أعد الصحافي مايكل موران تحليلًا نشرته مجلة «فورين بوليسي» يقول فيه إن غضب باريس بشأن معاهدة أوكوس هو نفاق صارخ بالنظر إلى تاريخ فرنسا في بيع الأسلحة على الرغم من اعتراضات حلفائها، وأوضح موران أن الفرنسيين أفضل مَن يمثل دور الغاضب.

يُقال إن وزارة الخارجية الفرنسية علمت بشأن توقيع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا معاهدةً دفاعيةً جديدةً – المعروفة باسم أوكوس – من خلال التقارير الإعلامية. ترى فرنسا أن المعاهدة صفقة أنجلوسكسونية غادرة تزود أستراليا بتكنولوجيا غواصات نووية وتسمح للأستراليين بالتخلي عن عقد، وصفه التحليل بالسيئ، بقيمة 65 مليار دولار لشراء 12 غواصة باراكودا ديزل كهربائية فرنسية التصنيع. تعد هذه ضربة كبيرة لصناعة الأسلحة الفرنسية، ثالث أكبر صناعة في العالم بعد الولايات المتحدة وروسيا، وضربة أكبر للديك الفرنسي.

دولي

منذ شهرين
«نيويورك تايمز»: بعد فشل صفقة الغواصات.. هل لا تزال فرنسا قوة عظمى؟

صدرت بيانات استياء من مسؤولين فرنسيين بارزين وشخصيات عامة. وأعلن وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان أن الأمر يتسم بـ«الازدواجية». فيما وصف السفير الفرنسي في واشنطن، فيليب إتيان، ما حدث بـ«الخيانة والإذلال علنًا»، بحسب الزعيمة اليمينية الشعبوية مارين لوبان.

ولزيادة تعبيرها عن الغضب، استدعت باريس سفيرها، وهي خطوة كانت محفوظة ذات مرة للحظات عندما وجدت دولتان نفسيهما على شفا الحرب. ولكن بعد بعض الدبلوماسية الهاتفية السريعة بين الرئيس الأمريكي جو بايدن والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، عاد السفير الفرنسي فيليب إيتيان إلى واشنطن، بعد أن أمضى إيتيان أسبوعًا في التنفيس والشكوى بشأن سوء معاملته على أيدي «الأنجلو ساكسونيين»، بحسب تعبير الكاتب. ربما بدأ الفرنسيون يدركون أن سجلهم الخاص في التعامل المزدوج في سوق الأسلحة العالمي لم يعد خافيًا على أحد.

تاريخ فرنسا حافل بالازدواجية

قبل بضع سنوات فقط، في عام 2014 – كما يشير موران – كانت إدارة أوباما تصارع كارثة تصميم باريس على بيع حاملتي هليكوبتر كبيرتين لروسيا. حدث ذلك بعد أشهر فقط من غزو روسيا لشبه جزيرة القرم والاستيلاء عليها، ادعى وزير الدفاع الفرنسي آنذاك، وهو نفسه لودريان الذي يشتكي من الازدواجية اليوم، أن الصفقة ستتم لأن فرنسا ستعمل فقط على تسليم «هياكل مدنية» غير مسلحة للبحرية الروسية.

Embed from Getty Images

استغرق الأمر أربعة أشهر أخرى حتى ألغى الفرنسيون فعليًّا بيع حاملتي طائرات من طراز ميسترال إلى موسكو، وردت باريس الدفعة الأولى البالغة 1.2 مليارات دولار التي دفعتها روسيا. لولا مغامرات بوتين في شبه جزيرة القرم، وعلى الرغم من الحجج القوية من المسؤولين الأمريكيين وحلفاء فرنسا في أوروبا الشرقية في الناتو، فإن السفينتين كانتا ستحملان الراية البحرية الروسية.

ويشير الكاتب إلى أن هذه ليست المرة الأولى التي تختار فيها فرنسا تجاهل مخاوف حلفائها في متابعة مبيعات الأسلحة. حدثت حلقة أكثر أهمية في عام 2009، عندما أبرم الفرنسيون صفقة غواصة نووية مع البرازيل. من السهل نسيان أمر الصفقة بالنظر إلى الفوضى التي تعرضت لها البرازيل منذ ذلك الحين، ولكن معدل النمو الكبير آنذاك والحديث عن اقتصادات البريكس الناشئة (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا) دفعا الرئيس البرازيلي في ذلك الوقت، لولا دا سيلفا، إلى الاعتقاد بأن القليل من استعراض القوة الصاعدة قد يكون في محله. لذلك، أمر بشراء غواصة هجومية تعمل بالطاقة النووية، وكان الفرنسيون سعداء للغاية ببيعها له.

أثار هذا بعض المخاوف في بريطانيا – كما يكشف موران – التي لا تزال تحتفظ بالسيادة على جزر فوكلاند، الأرخبيل الذي خاضت عليه حربًا شرسة قصيرة بعد استيلاء الأرجنتين على الجزر في عام 1982. في ذلك الوقت، على الرغم من أن البحرية الملكية نزفت من أجل استعادة السيطرة على الجزر، فإن الأدميرالات البريطانيين لم يخشوا إرسال أسطول إلى جنوب المحيط الأطلسي لمواجهة الأرجنتينيين. تدعم البرازيل مطالبة الأرجنتين المستمرة بالجزر، وعلى الرغم من أنها ليست معادية للمملكة المتحدة، إلا أن وجود غواصة نووية برازيلية يغير الحسابات الإستراتيجية في المنطقة. وكذلك تم اكتشاف النفط قبالة جزر فوكلاند في عام 2010.

Embed from Getty Images

قد تكون مخاوف بريطانيا بشأن جنوب المحيط الأطلسي في غير محلها، لكن الحقيقة هي أن فرنسا لم تهتم على أي حال. يستمر اليوم البناء في غواصة الهجوم النووي الوحيدة في البرازيل، إس إس إن ألفارو ألبرتو، ولن تدخل الخدمة حتى عام 2034. تقول التقديرات الحالية أن الغواصة ستكلف 7.4 مليارات دولار، وهو ما لا يعوض 65 مليار دولار خسرتها فرنسا في صفقة فرعية مع أستراليا أو 1.2 مليارات دولار كان يتعين عليها سدادها لبوتين.

الأسلحة الفرنسية أصبحت مكلفة للغاية

كما أشار الكثيرون، على المدى الطويل، ربما تكون أوكوس أكثر منطقية لأستراليا – والمصلحة الغربية الأوسع في مواجهة السلوك العدواني للصين في منطقة آسيا والمحيط الهادئ – من الاستمرار في بناء القوارب الفرنسية التي تضاعفت تكلفتها بالفعل بسبب التأخير، والخدع المعتادة في صناعة الدفاع. يتماشى هذا أيضًا مع عقيدة بايدن الجديدة، والتي يمكن وصفها على أفضل وجه بأنها: «افعل الشيء الصحيح، لكن افعله بشكل سيئ جدًّا».

كما هو الحال في الانسحاب الفاشل من أفغانستان – كما يقول موران – والتراجع الجزئي فيما يتعلق بخط أنابيب نورد ستريم 2 في ألمانيا – وهو نصر إستراتيجي روسي توسلت أوكرانيا وبولندا للولايات المتحدة لمقاومته – يبدو أن النتيجة النهائية من قرارات بايدن الرئيسية في السياسة الخارجية حتى الآن هي الرضوخ للأمور التي لا مفر منها لكنها تثير غضب الجميع. الآن الفرنسيون غاضبون أيضًا، ولكن بالنظر إلى تعاملاتهم السابقة في مجال الأسلحة، من الصعب التعامل معهم بجدية تامة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد