نشرت «واشنطن بوست» تقريرًا أعدته دانيلا باكيت، مديرة مكتب الصحيفة في غرب أفريقيا، تناولت فيه المعاناة التي مرّ بها بعض أطفال نيجيريا الذين وجدوا أنفسهم بين مطرقة بوكو حرام وسندان قوات الجيش، وكيف أنهم بعدما هربوا من قيود التنظيم المسلح، واجهوا سجنًا آخر: «الاحتجاز العسكري».

استهلت دانيلا تقريرها بالحديث عن فاطمة التي قضت 400 ليلة، تحصيها ليلة تلو الأخرى، وهي مستلقية على الأرض مع صغيرها، محشورَيْن بين حشدٍ من الغرباء، تهش البعوض في غرفة تفوح منها رائحة البراز.

وتتذكر فاطمة ما كانت تفكر فيه: لماذا هربت من الإرهابيين إلى هذا المكان؟ وأضافت والدموع تتساقط على وجنتيها: «عاملتنا بوكو حرام بشكل أفضل».

وتوضح الكاتبة أن فاطمة التي تبلغ من العمر 18 عامًا الآن، هي واحدة من بين آلاف الأطفال الذين احتجزتهم القوات المسلحة النيجيرية في السنوات الأخيرة –بما فيهم العديد من الأطفال الذين فروا من مختَطِفيهم المتطرفين– في خضم صراعٍ استمر 10 سنوات، وغالبًا ما يتمخض عن تحويل الضحايا إلى مشتبهٍ بهم.

ينكر مسؤولو وزارة الدفاع المزاعم المتعلقة بالاعتقال التعسفي، لافتين إلى ضرورة فحصهم لكل القادمين من المناطق الريفية المضطربة؛ حيث تشتهر بوكو حرام وجماعات إسلامية أخرى في شمال شرق نيجيريا بإرسال الأطفال لشن الهجمات.

بيد أن المدافعين عن حقوق الإنسان يقولون إن ظروف مراكز الاحتجاز يُرثى لها، لدرجة أنها تحبط هدف الجيش الرامي إلى حماية الشباب –وتجفيف منابع تطرفهم– عبر إذكاء مشاعر الاستياء من الحكومة.

Embed from Getty Images

وفي مقابلات أُجريت مع صحيفة «واشنطن بوست»، قال سبعة أطفال قضوا وقتًا في ثكنات جيوا (مركز اعتقال عسكري يقع في شمال شرق نيجيريا) بالقرب من مدينة مايدوجوري، فضلاً عن مرافق عسكرية أخرى: إنهم لم يُسمح لهم بالاتصال الخارجي. ولم يلتق أي من الأطفال السبعة الذين تتراوح أعمارهم الآن بين 10 و18 عامًا بالمحامين. وتستخدم واشنطن بوست ألقابهم فقط لأنهم يخشون ردود الفعل الانتقامية.

ونقلت الكاتبة عن أحد الشباب قوله: إن الجنود ضربوه. فيما قالت فتاة: إن أحد الحرس حاول اغتصابها. ووصف الجميع البيئة التي كانوا ينامون فيها بجوار غرباء على حصائر، منفصلين عن أفراد عائلتهم على أساس نوع الجنس، وكيف عاينوا أشخاصًا يموتون بسبب المرض.

واستشهدت الكاتبة بتقريرٍ جديد صادر عن منظمة «هيومان رايتس ووتش» يؤيد رواياتهم. وقال الباحثون إنهم التقوا في يونيو الماضي مع 32 طفلاً وشابًا بالغًا ذكروا أنهم حُشِروا في غرف حارة دون فراش نوم أو شبكات لحمايتهم من البعوض في منطقة تُعد الملاريا فيها سببًا رئيسيًا للموت. كما وصفوا رائحة كريهة غامرة قادمة من مرحاض مفتوح، حتى أنهم فقدوا وعيهم في بعض الأوقات بسبب الحرارة، على حد تعبيرهم.

تسوق لذلك بعض وسائل الإعلام الغربية.. هل الإسلام في نيجيريا هو سبب البلاء حقًا؟

الحكومة: تقرير كاذب!

في بيان رسمي، قال العقيد أونيما نواتشوكو، القائم بأعمال مدير تكنولوجيا المعلومات في القوات المسلحة النيجيرية: يُحتَجَز الأطفال المعتقلون في أماكن آمنة، حيث يحصلون على طعام كافٍ. وإعداد ملفٍ لهم واجتثاث التطرف من عقولهم قبل إطلاق سراحهم». وأضاف: يُقدَّم لهم المأكل والملبس والعناية الطبية اللازمة والدروس التعليمية والروحانية الداخلية وتلبى احتياجات الرعاية الأخرى للأطفال على نحو منتظم».

Embed from Getty Images

وأضاف نواتشوكو في بيانه أن القوات النيجيرية أطلقت سراح ما لا يقل عن 2200 طفلٍ –جميعهم تقريبًا لم توجه تهم إليهم– منذ عام 2013 وعاملتهم باعتبارهم «ضحايا حرب وليس مشتبهًا بهم». ولم يرد نواتشوكو على طلب واشنطن بوست لإجراء مقابلة صحفية.

وتقول الأمم المتحدة إن ما يربو على 3600 طفلٍ احتُجزوا في مرافق عسكرية أثناء هذه الفترة. وفي خلال السنوات العشر الماضية، قتلت جماعة بوكو حرام –إحدى الجماعات المتطرفة التي تسعى إلى بناء دولة إسلامية في غرب أفريقيا– نحو 27 ألف شخص.

وكان الجيش النيجيري وشركاؤه الدوليون قد حَجَّموا تحركات الإرهابيين في السنوات الأخيرة، إلا أن الجماعة تستمر في شن هجمات مُدمّرة من خلال قواعدها البعيدة في شمال غرب ولاية بورنو. وغالبًا ما يطوق الإرهابيون الأطفال بالمتفجرات حول خصرهم ويجبرونهم على تفجير أنفسهم في الأماكن المزدحمة. ويُذكر أن ثمانية انتحاريين هاجموا مايدوجوري، عاصمة الولاية، منذ يناير الماضي.

ولفتت الكاتبة إلى أن بعض السكان في نيجيريا يخشون من أن استراتيجية الفحص التي يتبعها الجيش قد تجبر الذين فروا من العنف على الاختباء. وطبقًا للجنة الدولية للصليب الأحمر، شرّد الصراع ما يزيد عن مليونَيْ شخص، ولا يزال 22 ألفًا آخرين في عداد المفقودين، كان قرابة نصفهم دون الثمانية عشر عامًا عندما اختفوا.

يقول أحمد عبد الله، 64 عامًا: إن اثنين من أبنائه المراهقين هرعوا إلى الغابة عندما هاجمت بوكو حرام قريتهم عام 2014. وأضاف عبد الله: «لن يرغبوا في الخروج، فربما تستهدفهم بوكو حرام أو قوات الجيش».

وذكرت الكاتبة أن المزاعم المتعلقة بثكنات جيوا تأتي بينما تواجه الولايات المتحدة الجدل الدائر حول احتجازها للأطفال– حيث كشفت إدارة ترامب، الشهر الماضي، عن مرسوم يسمح للعملاء الفيدراليين باحتجاز القُصّر الذين يحاولون عبور الحدود لأجل غير مسمى. وقد ظهرت تقارير في تكساس بشأن إجبار الأطفال على النوم على أرضيات خرسانية مع بطانيات من الألومنيوم، ضمن شكاوى أخرى.

وقالت فاطمة إنها قضت 15 شهرًا في السجون العسكرية قبل إطلاق سراحها إلى معسكر للنازحين في مايدوجوري الصيف الماضي. وتتذكر فاطمة أثناء مشيها إلى قرية أختها الأكبر عام 2014 أن رجالا يحملون بنادق آلية قطعوا الطريق الترابي، وضربوها وحرقوا وجهها بماسورة رشاش طراز AK -47 وأجبروها في وقت لاحق على الزواج من أحد المقاتلين، وأنجبت منه ولدًا.

71% من مسلميها يريدون تطبيق الشريعة.. 6 أشياء قد لا تعرفها عن نيجيريا!

صور من معاناة الأطفال

تقول الكاتبة إن فاطمة كانت تبلغ من العمر 16 عامًا عندما هربت أخيرًا من معسكر بوكو حرام، حيث ركضت حافية القدمين بطفلها الملفوف في قطعة قماش على ظهرها. وقد حملها الأدرينالين والحظ إلى مجموعة من الجنود النيجيريين. لكن فاطمة تقول: «ثم أصبحت في نوع آخر من السجون، وكنت أصلي كل يوم كي أرحل بعيدًا».

ونقلت الكاتبة عن جوجو، 14 عامًا: إن محنتها بدأت منذ نحو أربع سنوات عندما هاجم مسلحو بوكو حرام قريتها، حيث وجدها الجنود مختبئة في الغابة مع عائلتها. وأضافت جوجو أنهم اتهموا والدها وأخيها بأنهم أعضاء في بوكو حرام، ثم ضربوهم. تقول الكاتبة: إن هذا كان هذا آخر لقاء يجمع جوجو بعائلتها.

أضافت جوجو أنها قضت سنتين في المكان الخاص بالنساء في جيوا؛ حيث أُسِر 200 سيدة في غرفة واحدة كبيرة، حتى جعلتها الرائحة تشعر بالمرض، فضلا عن مواجهتها صعوبة في تناول الأطعمة.

وأردفت جوجو «كان بإمكاني رؤية الحشرات تزحف في طبق حسائي». وفي يومٍ ما، سحبها أحد أفراد الحرس إلى غرفة أخرى وأخبرها بأنه يريد ممارسة الجنس معها. صاحت جوجو، فهرع الجنود إلى الداخل وأوقفوا الحارس.

Embed from Getty Images

انتقل التقرير للحديث عن قصة جمارلي، وهو شاب يبلغ من العمر 15 عامًا، فقد الاتصال مع عائلته بعد أن اقتحم مسلحون قريته منذ خمس سنوات، عندما هربوا (عائلته) في اتجاه، وسلك هو اتجاهًا آخر. وقبض مقاتلو بوكو حرام على الطفل البالغ من العمر 10 سنوات وخيروه بين الانضمام إليهم أو الموت. قضى جمارلي ثلاثة شهور مع الإرهابيين ليتعلم كيفية صناعة القنابل، ثم داهمت قوات الجيش المعسكر، فهرب جمارلي أثناء هذه الفوضى، قاطعًا الليل كله ليعود إلى قريته الأصلية، حيث ألقى الجنود القبض عليه. وأضاف: «وجهوا أسلحتهم نحوي، وظلوا يقولون: والداك هما بوكو حرام».

ويكمل التقرير بقصة أراد مالام، 18 عامًا، الذي أراد أن يكون صيادًا، فترك قريته وهو في الثانية عشرة من عمره مع بعض أصدقائه لصيد سمك البلطي في نهر مجاور. كان هذا عندما خرج إليهم مسلحون وحاصروهم. وقال مالام: «كان جميعهم ذوي قدرات بدنية». ويتذكر أنهم قالوا: «يجب أن تنضم إلينا أو أن تُقتل». سار مقاتلو بوكو حرام بالأطفال إلى عمق الغابة. وعلى مدار شهور، حاولوا غسل مخهم بقولهم: كل ما هو غربي شر. تدمير العدو هو ما يريده الله. ثم قادوهم إلى معسكر لبوكو حرام وسلحوهم برشاشات من طراز «AK-47».

أوضح مالام أنه أُجبر على مهاجمة مواقع عسكرية، لافتًا إلى أنه كان يغلق عينيه ويطلق النار بطريقة عشوائية. وقال إنه إذا أطلق الرصاص على الأرض، سيبدو تصرفه مشبوهًا. وإذا عاد برصاصةٍ في سلاحه، سيقتلونه.

استمر هذا النمط لمدة خمس سنوات قبل أن يخطط مالام مع أحد أصدقائه إلى الهرب، حيث انتظرا إلى أن غرق الحراس في نومهم ثم تسللا في الظلام، راكضين إلى أول قاعدة عسكرية في طريقهم. وقال مالام إن الجنود ضربوهما ببنادقهم وقيدوهما، كما تم توجيه الأوامر لهما بالركوع على ركبتيهما لمدة يومين. واختتمت الكاتبة مقالها بقولها: إن مالام غير متأكد من المدة التي احتجزته فيها قوات الجيش.ونقلت عنه قوله: «كنتُ قد هيَّأتُ عقلي لمواجهة الأسوأ. إذا أطلقوا سراحي؛ فحسنٌ. وإذا قتلوني؛ فلا بأس».

«ستراتفور»: ماذا تعرف عن الشيعة في نيجيريا؟ ولماذا يتظاهرون الآن؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد