تهو يو يو، سيدة ولدت في الثلاثين من ديسمبر لعام 1930، عالمة في الصيدلة، قضت حياتها باحثة بأكاديمية الطب الصيني التقليدي، فكانت كبيرة الباحثين في هذا المكان، بالإضافة إلى أنها رئيس قسم تطوير أبحاث الأدوية المضادة للملاريا. في عام 1980 تم تعيينها كمشرف لطلاب الماجستير، وفي عام 2001 تم تعيينها كمشرف  لطلاب الدكتوراه. ظلت لسنوات عديدة تقوم بأبحاث  تجمع بين الطب الصيني التقليدي والطب الغربي، وكان لها إسهام بارز في تركيب علاج جديد مضاد للملاريا، ألا وهو الأرتيميسينين والديهدروأرتيميسينين، وفي سبتمبر عام 2011، حصلت على جائزة ألبرت لاسكر الطبية التي تعد إرهاصة لحصولها فيما بعد على جائزة نوبل، وهي تعد أكبر جائزة عالمية حصلت عليها الصين في مجال الطب البيولوجي حتى هذا الوقت.

حياتها

في سبتمبر لعام 2011 كتبت الصين صفحة جديدة في مجال الطب الحيوي.

قائمة الأسماء التي حصلت على جائزة لاسكر قد ظهرت بالفعل في نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية، وبشكل مفاجئ يكتشف الجميع وجود اسم عالمة صيدلانية صينية تبلغ من العمر 81 عامًا مدرج بهذه القائمة، لتسد بذلك الفجوة التي كانت تعاني منها الصين منذ عقد في الحصول على هذه الجائزة. هذه السيدة التي عاشت في أسرة فقيرة وظلت تعمل في صمت، استطاعت أن تكتشف علاج مضاد للملاريا وتنقذ به حياة الملايين، وبعزيمة لا تقهر كتبت  أسطورة جديدة في تاريخ العلوم بالصين.

صانعة هذه الأسطورة تسمى تهو يو يو، الباحثة بالأكاديمية الصينية للطب الصيني التقليدي، ورئيس قسم تطوير الأبحاث المكافحة للملاريا.

إلتحقت تهو يو يو بكلية الطب بجامعة بكين كطالبة متخصصة في علم الصيدلة، ومن هنا ارتبطت حياتها ارتباطًا أبديًّا بالبحث في النباتات والأدوية الطبيعية. ومنذ انضمامها عام 1955 لمعهد بحوث الطب الصيني (المعروف حاليًا باسم أكاديمية الصين للعلوم الطبية الصينية)، مرت عليها عشرات السنين كأنها يوم واحد لم تثبط عزيمتها يومًا، ظلت منغمسة بشكل كامل في مجالها الذي تقدسه، لتمنح الشعب في النهاية تقرير بالنتائج الرائعة التي توصلت إليها.

عندما بدأت تهو يو يو عملها في المعهد البحثي كان في هذا الوقت في طور التأسيس، فكانت أوضاعه صعبة للغاية، فهناك نقص شديد في جميع التجهيزات، حتى مرافق التهوية داخل المختبرات لم تكن موجودة، وكانت تهو يو يو تتعامل دائمًا مع المحاليل الكيميائية، حتى أدى ذلك إلى ضرر كبير وقع على جسدها، وأصيبت بمرض التهاب الكبد الوبائي. ناهيك عن وقوفها داخل المختبر طوال اليوم “ترج الزجاجات”، فهي أيضًا تذهب إلى البرية تجمع العينات “بوجه يملؤه العرق، وقدمين مغمورتين في الطين”، حتى وضعت حلًّا لقضية خلط أنواع من الدواء الصيني (لوبيليا صينية وجذر ضلع البقرة)، ومن ثم قدمت إسهامات عظيمة في مكافحة مرض البلهارسيا، وجمعت بين الكتب القديمة والخبرات على مستوى الصين في هذا المجال، واستطاعت أن تنهي عملها الرئيسي وهو ((الجامع في تحضير الدواء الصيني)).

إن الإنجاز الأكبر الذي حققته تهو يو يو هو اكتشافها لمادة الأرتيميسينين، التي تعد أول دواء مقاوم للملاريا، وكما تقول الجمعية الطبية الأمريكية ألبرت لاسكر: “إن هذ الاكتشاف  أنقذ أرواح الملايين على مستوى العالم، وخصوصًا في الدول النامية، فقد حقق هذا الاكتشاف نتائج طبية مذهلة وطويلة المدى في مجال المكافحة المستمرة للملاريا، هذا المرض الفتاك”.

كيف استطاعت تهو يو يو من خلال هذا المنصب العادي أن تحقق هذا الإنجاز العظيم؟

ربما يمكننا أن نجد إجابة لهذا السؤال في جملة قالتها هي بنفسها من قبل: “إن الشخص الذي يعمل في مجال العلوم والتكنولوجيا، لا ينبغي أن يكون راضيًا عن الوضع الراهن بأي حال من الأحوال، لذلك كان لا بد  أن أقدم شيئًا لهذا الشعب”.

 

الوريث، الباحث عن الذهب في كتب الطب القديمة

في الرابع من أكتوبر 1971، عينان تحدقان بقلق تجاه النتائج الأخيرة لعينة الأرتيميسينيا رقم 191 التي تم جمعها، ومع كشف النقاب عن نتائج الاختبار، ينتفض كل من في المختبر فجأة، فقد استطاعت أن تقضي على طفيل الملاريا بنسبة 100%. نعود بالزمن إلى 23 مايو 1967، أطلقت الدولة بشكل عاجل مشروع بعنوان “التعاون في عمل أبحاث لعقاقير مقاومة لمرض الملاريا”، والذي جاء تحت رقم “523”. وقد جاء انطلاق هذا المشروع على خلفية واقع مأساوي: فقد استطاع طفيل الملاريا اللعين أن ينتج مادة مقاومة للكلوروكين أقدم دواء مقاوم له، لذلك كان لا بد من وسيلة  لاختراع  دواء جديد يواجه هذه المشكلة المعقدة على مستوى العالم.

تم تعيين تهو يو يو كرئيس للفريق البحثي للمشروع رقم “523” بمعهد أبحاث الطب الصيني. وباستخدام التجهيزات البسيطة المتاحة، ومع صعوبة الحصول على المعلومات، تحت هذه الظروف كان عليها في وقت قصير أن تقوم بعملية غربلة لآلاف الأنواع من العقاقير الصينية، ويمكننا القول إن الصعوبات التي واجهتها في الحقيقة لا تختلف كثيرًا عن البحث عن إبرة في كومة  قش.

هذه العقبات التي تبدو من الصعب التغلب عليها، كانت على العكس تحفزها وتعطيها الدافع لبذل الغالي والنفيس، فقامت بمراجعة كتب الأعشاب الطبية القديمة، وأجرت زيارات لأطباء الطب الصيني التقليدي في كل مكان، حتى مراسلات الجماهير لم تتجاهل واحدة منها، ومن بين ألفي نوع من الأعشاب الطبية استطاعت تهو يو يو في النهاية أن تعد كتابًا باسم ((الوصفات المجربة لوحدات مقاومة للملاريا)) يحتوي على 640 نوعًا من الأعشاب من ضمنها الأرتيميسينين. ولكن في التجارب الأولى التي أجريت على الحيوانات، لم يحقق هذا النبات النتائج المطلوبة، ويبدو أن عملية البحث التي تقوم بها تهو يو يو قد دخلت إلى طريق مسدود من جديد.

أين تكمن المشكلة؟

توجهت تهو يو يو من جديد إلى الحكمة الصينية القديمة، وأخذت تتصفح بدقة أمهات الكتب في الطب، وفجأة وقعت عيناها على جملة في كتيب ((وصفات طبية سريعة المفعول)) لعالم الطب جه خونغ تقول: “يحضر نبات الأرتيمسينيا، وينقع في لترين من الماء، ثم يتم عصره، وخلطه بالمياه التي نقع فيها، ويشرب بالكامل”، وقع هذا الكلام عليها وكأنه أيقظها من النوم، وأدركت في الحال أن المشكلة ربما تكمن في طريقة استخدامها للمياه المغلية في أثناء التجربة، لأن درجة الحرارة العالية تقضي على العنصر الفعال في هذا النبات، ومن ثم قامت في الحال بتغيير الطريقة التي كانت تستخدمها، واستخدمت المادة المذيبة بدرجة حرارة منخفضة.

الساعي وراء الحلم، طريقه لا حدود له

ويأتي النجاح بعد 190 مرة من الفشل.  

في عام 1971، يكتشف الفريق البحثي لتهو يو يو في المرة 191 من التجربة في خفض حرارة المياه أن فاعلية نبات الأرتيميسنيا في القضاء على طفيل الملاريا وصلت  إلى 100%.

وفي عام 1972، لاقت هذه النتائج اهتمامًا كبيرًا، وبدأ الباحثون في استخراج المادة الفعالة في الأرتيمسينيا. هذه الإنجازات لم تجعل تهو يو يو تتوقف عند هذا الحد، ففي عام 1992، لكي تتغلب على مشكلة  التكاليف الباهظة الخاصة بمادة الأرتيميسين، وعدم قدرتها على اقتلاع المرض من جذوره، وغيرها من نقاط الضعف، قامت تهو يو يو  بابتكار مادة الهيدرو أرتيميسنيا، وهي تعد نسخة جديدة من العلاج المقاوم للملاريا بفاعلية تفوق سابقتها بعشرة أضعاف.

نبات الأرتيميسنيا، هو من النباتات المنتشرة في جنوب وشمال الصين، وهو ينمو في الجبال والسهول المورقة الخضراء، يبدو من الخارج بسيط غير متكلف، ولكنه يحتوي من الداخل على سحر يمكنه مداواة العلة وإنقاذ المريض.

في الحقيقة أن يكون لدينا شخص يسعى وراء حلمه في أحد مجالات العلوم كما حدث في البحث عن الأرتيمسينيا، على يساره الحب، وعلى يمينه التفاني والإخلاص، وكلما كانت هناك حاجة إليه، يتفتح كالزهور، ويكون في الحياة كالورود  التي يزينها، والعطر الذي يغمرها، ويملأ الدنيا بلون الخضار، ويجعل البشر من كل مكان وفي كل أمة يتمتعون جميعًا بعبير العلم والتكنولوجيا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد