قالت سوداف تشودري في تقرير لها على موقع «ميدل إيست آي» إنه قبل عام، أمر ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بالإفراج عن 2100 باكستاني من السجون السعودية. بيد أنه من غير الواضح عدد الأشخاص الذين عادوا بالفعل. وإليكم ترجمة المقال كاملًا:

يجلس محمد سعيد على السرير، وينظر إلى صور والدته المحتجزة في أحد السجون السعودية منذ ثلاث سنوات. لسنوات، كانت والدة سعيد زهرة نافين، وهي ربة منزل، تتوق لأداء العمرة، لكنها لم تكن قادرة على تحمل تكاليف الرحلة.

لذلك عندما التقت نافين بامرأة تدعى بومي في محل ملابس محلي أخبرتها أنها يمكن أن تغطي كامل تكلفة الرحلة، يقول أصدقاء سعيد ونافين إنها أمسكت في هذه الفرصة. أوضحت رفت، إحدى الجيران، لميدل إيست آي أن: «زهرة امرأة لطيفة. لم تر سوى الخير في الناس. لقد انخدعت».

فقط عندما كانت نافين في طريقها إلى السعودية، كشف شخص مسافر معها عن وجود مخدرات في حقيبتها وأن ابنها سالم محتجز من قبل شركاء بومي في باكستان. وهُددت بأنها إن نطقت بكلمة لدى هبوطهم، ستتعرض حياة سالم للخطر.

Embed from Getty Images

«لم يجر تفتيشي أو استجوابي في إسلام أباد، لكنني اشتبهت في وجود خطب ما. كنت أعرف أنه إذا تحدثت، فإن ابني سيتضرر». كشفت نافين لميدل إيست آي من سجن ذهبان المركزي في جدة، حيث يُسمح لها بإجراء مكالمات منتظمة إلى وطنها.

نافين واحدة من بين 3240 سجينًا باكستانيًا محتجزين حاليًا في السجون السعودية، وفقًا لآخر الأرقام الصادرة عن وزارة الخارجية الباكستانية.

العديد من هؤلاء، كما يقول نشطاء حقوق الإنسان، هم أشخاص مثل نافين ذهبوا إلى المملكة للوفاء بالواجبات الدينية أو للعمل، ولكن بدلاً من ذلك انتهى بهم المطاف في السجن، وغالبًا ما يكون ذلك نتيجة لقيامهم بدور مهربي مخدرات.

بعد مرور عام

هؤلاء السجناء هم محط تفاوض بين المسؤولين السعوديين والباكستانيين. فخلال زيارة قام بها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى إسلام أباد قبل عام، أثار رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان محنة السجناء. وأثناء وجوده في البلاد، أمر ولي العهد بالإفراج عن 2100 سجين.

لكن حتى الآن، من غير الواضح عدد الذين عادوا بالضبط. تقول وزارة الخارجية الباكستانية إن 2080 عادوا في حين قدرت وزارة المغتربين الباكستانيين الرقم بـ1790. وتقول الوزارتان إن أرقامهما تستند إلى قوائم شاركتها الحكومة السعودية.

سألت ميدل إيست آي المسؤولين في الوزارتين مرارًا وتكرارًا عن سبب اختلاف أرقامهما، لكن لم نحصل على إجابات واضحة. بسبب الإحباط من هذا التضارب وما يصفونه بأنه نهج الحكومة غير المجدي، يطالب الأقارب ودعاة حقوق الإنسان بمزيد من العمل والشفافية.

 

سارة بلال هي المديرة التنفيذية لمشروع العدالة في باكستان، وهي منظمة غير ربحية اتخذت إجراءات قانونية لإجبار الحكومة على بذل المزيد من الجهد والتحقق من الأرقام الصادرة عن الوزارات. تقول سارة: «لقد عاد أقل من 5% من الباكستانيين المعتقلين إلى وطنهم منذ العفو الملكي. ومن غير الواضح سبب تأخر الإفراج عن البقية».

مليارات الدولارات على المحك

منذ عقود، يتجه الباكستانيون إلى المملكة العربية السعودية بحثًا عن فرص عمل. ويعيش الآن 2.7 مليون باكستاني في المملكة، ويُقال إنهم أرسلوا أكثر من 3.7 مليار دولار في شكل تحويلات العام الماضي.

بالإضافة إلى التحويلات، أصبحت المملكة أكثر أهمية للاقتصاد الباكستاني بعد تقديم 6 مليارات دولار في صورة قروض أواخر عام 2018 لتجنب أزمة ميزان المدفوعات. بعد ثلاثة أشهر، وخلال زيارة ولي العهد السعودي لباكستان، وقعت المملكة صفقات بقيمة 20 مليار دولار أخرى.

يقول نشطاء إنه في وسط هذا كله سجناء باكستانيون في المملكة عالقون في أرض محرمة تطغى عليها البيروقراطية والحواجز اللغوية. وقالت سارة: «إذا كنت مواطنًا أجنبيًا في أي سجن، فأنت في وضع غير مؤات للغاية لأنك لا تفهم النظام القانوني».

بموجب معاهدة دولية موقعة في الستينيات، هناك مجموعة محددة من الالتزامات المطلوبة من الدولة المضيفة التي لديها مواطنون زائرون في مثل هذه الحالات. لكن الواقع مختلف بعض الشيء عما هو موجود على الورق.

أضافت: «إن القيود المفروضة على الموارد اللازمة لتوكيل محامين أو الحصول على مساعدة قانونية تعني أن العملية برمتها موجهة ضد السجناء، لأن المحتجز ليس لديه شبكة دعم. لذلك، فهي بطبيعتها غير ملائمة».

وفقًا لتقرير هيومن رايتس ووتش لعام 2018، فشل المسؤولون السعوديون في إبلاغ القنصل الباكستاني مرارًا عند اعتقال مواطنين باكستانيين، تاركين العبء على المعتقلين وأفراد أسرهم.

قالت زهرة و18 سجينة باكستانية أخرى محتجزة معها لميدل إيست آي، إنهن لم يتلقين اتصالًا مع أي مسؤول حكومي باكستاني منذ دخولهن السجن. لقد كن يتعاونّ مع مشروع العدالة لبدء حوار مع الحكومة، ولكن حتى الآن دون جدوى.

ابتلاع أحجار كريمة

في ريف كاسور على مشارف لاهور، يخبرنا بابار، الذي رفض ذكر اسمه الأخير، عن والدته بلقيس، التي قُبض عليها في جدة في عام 2017 بعد أن عثر مسؤولو الجمارك على المخدرات في معدتها.

لم يتحدث بابار لفترة طويلة: سرعان ما تواصلت معهم بلقيس من السجن. وقالت إن محنتها بدأت في المصنع حيث عملت وكونت صداقة مع امرأة تدعى شاجفتا.

قامت شاجفتا، بدورها، بتقديم بلقيس إلى صديقها وسيم، وعرضا عليها زيارة مجانية إلى الأرض المقدسة. المطلوب منها فقط ابتلاع بعض الكبسولات قبل رحلتها وسيتسلمها شخص في السعودية بمجرد عبورها.

سياسة

منذ 10 شهور
بعد إلغاء الحكم الذاتي عن كشمير.. هل تتخلى السعودية والإمارات عن باكستان؟

قالت بلقيس: «ادعت أن الكبسولات تحتوي على أحجار كريمة. كان عليّ أن ابتلعها حتى أتجنب الجمارك. أعلم فيمَ تفكرون. أنا لست مجنونة. لقد اعتقدت بصدق أن هذه المرأة وزوجها كانا يساعدانني في تحقيق رغبتي بوصفي مسلمة للذهاب إلى مكة».

وقال بابار: «لماذا لم تُفتش والدتي في مطار لاهور؟ لقد ظلت في السجن لمدة عامين بعد وقوعها ضحية لهذين الزوجين المجرمين».

Embed from Getty Images

وأشار إلى أنه لو كان قد جرى استجواب والدته في باكستان، لما وقعت في الفوضى التي تعيشها اليوم، «ليس لدينا أي مساعدة قانونية أو محام. لا أعرف ماذا سيحدث. أخشى بشدة على مستقبلها».

أعتُقلت بلقيس مع اثنين من الصبية الصغار وزوجين آخرين، وجميعهم من الباكستانيين الذين كانوا على نفس الرحلة. وقد أعيد الصغيران، عبد الرحمن وعبد الأمان، إلى باكستان في عام 2018.

عندما عادا، لم يتمكن الصبيان اللذان تبلغ أعمارهما الآن خمس وتسع سنوات من سرد ما حدث في المملكة بسهولة لأنهما لم يفهما اللغة العربية.

قال سهيل يافات، محقق في مشروع العدالة في باكستان: «عانى الصبيان من صدمة شديدة. ولم يتلقيا أي رعاية بعد من السلطات. إن العديد من العائلات، بمجرد عودة أحبائهم مرة أخرى، لا ترغب في مناقشة القضية أكثر من ذلك بسبب التهديدات والقلق من أن الوضع قد يتكرر».

أرقام متضاربة

حتى الآن، بعد مرور عام على إثارة عمران خان مخاوفه بشأن السجناء مع محمد بن سلمان، هناك تباين مستمر بين المسؤولين الباكستانيين حول عدد مواطنيهم المتبقين في السجون السعودية.

سألنا السيد ذو الفقار بخاري، وزير المغتربين الباكستانيين، عن سبب أن وزارته – التي تقول أنه تم إطلاق سراح 1790 باكستانيًا – لديها أرقام مختلفة عن إدعاءات وزارة الخارجية بأن 2080 قد عادوا إلى بلادهم.

Embed from Getty Images

وأصر على أنه كان وضعًا معقدًا، وأن التأخير والارتباك كانا بسبب السعودية. وقال: «أتفق مع المنظمات غير الحكومية على أن السلطات السعودية كانت بطيئة في البداية. لقد كانوا بحاجة إلى آلية للتعامل مع الأمر». وقد طلبنا من وزير الخارجية شاه محمود قريشي التعليق على التباين في الأرقام، لكنه رفض.

كما طلب ميدل إيست آي مرارًا وتكرارًا من السفارة السعودية في إسلام أباد الإجابة عن سلسلة من الأسئلة، بما في ذلك سبب اللغط حول العدد الرسمي للباكستانيين في السجون السعودية ولماذا يتم احتجاز الكثير منهم، لكن مسؤولي السفارة رفضوا التعليق.

تقول بلال إنه بعد تحقيقاتها، تعتقد منظمتها أن 500 سجين يتم عدهم من قبل الوزارتين قد عادوا بالفعل قبل العفو الصادر من ولي العهد السعودي. قدمت المنظمة التماسًا في المحكمة لمواصلة التحقيق في قائمة الحكومة.

وأضافت: «الكرة الآن في ملعب الحكومة الباكستانية للتواصل مع السلطات السعودية للحصول على بعض الوضوح بشأن هذه القضية. لم تكن هناك متابعة مستمرة من قبل الحكومة للتحقق من القائمة التي شاركت فيها السلطات السعودية. وأعتقد أنه بالنظر إلى حقيقة أن السعوديين أصدروا قائمة من 500 وقبول الباكستانيين بها، فهذا يعني أن أيا من عمران خان أو ولي العهد السعودي لا يفهم أو يعرف التفاصيل الحقيقية حول هذه القضية. أعتقد أنهما إذا كانا كذلك، فسيكونان في حرج بالغ».

اليد العليا

تنتظر باكستان حاليًا موافقة الحكومة السعودية على قيام المسؤولين في وزارة المغتربين الباكستانيين بزيارة السجون في المملكة، لكن المسؤولين قالوا إنهم يتوقعون القيام برحلتهم هذا الشهر.

مع مرور الوقت، يقول المحللون إنه أصبح من الواضح أن إسلام أباد تفتقر إلى القدرة على إحداث تغيير حقيقي في الموقف.

قال طلعت مسعود، وهو جنرال متقاعد ومعلق باكستاني، لميدل إيست آي إن الجهود المتوقفة تجعل قيادة البلاد في وضع سيء، «ليس جيدًا لباكستان أن الكثير من مواطنيها يقبعون في سجن دولة صديقة. سيكون السعوديون قلقين من أن خطوة إعادة السجناء الباكستانيين قد تشكل سابقة بأن القوانين يمكن تجاوزها».

وقال مايكل كوجلمان، نائب مدير برنامج آسيا وكبير زملاء جنوب آسيا في مركز ويلسون ومقره واشنطن العاصمة، إن المملكة العربية السعودية لها اليد العليا.

وأكد كوجلمان: «لا أعتقد أن إسلام آباد في وضع يسمح لها بالشكوى من أي تأخير متوقع، بالنظر إلى أن المملكة ما زالت تفرج عن سجناء، وإن لم يكن بالسرعة التي تفضلها إسلام آباد».

وأضاف أن السعوديين «يقدمون دعمًا ماليًا واسعًا لإسلام أباد في الوقت الذي تعاني فيه الأخير من محنة اقتصادية. لذلك هناك عامل ضغط يعمل لصالح السعودية».

لكن هذه النقاط هي موضع نقاش بين السجناء – مثل بلقيس – وعائلاتهم، الذين بقوا في طي النسيان. في نهاية مكالمتها الأسبوعية، بدأت في البكاء.

وقالت: «أنا لا حية ولا ميتة في هذا السجن. هناك نساء من جميع أنحاء العالم. وحُكم على بعضهن بأكثر من 15 سنة. لن يتم إطلاق سراحي إلا إذا عفا عني أحد. ترسل السفارة السعودية مستشارًا، لكنه لا يوثق حالتي أو يستمع إليّ. أخبرته، أنا لست مهربة. ورجوته أن يخبر السلطات الباكستانية، لكن لا أحد يستمع».

«فورين بوليسي»: إمبراطورية الجيش.. كيف أصبح الجيش الباكستاني أغنى من الشعب؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد