015 لم يكن محميًّا وكان يحتوي على اسم «هان». كان السجل يحتوي على إيميل روسي وعنوان ورقم تليفون.

بعد محاولة الاتصال بالرقم، أغلق الخط، وبإرسال رسالة بريد عاد الرد بفشل الإرسال. وبالبحث مجددًا في مجال الموقع توصل «توماس» لاسم أحد المسجلين «يووالد هارم» يعيش في أمستردام، هولندا. وبالاتصال بالرقم المذكور، أدى به إلى بريد صوتي لصوت رجل حقيقي وليس إلكترونيًا يدعى «أنوويم دي جونج» مدير في شركة تأجير سيارات. لم يجب على رسالة البريد الصوتي طلبًا للتعليق.

يذكر «توماس» أن الموقع صممته شركة محاماة أمريكية مقرها نيويورك تدعى «سوزان فلانجان وشركاؤها» والتي بدت شركة قانونية. وعند الاتصال بها قالت «فلانجان» أنها محامية مهتمة بمقاضاة دور رعاية المسنين بالإهمال والإساءة للكبار في ولاية نيويورك، وفيما يخص الموقع، قالت «اشتريت الموقع لتأسيس شركة غير ربحية تهتم بقضايا كبار السن والحيوانات الضالة المشردة والأطفال المصابين بالتوحد» لكنها كانت منهمكة في عملها للغاية لدرجةٍ لم تمكنها من العمل على الموقع حقيقة.

قدم «توماس» تلك المعلومات لمنصة «بي آر نيوزواير» التي تستضيف موقع «ضحايا بلا صوت» ونشرت المنظمة الوهمية منها خبر انطلاق الموقع. بالتبعية أزالت المنصة خبر إطلاق الموقع. فضلًا عن أن صحيفة «لوموند» الشهيرة الفرنسية أعلنت اليوم أنه لا وجود لأي سجلات بمنظمة مسجلة في فرنسا باسم «ضحايا بلا صوت».

كانت الخطوة التالية لـ«توماس» أنه جمع كتلة الأدلة التي توصل إليها وذهب بها إلى «دانيال كوثبرت» – المدير التنفيذي للاستشارات الأمنية في شركة سينسبوست Sensepost – وكان تقييمه للأمر مشابهًا لما توصل إليه، وأضاف أن الإنذار الأكبر يكمن في حقيقة أن الموقع لم يظهر في أي مكان آخر على الإنترنت، «لم يتحدث عنه أحد، كما لو أن لم يوجد من الأساس».

وأخيرًا اتصال

في خضم كل ذلك، أتى «توماس» بريدٌ من شخص يدعى «لوك هان» بتاريخ 14 ديسمبر (كانون أول). بعد كل المحاولات الفاشلة في الاتصال به وبصديقته المزعومة «إيميلي»، يتواصل معه. وبعد أن وضح «توماس» ادعاءه بأنه محتال وكذلك الموقع، أتاه الرد من «هان» كالتالي «حاولنا بمواردنا المحدودة أن نرفع من الوعي العام ونكشف الانتهاكات الوحشية لحقوق الإنسان بحق العمال في قطر. للأسف، منذ أن بدأنا تلك الحملة ونتلقى العديد من التهديدات. نتمنى ألا تكون معلوماتك من نفس المصدر الذي يحاول إسقاطنا ومنع الحقيقة عن وضع العمال الأجانب في قطر من الظهور».

وفي تحريف آخر للأحداث، عقب تلك الرسالة أغلق الموقع وعلق رسالة «الأشرار، أيًّا كانوا فقد فازوا».

لاحقًا ادعى «هان» أنه على سفر ولا وقت لديه للرد على الرسائل. وهنا تعجب «توماس» كيف تكون هوية شخص موضع شك ولا يعطي الوقت الكافي لتوضيحها؟

وفي بريد بتاريخ 19 ديسمبر (كانون أول) ادعى أن «ضحايا بلا صوت» واجهت كافة أنواع التهديدات والهجمات من قبل أولئك الذين يحاولون كشف أفعالهم. وفي ردهم على ادعاء أنهم يعملون لحساب الحكومة القطرية قالوا إنه اتهام «هستيري مناف للمنطق» وأن «الاتهامات الموجهة لنا بشأن إعادة توجيه رسائل منظمة العفو الدولية لمواقع خبيثة هي محض كذب وتبدو كأنها هجوم».

يذكر «توماس» أن جميع محاولات الاتصال بهم هاتفيًا لم يتم الرد عليها. فبعد هدوء دام طوال فصل الصيف الماضي، عادت بشكل عجيب من جديد بمطالب صارخة، على الرغم من أنها لم تقدم أي دفاع على الاتهامات المقدمة ضدها.

وخلال الأسبوع الحالي اختفت صفحة «ضحايا بلا صوت» وكذلك حساب «إيميلي ليفيبفير» صديقة «هان» وحسابها على تويتر. ربَّما كان الخناق حقًا يضيق عليهم.

فضيحة منظمة غير حكومية في الشرق الأوسط

يقول «توماس» إن كل من تواصل مع «ضحايا بلا صوت» تعرض لهجمات متكررة منذ أن انتشرت الأخبار عن الوضع في قطر. على سبيل المثال، أخبرته «جين سوك» مدير حملة الجنس والهجرة في منظمة بيلدينج أند وود وركرز، وهي إحدى النقابات العمالية في جنيف، يصل أعضاؤها إلى 12 مليون عضو، أن «أمبرت يوسون» سكرتير عام الموظفين تعرض لاختراق بريده الإلكتروني في أوائل العام الحالي، كما تعرض موقع المنظمة لهجمات أسقطته عدة مرات. فضلًا عن أنه تم اختراق حسابها الشخصي على سكايب ولم تستعده حتى الآن.

كما أشار المتحدث باسم اتحاد النقابات الدولي إلى مؤتمر صحفي عقد في يناير (كانون الثاني) 2016، الذي أعلن فيه عن أن الاتحاد كان ضحية لحملة تضليل واسعة وأن حسابات العاملين بالاتحاد قد اخترقت وزرعت فيها المواد المضللة بشأن ظروف العمل للعمال في كأس العالم 2022.

وأضاف أيضًا المتحدث أن كل تحركات «شارون بورو» الأمين العام للاتحاد الدولي للنقابات العمالية بشأن مؤتمر دافوس كانت مراقبة من قبل متجسسين إلكترونيين. كما أنشأت العديد من الحسابات المزيفة لنشر واختلاق الأكاذيب عن بورو.

يقول «توماس» إن حملات التجسس الإلكتروني في الشرق الأوسط أمر متكرر، من خلال أداة من خادم البريد المستخدم من قبل «ضحايا بلا صوت» لتتبع بريد المستلم كشف عن برامج تجسس عدة. أحد البرامج الخبيثة يصل من الخادم خلال ملف مصمم ليكون «إغراء» على هيئة استمارة تسجيل من مؤسسة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الخيرية. يقول أحد المتخصصين في البرامج الخبيثة والذي طلب عدم الإفصاح عن هويته، أنه بمجرد فتح الوثيقة يتم تحميل برامج نوعية njRAT وهو يضمن التحكم بنظام الويندوز للضحية عن بعد، ويشمل الاختراق وسرقة كلمات السر وحق الولوج للكاميرا. وقد استخدم njRAT على مر السنوات الثلاث السابقة في عمليات المراقبة التي استهدفت حكومات في الشرق الأوسط وشركات الاتصالات وصناعة الطاقة.

ويستمر الصيد

يقول «توماس» إنه على الرغم من أن كل العلامات تشير إلى الشرق الأوسط إلا أنه لم يظهر دليل دامغ.

لذا قرر «توماس» التحرك في اتجاه آخر. قرر استخدام المصادر المفتوحة للبيانات المتاحة، ووجد أن هناك دلائل أن العاملين بـ«ضحايا بلا صوت» ربما يكونون مارسوا عملهم من الشرق الأوسط. استعان بخبير استخباراتي للمصادر المفتوحة وعمل تحليل «لنمط الحياة» ولأنشطتهم على مواقع التواصل الاجتماعي. بالبحث في 385 تغريدة على مر تسعة أشهر، وجد أن قليلًا منها كان في أيام الجمعة أو السبت أي أيام العطلات في أغلب دول الخليج والدول العربية.

أما على مستوى الاستخدام اليومي، فأشارت إلى أن الاستخدام يتطابق مع مواعيد العمل في أغلب البلدان في الشرق الأوسط. كانت أوقات التغريدات تتراوح بين 06:00 توقيت غرينيتش وتنتهي 16:00 توقيت غرينيتش. وهو بالتأكيد النمط الشائع لفترات العمل في الشرق الأوسط.

وبالتأكيد يطرح احتمالية أن تكون تلك الأوقات مفبركة أو تم ضبط مواعيد النشر التلقائي على مواقع التواصل الاجتماعي لتنشر في تلك الأوقات.

يذكر «توماس» أن هناك احتمالًا بأن الحكومة القطرية هي التي أدارتها منذ البداية بهدف التجسس، لكن نفت الحكومة القطرية أي معرفة لها بالمنظمة المذكورة.

ويذكر أحد الاحتمالات الأخرى، أنه ربما تكون إحدى الدول المعادية التي أرادت أن توقع قطر في حرج. وربما دفعت قطر لأحد الأطراف في منصة «بي آر نيوزواير» لكنه أدى المهمة بشكل سيء.

ويقول ختامًا إنه يشك في أن نكتشف أبدًا حقيقة من وراء المنظمة الوهمية، ربما تكون الحكومة القطرية نفسها، ربما أعداءها. لكن الأكيد أن قضية «ضحايا بلا صوت» تؤكد سهولة أن تنشأ منظمات وهمية إلكترونية بهدف التجسس، وهو أمر خطير وحقيقي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد