كتبت أدينيك أولينرواجو، كاتبة ومحررة ورائدة إعلامية تعيش في نيويورك، مقالًا نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية حول تفاعل السينما النيجيرية (الملقبة بنوليوود) مع أحداث العنف التي ترتكبها جماعة بوكو حرام، مُسلِّطةً الضوء على فيلم «الحلابة»؛ أحد الأفلام المؤثرة التي أنتجتها السينما النيجيرية مؤخرًا.

تشير الكاتبة في البداية إلى أنه في فيلم الحلَّابة (The Milkmaid) النيجيري المثير للمشاعر، تُحتَجَز عائشة وزينب، وهما شقيقتان من قبائل «الفولاني» بوصفهما رهائن على يد متمردي بوكو حرام، الجماعة المتطرفة التي اختطفت في عام 2014، أكثر من 250 تلميذة من بلدة شيبوك. ومع المناظر الطبيعية الفاتنة؛ حيث جرى تصوير الفيلم في ولاية تارابا، في الجزء الشمالي الشرقي من البلاد، يروي الفيلم، الذي كتبه وأخرجه ديزموند أوفبياجيل، قصة مفعمة بالأمل في إمكانية المصالحة من ناحية، ومروِّعة من ناحية أخرى في رحلة الوصول إلى تلك المصالحة.

الفيلم أحدث عمل فني في مجموعة متزايدة من إنتاج السينما الأفريقية التي تركز على الخسائر المروِّعة التي يتسبب فيها أتباع بوكو حرام.

وبالإضافة إلى الحلابة، هناك فتى توصيل الطلبات (The Delivery Boy) من إنتاج «نيتفليكس»، والفتيات المسروقات: اللائي اختطفتهُن بوكو حرام (Stolen Daughters: Kidnapped by Boko Haram) على قناة «إتش بي أو»، وفتيات شيبوك (Daughters of Chibok)، وهو فيلم وثائقي قصير فاز بجائزة الأسد الذهبي عن أفضل قصة غامرة للواقع الافتراضي في مهرجان البندقية السينمائي في عام 2019.

وقد درس كل فيلم على حدة، حجم العنف الذي تسبب فيه الفصيل المتطرف في الأجزاء الشمالية من أكبر دولة في أفريقيا، من حيث عدد السكان، ودولتي النيجر، والكاميرون المجاورتين.

حذف المشاهد وتقليص العروض

وأشارت الكاتبة إلى أنه عندما أوصى المجلس المسؤول عن الأفلام في نيجيريا بحذف 25 دقيقة من اللقطات، من فيلم الحلَّابة، ثم تقليص العروض في دور السينما هناك في الخريف، سعى المنتجون والمخرج إلى جذب الجماهير في زيمبابوي والكاميرون، وحصل الفيلم في النهاية على جائزة أفضل فيلم بلغة أفريقية (تروى القصة بالكامل بلغة الهوسا والفولاني والعربية) في حفل توزيع جوائز أكاديمية الأفلام الأفريقية لعام 2020. كما رشَّحت نيجيريا الفيلم لجائزة الأوسكار الدولية للأفلام الروائية، على الرغم من أن الفيلم لم يصل إلى المرحلة النهائية.

وتوضح الكاتبة أنه على الرغم من الرقابة والتوزيع المقتطع، فإن فيلم الحلَّابة، وأفلام أخرى من هذا النوع الناشئ، قد وجدت جمهورًا من الشتات في الخارج.

يقول ماهين بونيتي، مؤسس مهرجان نيويورك السينمائي الأفريقي، الذي اختار الفيلم ليكون الاختيار الافتتاحي في الشهر الماضي لنسخة 2021: «إن فيلم الحلَّابة، مرتبط بخطاب اجتماعي معين نراه يتكشَّف أمامنا حاليًا. إننا نشهد تصاعدًا في التطرف والتعصب الديني، لا سيما بين الشباب، كما نشهد تفكك الأسر والروابط التي كانت تجمع المجتمعات في السابق معًا. ويتحلى صانعو الأفلام الشباب بالشجاعة ويروون هذه القصص الواقعية».

قصص الضحايا في المعاناة مع بوكو حرام

كان توسيع هذه القصص، وبالتحديد قصص ضحايا بوكو حرام، مهمًّا على نحو خاص لأوفبياجيل، الذي أخرج أيضًا فيلم الحلَّابة، على مدار ثلاث سنوات.

يقول أوفبياجيل، في مقابلة عبر الهاتف من لاجوس: «شعرتُ بأننا لم نسمع ما يكفي من ضحايا التمرد، ومَنْ عاشوا تلك الوقائع في الحقيقة». وأضاف: «إنهم ليسوا متعلمين دائمًا» مثل تلميذات شيبوك، و«معظمهم لا يحظون باهتمام دولي. لكن على الرغم من ذلك، فإن قصصهم تستحق أن تُسمَع أيضًا».

وهكذا، سعى أوفبياجيل إلى إعادة إبداع محنة ضحايا بوكو حرام بأفضل طريقة عرفها بصفته شخصًا قليل المعرفة الجوهرية بالأعمال الداخلية للمنظمة. وبعد أن نُقِل مجتمع من الناجين من ولاية بورنو الشمالية، إلى مكان بالقرب من منزله في لاجوس، أمضى شهورًا في جمع روايات مباشرة من الناجين، النساء والفتيات اللواتي كنَّ يجمعن شتات حياتهن معًا، كما قال، ويتعاملن مع واقعهن الجديد بوصفِهن يتيمات وأرامل وضحايا للاعتداء الجنسي.

كما طلب من المنظمات غير الحكومية المحلية التي تعمل مع ضحايا بوكو حرام أن تقدِّم تقييمًا صحيحًا للتحديات التي تواجهها الناجيات.

وتمضي الكاتبة إلى أنه في الحلَّابة، تقع الشخصية المشار إليها في عنوان الفيلم وهي الشابة عائشة (تلعب دورها أنتونيتا كالونتا)، مع شقيقتها زينب (تلعب دورها مريم بوث)، في أسْرِ متمردي بوكو حرام الذين يحوِّلون النساء إلى خادمات وزوجات للجنود في معسكر للمتمردين. وتتمكن عائشة من الهروب لكنها في نهاية المطاف تعود إلى المستوطنة لتجد زينب وقد أصبحت متشددة ومفعمة بحماسة شديدة، وصارت تجنِّد متطوعات للقيام بمهام انتحارية.

إنتاج السينما النيجيرية لا يخلو من الصعوبات

وتستدرك الكاتبة قائلة: لكن إبداع فيلم في «نوليوود» – وهو اسم صناعة الأفلام المزدهرة في نيجيريا – لا يخلو من التحديات. وستكون بعض عناصر إنتاج فيلم كامل مثل التمويل، والأعمال الورقية التي لا نهاية لها، وجذب الجمهور، مألوفة لصانعي الأفلام في كل مكان. لكن صناعة فيلم جاد عن التعصب الإسلامي في بلد نصف سكانه تقريبًا مسلمون، وحظيت فيه الأحداث الأخيرة من عنف له طابع ديني – بحسب وصف الكاتبة – باهتمام عالمي غير مرحب به، يجعل هذه المهمة شاقة على نحو خاص.

: كيف صورت السينما النيجيرية معاناة ضحايا الصراع مع بوكو حرام؟

وجادل أوفبياجيل، الذي كان مدفوعًا إلى إنتاج فيلم يجذب جمهورًا دوليًّا أكبر، معتادًا على إنتاج أفلام هوليوود الأنيقة ذات الميزانيات الكبيرة، بأن فيلم الحلَّابة، لم يكن من إنتاج نوليوود، بل هو الشكل الخاص بصناعة السينما في نيجيريا.

وتعود أصول صناعة الأفلام النيجيرية إلى الأسواق المحلية، حيث يلتقي رواة القصص ذوو الميزانيات المحدودة بسهولة بمشاعر المشاهدين المحليين. وحرصًا على جني الأرباح وتعويض القرصنة المتفشية، ينتج صانعو الأفلام المُتعجِّلون أفلامًا كاملة رديئة.

تدوين التاريخ الاجتماعي

ومع ذلك، تخدم الأفلام المكررة في بعض الأحيان غرضًا بعينه، كما أوضح الدكتور إيكيشوكو أوبيايا، الذي يدرس الإنتاج السينمائي، وهو مدير مركز دراسات نوليوود، في جامعة «بان أتلانتيك» في لاجوس. وقال إن نوليوود، كانت دائمًا «مؤرِّخة للتاريخ الاجتماعي»، مقتبسًا من صياغة الباحث السينمائي النيجيري، جوناثان هاينز.

تاريخ

منذ 8 شهور
حيث نشأت جماعة «بوكو حرام».. تاريخ «إمبراطورية برنو» الإسلامية المنسيَّة

وأضاف أوبيايا: «خلال سنوات نوليوود الأولى، غالبًا ما كان يُصوَّر حدث وقع منذ أسبوع واحد في فيلمٍ يُطرَح في السوق المحلية في الأسبوع الذي يليه. وقدَّمت الصناعة أفلامًا عن بوكو حرام. لكن أفلامًا مثل الحلَّابة، أظهرت نموًّا إبداعيًّا أكبر في الصناعة ككل، وأظهرت بدورها اهتمامًا أكبر من بقية العالم بالقصص النيجيرية».

وفي ختام مقالها، تشير الكاتبة إلى أن أوفبياجيل، يسعى لمواصلة إنتاج الأفلام التي يشعر بشغف تجاهها، ويأمل أن يخلق الفيلم انطباعًا دائمًا لدى المشاهدين. ويقول: «آمل أن يغادر الجمهور برؤية أعمق لتجارب، ودوافع كل من الضحايا، ومجرمي المنظمات المسلحة، وعلى وجه التحديد مرونة الناجين وسعة حيلتهم».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد