أفادت الأنباء أن أبا بكر شيكاو، زعيم جماعة بوكو حرام لسنوات طويلة، فجَّر نفسه في ليل الأربعاء. لكن الأنباء تواترت كذِبًا عن وفاته عدة مرات من ذي قبل.

نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» تقريرًا أعدَّته روث ماكلين، مديرة مكتب الصحيفة الأمريكية في غرب أفريقيا ومقره السنغال، وإسماعيل ألفا، مقدم برامج إذاعية، وشارك في إعداده المراسل الصحافي عثمان القلوي، تناولوا فيه الأنباء التي أفادت مقتل أبي بكر شيكاو، زعيم جماعة بوكو حرام النيجيرية، موضِّحين أنه فجَّر نفسه باستخدام سُتْرة ناسفة أثناء مواجهات ضد متمردين تابعين لـ«تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» ليتفادى الوقوع في حبائل الأَسْر.

وفي مستهل تقريرهم، أشار المراسلون إلى أنه عندما بدأت التقارير تظهر مساء الأربعاء لتفيد مقتل الزعيم الذي وصفه التقرير بالسفَّاح لجماعة بوكو حرام الإسلامية المصنفة جماعة إرهابية، نَبَذ عدد من النيجيريين هذه التقارير وراء ظهورهم على الفور.

الأمور مختلفة هذه المرة

وأفاد التقرير أنه طوال سنوات عديدة خلَت، أعلن الجيش النيجيري مقتل ذلك الزعيم، الذي يُدعى أبا بكر شيكاو، عدة مرات من قبل. ومن ثم يظهر الزعيم بعد أسابيع من الإعلان عن مقتله ليسخر من قاتليه المزعومين في خطاباتٍ لاذعة يبثها في مقاطع فيديو عبر الإنترنت.

يقول أبو بكر شيكاو مستنكرًا في عام 2018: «إذا كنتم قتلتمونا، فلماذا لم تزل تدب في أوصالنا الحياة؟»، وجاء ذلك بعد أن زعم ​​الجيش النيجيري أنه «اقتلع القلب وانتزع الروح» من جماعة بوكو حرام، التي قتلت عشرات الآلاف من الناس وشردت الملايين.

لكن هذه المرة تبدو الأمور مختلفة؛ إذ لم يعلن الجيش النيجيري عن مقتله. وفي الواقع لاذَ الجيش بالصمت طوال ساعات من ليل الأربعاء ويوم الخميس. كذلك لم يُعلَن عن مقتله في بعض مقاطع الفيديو التي تنتجها ولاية غرب أفريقيا التابعة لـ«داعش»، الجماعة المتطرفة المنافِسة لجماعة بوكو حرام، والتي تعرف أحيانًا باسم (ISWAP) وقد انشقَّت عن قيادته منذ خمس سنوات.

هل رحل حقًا؟

وبدلًا عن ذلك اتَّخذت التقارير مسارها تدريجيًّا إلى مدينة مايدوجوري، عاصمة ولاية برنو النيجيرية، ثم إلى المناطق من حولها، وكانت الألسنة تتناقلها، ومن ثم خرجت التقارير إلى العالم. وربما يكون الرجل الذي أحكم قبضته العنيفة على المنطقة لما يقرب من عقد من الزمان قد رحل حقًا هذه المرة.

واشتهر السيد شيكاو باختطافه فتيات شيبوك عام 2014، وهن 276 تلميذة اختُطِفن من إحدى المدارس الداخلية في جُنح الليل، وتعهد السيد شيكاو لاحقًا بأنه «سيبيعهن في السوق». وأُطلِق سراح معظم فتيات شيبوك، ولكن لم تزل أكثر من 100 فتاة في عداد المفقودين أو ما زِلْن في الأَسْر، إلى جانب عدد من الضحايا الآخرين الأقل شهرة، ولكنهم أصغر سنًّا في كثير من الأحيان. ورغم كل ذلك امتدت وحشية شيكاو إلى أبعد من ذلك بكثير؛ إذ عَمِد إلى التفجيرات الانتحارية، وغالبًا ما كان يُرسِل النساء، أو الفتيات، والمتفجرات ملفوفة على أجسادهن ليستخدمهن قنابل بشرية، وكان يفعل ذلك رغمًا عنهن، أو يخدعهن للقيام بذلك.

واستهدف المدنيين، بمن فيهم إخوانه المسلمين، إذ عَدَّ أي شخص غير موالٍ لبوكو حرام هدفًا مشروعًا له. وعُدَّت هذه التكتيكات متطرفة للغاية حتى من جانب قيادة «داعش» المركزية، التي بايعها السيد شيكاو في البداية، لكنها دعَمتْ خصومه في ولاية غرب أفريقيا التابعة لـ«داعش» بعد ذلك.

كيف مات إذًا؟

وذكرت التقارير التي وردت يوم الخميس أن السيد شيكاو، الذي حاصره مقاتلو «تنظيم الدولة الإسلامية» غرب أفريقيا في معقله وسط إحدى الغابات، أدرك أنهم يريدون الإمساك به حيًّا، فارتدى سترة ناسفة وفجَّر نفسه. وكانت هذه هي الرواية التي سمعها بونو بوكار، سكرتير جمعية الصيادين في ولاية برنو، الذي لعب دورًا رئيسًا في تسريح مقاتلي بوكو حرام، وهو على اتصال أيضًا بأعضاء سابقين وحاليين في الجماعة. وقال: «إن 200 عضو من أعضاء ولاية غرب أفريقيا مدجَّجين بالسلاح هاجموا مخبأ السيد شيكاو في غابة سامبيسا». 

Embed from Getty Images

يقول السيد بوكار: «عندما اكتشف شيكاو أن هؤلاء الأشخاص أقوياء جدًّا، وأدرك أيضًا أنهم ليسوا تابعين للجيش النيجيري، وأنهم مقاتلون تابعون لولاية غرب أفريقيا، خطَّط لاستخدام العبوات الناسفة. ولبِس سُتْرة وعليها جميع العبوات الناسفة وواجههم مباشرةً. وبعدما وقع الانفجار أضحى جسد شيكاو ممزقًا إلى أشلاء. كما فقدت ولاية غرب أفريقيا ما لا يقل عن 40 مقاتلًا من مقاتليها». 

وكان من بين الأشخاص الذين سمِع منهم السيد بوكار هذه الرواية إبراهيم مصطفى، الذي قاتل إلى جانب السيد شيكاو لمدة سبع سنوات، وبدوره سمعها السيد مصطفى من زملائه المقاتلين السابقين الذين سمعوها من زملائهم السابقين الذين كانوا لا يزالون في سامبيسا، ولا يزالون أعضاء في جماعة بوكو حرام. ولكن إشارات الهاتف الجوَّال التي يمكن استقبالها في سامبيسا ضعيفة، لذلك كان على المقاتلين على الأرض الذهاب إلى مكان معين لإبلاغ أصدقائهم في المدينة بهذه الأخبار. وهكذا توقفت تحديثات الأخبار.

وظل مقاتلو ولاية غرب أفريقيا لمدة محددة من الزمن في مهمة للسيطرة على معقل أبي بكر شيكاو، وفقًا للسيد مصطفى. يقول مصطفى: «لقد أغاروا على جميع القرى واحتلُّوها وصولًا إلى سامبيسا». ووردت رواية مماثلة في رسالة جرى تداولها بين أفراد الجيش النيجيري يوم الخميس واطَّلعت عليها صحيفة «نيويورك تايمز».

هل حقًا انتهى عهد من الوحشية؟

ومع ذلك ظل الشك يساور كثيرين. والتصريحات المُبهَمة التي ينشرها في كثير من الأحيان على «تويتر» أناسٌ مُطَّلعون لا تذكر أسماء بعينها. كتب أحمد سالكيدا، الصحافي النيجيري الذي غالبًا ما يُنسَب إليه الفضل – ويُنتَقد أحيانًا بسبب ذلك – في معرفة مصادر ممتازة داخل بوكو حرام: «ربما انتهى عصر من الوحشية كان يقوده شخص واحد». وفي مايدوجوري، اجتمع الناس في مجموعات صغيرة للتحدث عن الأخبار المتداولة، لكن معظمهم لم يأبه لها، وعَدُّوها شائعة كأية شائعة أخرى. ومن المحتمل أن تكون إنذارًا كاذبًا.

Embed from Getty Images

وفي إحدى محطات الوقود في صباح الخميس، ابتهجت امرأة بحذر عندما سمعت الخبر. وقالت إذا كان هذا صحيحًا، فإنها ستوزِّع صدقات على الفقراء. لكن لم تكن هناك احتفالات كبيرة حتى الآن.

ولم يزل إبراهيم حمزة يتذكر بوضوح لقاءه بالسيد شيكاو في ساحة مزدحمة في مايدوجوري في عام 2000. وقد جاء السيد حمزة إلى الساحة من أجل لعب كرة القدم، بينما جاء السيد شيكاو لتلاوة القرآن أو حِفْظه. ولم يكن الرجلان يعرفان بعضهما البعض في ذلك الوقت، لكن السيد شيكاو دفَع السيد حمزة دفعة قوية دون سبب واضح، وأخبره أنه سيعلِّمه درسًا. لكن السيد شيكاو وجماعته كان سيكون لهم تأثير لا تُمحى آثاره على السيد حمزة، لذا اضطر حمزة إلى الفرار هو وعائلته من مايدوجوري لمدة عامين.

يقول حمزة: «فقدتُ أخي وابن عمي وعمي الذين قتلتهم بوكو حرام. كما قتلوا أو شردوا آلاف الأبرياء، لا سيما النساء والأطفال. كيف يمكن أن يغفر الله لمثل هذا الشخص الذي لا تعرف الرحمة طريقًا إلى قلبه».

هل حانت نهاية بوكو حرام؟

ومن وجهة نظر كثيرين، وخاصة أولئك المرتبطين بالقوات المسلحة التابعة للبلاد، إذا كان السيد شيكاو قد مات بالفعل، فلن يكون ذلك بالضرورة تطورًا إيجابيًّا بوجه عام. وقد يعني ذلك أن ولاية غرب أفريقيا، القوية بالفعل، ستشكِّل تهديدًا أكبر بكثير لمايدوغوري والمدن الأخرى ذات الحامية العسكرية، كما يقول البعض. وإذا كان ذلك صحيحًا بالفعل، فإن موت شيكاو لن يمثِّل نهاية لبوكو حرام. يقول أودو بولاما بوكارتي، الخبير في شؤون الجماعات المتطرفة في أفريقيا في معهد توني بلير للتغيير العالمي، إنها «مجرد بداية لفصل جديد في تاريخ الجماعة».

كتب

منذ سنتين
«الهروب من الجحيم».. الناجيات من قبضة «بوكو حرام» يروين قصصهن

وقال: إن الحرب بين الفصائل أدَّت إلى مقتل المئات من أعضائها في السابق، وإذا استمر ذلك فستُضعِفهم هذه النزاعات. وأضاف: «سينتهي الأمر إلى وجود جماعتين عنيفتين تلتهم كل منهما الأخرى، وستكون هذه أخبار إيجابية لنيجيريا. ومن ناحية أخرى إذا تعاون هذان الفصيلان، يقول: «فسيفتح ذلك فصلًا أكثر فتكًا في وجه قوات الأمن». وقال إن ذلك سيجعل الفوز بمعركة الأفكار أمرًا صعبًا أيضًا على جماعة شيكاو، إذ تميل ولاية غرب أفريقيا إلى الاعتدال أكثر تجاه المدنيين.

كتب المحلل فينسينت فوشير في تقرير صدر مؤخرًا لمجموعة الأزمات الدولية موضحًا أنه «في حين كرَّه شيكاو المدنيين فيه بسبب عمليات الاستيلاء الغريبة والضخمة والعنيفة في كثير من الأحيان على الماشية والحبوب، استخدمت ولاية غرب أفريقيا طرقًا أخرى غير ذلك، وفرضت ضرائب نقدية أكثر عدلًا على التجارة والإنتاج الزراعي».

وتمنَّى أولئك الذين ذاقوا الويلات على يد السيد شيكاو أنه لم يُقتل بالطريقة التي وردت الأنباء يوم الخميس بشأنها، وشعروا أن هذه الطريقة كانت بمثابة مَخْرج سهل جدًّا له لينجو مما كان فيه، أو مما كان سيلاقيه. واختتم المراسلون تقريرهم بقول السيد حمزة: «كنت أتمنى لو قُبِض عليه حيًّا، وسُلِّم إلى السلطات العسكرية، واقْتِيد إلى مدينة مايدوجوري. من المؤكد أننا كنَّا سنسلخه حيًّا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد