نتيجة الصراع المسلح مع تنظيم الدولة الإسلامية، تحول العراق إلى بلد تستحوذ عليه المليشيات الأجنبية بمختلف أشكالها. حالة عدم الاستقرار تلك نتجت بداية عن حركة تمرد نجحت في الاستيلاء على ثاني أكبر مدن العراق – الموصل – في يونيو 2014 والتي سهلت فيما بعد ظهور تنظيمات مسلحة جديدة وزيادة قوة التنظيمات الأقدم على الساحة. على الرغم من مشاركة تحالف دولي يضم 60 دولة مختلفة في مواجهة الدولة الإسلامية بجانب حكومة العبادي في بغداد، لم ينجح هذا الأمر في تقوية موقف هذه الحكومة الهشة غير القادرة على فرض كلمتها على الميليشيات المسلحة في العراق، والتي أصبحت طرفًا رئيسيًا في مواجهة الدولة الإسلامية. واليوم، يبدو الموقف أكثر غموضًا مع فقد حكومة العبادي بعض الدعم الشيعي، حيث يمثل الشيعة الداعم الأساسي لهذه الحكومة.

الحكومة العراقية المتخبطة

في نوفمبر الماضي، باءت مخططات العبادي وأجندته التي طرحها على البرلمان العراقي (كان قد أعلن عنها في الصيف الماضي ردًا على تظاهرات معارضة له في بغداد) لمواجهة الفساد السياسي المتفشي في العراق بالفشل الذريع، حيث تم رفض مقترحه بتصويت جماعي. رفض البرلمان أظهر ضعف العبادي أمام الجميع بما فيهم معارضوه السياسيون، ما أدى بدوره إلى خلق صراع جديد – سياسي هذه المرة – وهو آخر ما كان يحتاجه هذا البلد في مثل هذا التوقيت.
الصراع على السلطة داخل العراق هو صراع شيعي بالكامل، لذا فإنه يعتمد على قوة التحالف مع إيران بالدرجة الأولى. ففي الوقت الذي يحرص فيه عبادي على استمرار قوة العلاقات مع أمريكا، يسعى معارضوه ومن بينهم رئيس الوزراء السابق نوري المالكي لتكوين تحالفات مع جبهات شيعية ذات علاقات قوية داخل إيران أملًا في استعادة السلطة.

متظاهرون عراقيون مؤيدون لعبادي في مدينة البصرة (أغسطس 2015)

الصراع الشيعي المتشعب على السلطة امتد ليجعل من الميليشيات الشيعية قوات الأمن الأساسية داخل البلاد، أسهم في ذلك الكثير من العوامل بينها انتقال السلطة من المالكي لعبادي، بالإضافة إلى انهيار نظام صدام سابقًا وهو سبب رئيسي أيضًا.

قوة هذه التنظيمات غير الحكومية مع ضعف الحكومة المركزية في بغداد أدى إلى اهتزاز العملية الديمقراطية، فالديمقراطية بالأساس تشترط وجود توافق سياسي بين مختلف أطياف المجتمع، وهو ما يغيب عن المشهد العراقي إلى حد ما، مع مجتمع مقسم بين الكثير من الطوائف والأعراق، ما يجعل استمرار هذا التوافق أو بعض منه، الحاجز الوحيد لمنع اندلاع حرب أهلية.

لسوء الحظ، فإن نظام تداول السلطة في العراق – الذي أسسته ودعمته الولايات المتحدة – أثبت فشله في خلق حالة من الاستقرار والوحدة في العراق. أسس هذا النظام على مدار الأعوام السابقة لعدم وجود تمثيل ديمقراطي حقيقي لكل الأطياف، بل خلق حكومة متخبطة نتيجة لنقص تمثيل الأحزاب والأطراف الأخرى، ما جعل من عملية اتخاذ القرار أمرًا صعبًا وغير دقيق في أغلب الأحيان.

عبادي ذو الأيدي المرتعشة

منذ تشكيل حكومة عبادي في سبتمبر 2014، حاول عبادي بشتى الطرق تشكيل مبادرات سياسية ومحاولة توطيد العلاقات مع كل الأطراف سواء في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية أو على الصعيدين السياسي والاقتصادي. على النقيض تمامًا من المالكي الذي كان يفضل السيطرة على السلطة، بدا دور عبادي ضعيفًا داخل حزبه وائتلافه البرلماني اللذين رأسهما سابقًا. فشل العبادي في دفع مبادرة إنشاء الحرس الوطني العراقي، والذي كان مطلبًا سنيًا رئيسيًا لإنشاء نظام تجنيد وطني على مستوى محافظات العراق، جعل من القوى السنية في العراق تؤمن بأنه رئيس وزراء مرتعش الأيدي غير قادر على تحقيق مطالبهم.


خرجت الكثير من التظاهرات في الصيف الماضي في شوارع بغداد وجنوب العراق؛ احتجاجًا على الفساد المستشري ونقص الخدمات الأساسية كالكهرباء خصوصًا مع شدة حرارة الصيف في العراق. مع انتشار حالة الاستياء تلك بين العراقيين، صرح آية الله علي السيستاني – أكبر الرموز الشيعية وأكثرها نيلًا لاحترام الشيعة – بضرورة إجراء إصلاحات حكومية لمواجهة الفساد. قام العبادي بعد ذلك باختيار خاطئ؛ فبدلًا من توجيه جهوده نحو اتخاذ قرارات تساعد على استقرار العراق وإرضاء الأطراف الغاضبة، قام عبادي بالاستفادة من سلطته في إقصاء خصومه، فقام بإلغاء نواب الرئاسة العراقيين الثلاثة في أغسطس الماضي، ما تم اعتباره طريقة لإقصاء الأطراف الأخرى.

حفظًا لماء الوجه، قامت الطبقة السياسية العراقية بتدعيم قرارات العبادي التي تم تفسيرها على أنها مُحارِبة للفساد، ولكن على الرغم من ذلك وداخل الغرف المغلقة، كان هناك تساؤل واضح للجميع: من أين استمد عبادي هذه القوة والثقة لكسر القيود السياسية المفروضة عليه. كانت حزمة عبادي الإصلاحية بمثابة مفاجأة للجميع حيث قام باتخاذ هذه القرارات دون التوافق مع أطراف أخرى. مع الوقت اتضحت إجابة هذا السؤال أكثر فأكثر: الدافع الأساسي وراء هذه القرارات لم يكن الدعم الأجنبي الذي يحظى به عبادي، ولكنه أراد تدعيم موقفه أمام خصومه السياسيين الذين كانوا قد بدؤوا بالفعل توحيد الجهود للإطاحة به.

حرص العبادي دائمًا على استمداد سلطته من النجف – المركز الشيعي الرئيسي في العراق – بدلًا من أن يستمده من مواقفه وقراراته السياسية، فدائمًا ما كان العراق دولة دينية، على الرغم من أن رجال الدين ليسوا أصحاب القرار في البلاد، إلا أن عدم وجود دعم ضمني من المؤسسات الدينية للسياسيين يعني النهاية المحتملة بالنسبة لهم. إبعاد المالكي عن رئاسة الوزراء كان مثالًا واضحًا لما نتحدث عنه هنا، حيث دفعت أخطاؤه القيادة الدينية إلى التدخل لمنعه من الحصول على فترة ولاية ثالثة. كذلك كان دعم السيستاني بمثابة الوقود المحرك لنفوذ عبادي السياسي، والذي كانت سببًا رئيسيًا أيضًا لقدرته على استصدار حزمة القرارات تلك التي أقصت معارضيه. على الرغم من ذلك، فإن تأييد السيستاني وحده لن يكون كافيًا لتمكين عبادي من هزيمة الجمود المتأصل في النظام العراقي ومصالح الطبقة السياسية في العراق.

تمامًا كما هو الحال مع المالكي في 2006، كان صعود عبادي لرئاسة الوزراء بمثابة حل توافقي من بين القوى الشيعية الكبرى، ولم يكن صعوده نتيجة لقاعدة شعبية حقيقية أو تأييد حزبي واسع، لم يكن هناك تطلع من إحدى هذه السلطات للعبادي بشخصه، ولكنها كانت أشبه بعملية تغيير إجبارية، ولكن على عكس عبادي، كان وجود الجيش الأمريكي بمثابة دعم قوي للمالكي أمام معارضيه وبمثابة مصدر أمان لحكومته.

في 2008، اختار المالكي مواجهة المرجع الشيعي مقتدى الصدر ومليشيا جيش المهدي التابعة له، على الرغم من أن الولايات المتحدة قد نصحته بعكس ذلك. قوى هذا القرار من موقف المالكي لدى واشنطن وجعلها تصفه بالرجل الوطني، ولكن هدف المالكي لم يكن بناء الأمة كما شبهت أمريكا الأمر، بل كان الهدف الأساسي توطيد حكمه وبناء نظام قوي فقط.

ومع غياب أداة الدعم الأمريكي التي حظي بها المالكي عن عبادي، ركز عبادي جهود توطيد سلطته على طريق الإصلاحات السياسية، بعبارة أخرى فإن ما يقوم به عبادي من مشاريع لمواجهة الفساد في النظام العراقي يهدف بالأساس لتأسيس قواعد حكمه، ومحاولة كسب قدر من الدعم السياسي الدولي من الغرب. أحد أمثلة هذا الأمر هو قيامه بحملة إصلاحات واسعة داخل الجهاز الأمني العراقي قام على أثرها باستبدال الكثير من القيادات بدعوى محاربة الفساد والمحسوبية، وفي واقع الأمر لم يكن هدف هذه التغييرات سوى بناء نظام موالٍ له بالكامل بدلًا من وجود موالين للمالكي داخل النظام. على الرغم من أن المالكي وعبادي من نفس الحزب الشيعي، إلا أنه كان على عبادي القيام بهذه التغييرات لإبعاد خطر الإطاحة به.

الميليشيات الشيعية والإستراتيجية الدورية

إلى جانب خطر الدولة الإسلامية وحرب الدولة معها، ظهر على الساحة خطر آخر وهو الميليشيات الشيعية. كان السبب الرئيسي لظهور المليشيات الشيعية من جديد هو ضعف أداء الجيش العراقي في مواجهة المتمردين السنة في 2013 وأوائل 2014. هذا الضعف، إلى جانب كفاءة المقاتلين الشيعة وعلى رأسهم حزب الله، وإثبات هذه الكفاءة في الحرب السورية إلى جانب نظام بشار الأسد، قاد ذلك المالكي إلى الاقتناع بأن مواجهة المتمردين السنة لن يأتي إلا عن طريق مليشيا شيعية. أصبح وجود هذه المليشيات أمرًا أساسيًا مع استمرار وجود المتمردين السنة، كما أصبح استمرار المتمردين السنة أساسيًا ليواجهوا الميليشيا الشيعية، فأصبح الأمر يبدو كحلقة مفرغة.

مع اكتمال الانسحاب الأمريكي من العراق في ديسمبر 2011، دعمت إيران الميليشيات الشيعية فحافظت الميليشيات تتحول إلى تكوين سياسات تضمن بقاءها. ومع تطور الحرب في سوريا إلى حرب طائفية وإقليمية وتشابه المشهد العراقي مع نظيره في سوريا، خلق هذا الأمر بيئة خصبة لاستمرار الميليشيات الشيعية بدعم من السلطة. حرص مقاتلو هذه الميليشيات على القتال في سوريا ضد التنظيمات السنية قبل الانتقال للعراق مجددًا مع سقوط الموصل في قبضة الدولة الإسلامية في يونيو 2014.

مع ذلك، شكل سقوط الموصل، وسط فرار جماعي للكثير من فصائل الجيش العراقي؛ بيئة خصبة تماما لتشكيل الميليشيات في العراق، أصدر السيستاني فتوى تدعو العراقيين للتطوع والدفاع عن الدولة. ما سيؤدي إلى تعزيز قوة الميليشيات المدعومة من إيران مثل منظمة بدر، وعصائب أهل الحق وكتائب حزب الله، بل ظهور المزيد من الميليشيات. تختلف الميليشيات في علاقتها مع الدولة عن التنظيمات المعادية كالدولة الإسلامية؛ ففي الوقت الحالي تعتبر امتدادًا للنظام العراقي الحالي وتملك تحالفات دولية وتمثيلًا برلمانيًّا، لدرجة أن الولايات المتحدة تمدهم بمساعدات عسكرية مباشرة، أيضًا وزير الداخلية العراقي، محمد الغبان؛ هو أحد أعضاء منظمة بدر (أقوى الميليشيات العراقية).
تظهر الميليشيات عادة في الدول الضعيفة أمنيًا وعسكريًا غير القادرة على مواجهة المتمردين، ولكن يبقى السؤال دائمًا في كيفية احتواء هذه الميليشيات فيما بعد ونزع سلاحها وتحويلها من شكلها القائم إلى إعطائها صيغة رسمية. خلال سنوات سيطرة الولايات المتحدة على العراق، حرصت واشنطن على دمج الميليشيات داخل الجيش العراقي، إلا أنها فشلت في خلق دمج حقيقي يمنع تكوين شبكات داخل الجيش وقيام الجيش على أساس طائفي.

العلاقة المستمرة بين التمرد السني والميليشيات الشيعية تقلل من سيادة الدولة وتزعزع استقرار البلاد، كما تؤدي لخسارة نظام العبادي لمزيد من السلطة الأمنية، ما يجعله حليفًا ضعيفًا بالنسبة للولايات المتحدة. اليوم، يوجد في العراق أكثر من 50 مليشيا تحت مظلة الحشد الشعبي، الذي من المفترض أنه يتبع رئيس الوزراء تنظيميًا، ولكن في الواقع، فإن سيطرة إيران على هذه الميليشيات تتجاوز سيطرة عبادي بكثير، فعلى سبيل المثال، الحملة العسكرية التي بدأتها الميليشيات في تكريت في مارس الماضي لم تكن بإذن أو حتى بعلم رئيس الوزراء أو وزير الدفاع العراقيين.

على الرغم من سيطرة تنظيم الدولة الإٍسلامية على ثلث مساحة العراق، إلا أنها لا تمثل خطرًا حقيقيًا على نظام عبادي، بل إن الخطر الحقيقي هو تلك الميليشيات الشيعية التي تسعى للسلطة، ومع ذلك يحرص عبادي على هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية تحت قيادته، أملًا في كسب السلطة والهيبة السياسية.

على الرغم من كون تكوين حكومة وحدة في بغداد أمرًا بعيد المنال، سواء تحت حكم عبادي أو أي حكومة مستقبلية، ما زالت الدولة العراقية تثبت فقدانها السيطرة وتتابع صامتة تقسيم السلطة بين الأطراف المتنازعة داخليًا، وما زالت واشنطن تخطئ مرة أخرى في تشخيص الخطأ الرئيسي داخل العراق بتخيلها أن تنظيم الدولة الإسلامية هو الخطر الوحيد داخل العراق، وتجاهل خطر النزاع على السلطة بين كل هذه الأطراف، وتناسي خطر تزايد أعداد تلك الميليشيات وما يمكن أن يؤول إليه الوضع حتى بعد هزيمة الدولة الإسلامية. صناع السياسة في الولايات المتحددة دائمًا ما يحذرون من تهميش الحكومة العراقية وتمويل الأطراف في العراق بشكل مباشر، سواء كانوا من المتمردين السنة أو الأكراد أو الميليشيات الشيعية، لذلك فمسئولية الحفاظ على وحدة العراق هي مسئولية جماعية، ولن يؤدي ما يحدث حاليًا إلا إلى المزيد من التفتت داخل العراق حتى ولو هزمت الدولة الإسلامية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد