نشر موقع «لايف ساينس» تقريرًا أعدَّه هاري بيكر، الذي درس علم الأحياء البحرية في جامعة إكستر بإنجلترا، سلَّط فيه الضوء على دراسة جديدة  نشرتها مجلة «نيتشر» العلمية البريطانية، أثبتت أن هناك طفرات غير عشوائية تحدث في الحمض النووي، موضحًا أن هذه النتائج تتعارض مع أحد الافتراضات الرئيسة لنظرية التطور.

استهل الكاتب تقريره بالإشارة إلى ما توصلت إليه دراسة جديدة أن أي تغيُّرات جينية تظهر في قاعدة الحمض النووي للكائنات الحية ربما لا تكون عشوائية بالكامل، وهذا ما يتعارض تمامًا مع أحد الافتراضات الرئيسة لنظرية التطور. واكتشف بعض الباحثين الذين يدرسون الطفرات الجينية على نموذج من الحشائش المنتشرة على طول الطرق، وهو نبات الرشاد (أرابيدوپسس ثاليانا)، أن النبات يُمكنه أن يحمي الجينات «الأساسية» في حمضه النووي من التغييرات، بينما يترك أجزاءً أخرى من محتواه الوراثي (الجينومات) لتعزيز إنشاء مزيد من التغييرات.

علوم

منذ 9 شهور
ثغرة نظرية التطور.. لغز «كاسيات البذور» الذي حيّر داروين!

وينقل التقرير ما أوضحه جراي مونرو، المؤلف الرئيس للدراسة وعالم النبات في جامعة كاليفورنيا (دايفيس) لموقع «لايف ساينس»، قائلًا: «فوجئتُ جدًّا بالطفرات غير العشوائية التي اكتشفناها؛ إذ كنا نعلم منذ دراستنا لمنهج علم الأحياء بالمرحلة الثانوية أن الطفرات تكون عشوائية».

ويُوضح التقرير أن الطفرات العشوائية تعد جزءًا مهمًّا من نظرية التطور من خلال عملية الانتقاء الطبيعي، وفيها تثير الطفرات عمليات التكيف والتي تُورث للأبناء عبر الجينات الوراثية للآباء وتُعزز من فرصهم في البقاء على قيد الحياة والتكاثر، وافترض العلماء أن هذه الطفرات كانت عشوائية، ولهذا السبب، فإن أولى الخطوات في التطور من خلال عملية الانتقاء الطبيعي كانت عشوائية أيضًا. لكن الدراسة الجديدة تشير إلى أن هذا الأمر قد لا يكون صحيحًا تمامًا. 

يقول مونرو إن: «فكرة الطفرة العشوائية موجودة منذ أكثر من قرن من الزمان في علم الأحياء ويعد شيئًا نسمعه كثيرًا عندما كنا طلابًا ومن السهل اعتباره أمرًا مسلَّمًا به، بل بصفتي عالم وراثة متمرسًا وعالم أحياء تطوريًّا، لم أُشكِّك أبدًا في الفكرة بصورة جدية»، ولا تنفي الاكتشافات الجديدة أو تُكذب نظرية التطور، إذ يرى الباحثون أن العشوائية لا تزال تلعب دورًا أساسيًّا في الطفرات، لكن الدراسة تُبرز أن هذه التغييرات الجينية أكثر تعقيدًا مما كان يعتقد العلماء في السابق.

أخطاء الحمض النووي

يلفت التقرير إلى أن هناك كثيرًا من الفرص لحدوث طفرات جينية، بل حدوث أخطاء أيضًا أثناء فترة حياة الكائن الحي، وأوضح مونرو قائلًا إن: «الحمض النووي جُزيء هش، إذ يُقدر متوسط تضرر الحمض النووي في خلية واحدة بمعدل ما بين ألف مرة ومليون مرة يوميًا، ويجب أيضًا استنساخ الحمض النووي في كل مرة تنقسم فيها الخلية، مما قد يُؤدي إلى حدوث أخطاء أثناء عملية الاستنساخ». 

Embed from Getty Images

ولحسن حظ البشر وجميع الكائنات الحية الأخرى، تستطيع خلايانا أن تصحح كثيرًا من هذا التضرر. يقول مونرو: «تعمل خلايانا بصورة مستمرة لتصحيح الأخطاء في الحمض النووي، كما طوُّرت آلات جُزيئية معقدة وبروتينات إصلاح الحمض النووي، للبحث عن الأخطاء وتصحيحها». ومع ذلك، لا يمكن اعتبار بروتينات إصلاح الحمض النووي حلًّا مضمونًا ولا يمكنها تصحيح جميع الأخطاء. ويؤكد مونرو أنه: «إذا لم يُصحح التلف أو الخطأ، فإنه يتسبب في حدوث طفرة وتغيير في تسلسل قاعدة الحمض النووي».

ويشير التقرير إلى أن هناك نوعين رئيسين من الطفرات: طفرات جسدية، التي لا يُمكن أن يُورِّثها الآباء للأبناء، وطفرات سلالات جرثومية، التي يُمكن للأبناء أن يرثوا أخطاء الحمض النووي من خلال طفرة جينية لدى أحد الوالدين. إن طفرات السلالات الجرثومية هي التي تغذي التطور من خلال عملية الانتقاء الطبيعي، كما أنها تصبح أكثر أو أقل شيوعًا بين الناس بناءً على كيفية تأثيرها في قدرة الناقل على البقاء حيًّا. 

ولا تمتلك كل الطفرات القدرة على تغيير فرص الكائنات الحية في البقاء على قيد الحياة، ولا تسبب بعض الطفرات تغيرات جذرية في الكائن الحي إلا عندما تحدث داخل الجينات، وهي أجزاء من الحمض النووي ترمز إلى بروتين معين. وأوضح مونرو أن معظم الجينوم البشري يتكون من حمض نووي غير جيني.

أنماط غير عشوائية

يُنوه التقرير إلى أن الباحثين في الدراسة الجديدة قرروا اختبار عشوائية الطفرات في جينومات نبات الرشاد من خلال التأكد مما إذا كانت الطفرات تحدث بصورة متساوية بين الأجزاء الجينية وغير الجينية للحمض النووي، ويُعد نبات الرشاد «كائنًا عضويًّا نموذجيًّا رائعًا» لإجراء أبحاث الطفرات عليه لأن جينوماته تحتوي على نحو 120 مليون زوج أساسي فحسب (مقارنة بالجينوم البشري الذي يحتوي على 3 مليارات زوج أساسي)؛ مما يجعل من السهل فك شفرات الحمض النووي للنبات. وأشار مونرو إلى أن نبات الرشاد له أيضًا فترة حياة قصيرة جدًّا، مما يعني أن الطفرات يمكن أن تتراكم بسرعة عبر أجيال متعددة.

Embed from Getty Images

وعلى مدار ثلاث سنوات، زرع الباحثون مئات من نبات الرشاد في ظروف مختبرية لعدة أجيال. وبصورة إجمالية، تمكن الباحثون من فك شفرة 1700 جينوم ووجدوا أكثر من مليون طفرة، لكنهم عندما حلَّلوا هذه الطفرات، وجدوا أن أجزاء الجينومات التي تحتوي على الجينات يطرأ عليها معدل طفرات أقل بكثير من الأجزاء غير الجينية.

وفي هذا الصدد، يُوضح مونرو «نعتقد أنه من الممكن أن يحدث طفرات جينية غير عشوائية أيضًا في الكائنات الحية الأخرى. إذ راجعنا صحة دراستنا بالفعل من خلال التحقق من ذلك في أنواع أخرى من الكائنات العضوية ووجدنا نتائج تشير إلى أن الطفرة غير العشوائية ليست استثنائية في نبات الرشاد». ومع ذلك، يظن الباحثون أن مستوى الطفرات غير العشوائية بين الأنواع المختلفة قد لا تكون نفسها.

حماية الجينات الأساسية

يُضيف التقرير أن النمط غير العشوائي في الطفرات بين الأجزاء الجينية وغير الجينية في الحمض النووي يُشير إلى وجود آلية دفاعية لمنع حدوث الطفرات التي قد تكون مدمرة. وذكر مونرو أنه: «من المرجح أن يكون للطفرات آثار مدمرة في جينات الترميز الموجودة في البروتينات الأساسية من أجل البقاء والتكاثر، ومن المحتمل أن تسبب المرض والموت أحيانًا. وتُظهر نتائجنا أن الجينات، وتحديدًا الجينات الأساسية، تشهد معدل طفرات أقل من الأجزاء غير الجينية في نبات الرشاد. والنتيجة هي أن فرصة وراثة الطفرات الضارة في السلالة تكون أقل». 

علوم

منذ 3 سنوات
«جدلية العِرق والذكاء».. هل تنتقل القدرات الذهنية عبر الجينات؟

كما توصل الباحثون إلى أنه من أجل توفير الحماية لنفسها، ترسل الجينات الأساسية إشارات خاصة إلى بروتينات إصلاح الحمض النووي. ولا يُرسل الحمض النووي نفسه هذه الإشارة ولكن تُرسل من خلال الهستونات، وهي بروتينات متخصصة يلتف الحمض النووي حولها لتشكيل الكروموسومات. 

وأفاد مونرو: «بناءً على نتائج دراستنا، وجدنا أن الأجزاء الجينية، خاصة للجينات الأهم بيولوجيًّا، تلتف حول الهستونات بعلامات كيميائية معينة. ونعتقد أن هذه العلامات الكيميائية تعمل بصفتها إشارات جزيئية لتعزيز إصلاح الحمض النووي في هذه الأجزاء». مضيفًا أن فكرة وجود الهستونات ذات العلامات الكيميائية الفريدة ليست جديدة، وأشار إلى أن الدراسات السابقة التي أُجريت على الطفرات في مرضى السرطان وجدت أيضًا أن هذه علامات الكيميائية يمكن أن تؤثر في ما إذا كانت بروتينات إصلاح الحمض النووي تعمل على إصلاح الطفرات بصورة صحيحة.

ومع ذلك، تُعد هذه المرة الأولى التي يظهر فيها تأثير هذه العلامات الكيميائية في أنماط الطفرات على مستوى الجينومات، وعلى التطور من خلال الانتقاء الطبيعي بالتبعية.

الآثار المحتملة

يشير التقرير إلى أن الباحثين يأملون في إمكانية استخدام النتائج التي توصلوا إليها في نهاية المطاف لإدخال تحسينات في مجال الطب البشري. ويقول مونرو إن: «الطفرات تؤثر في صحة الإنسان بعدة طرق، نظرًا إلى أنها السبب في الإصابة بالسرطان والأمراض الوراثية والشيخوخة». مؤكدًا أن القدرة على حماية أجزاء معينة من الجينومات من حدوث طفرات يُمكن أن يساعد في منع حدوث المشكلات أو علاجها.

Embed from Getty Images

ومع ذلك، هناك حاجة إلى إجراء مزيد من الأبحاث على الجينومات الحيوانية قبل أن يتمكن الباحثون من معرفة هل كانت الطفرات غير العشوائية نفسها تحدث في البشر. ويُوضح مونرو قائلًا: «صحيحٌ أن اكتشافاتنا التي توصلنا إليها كانت من خلال التجارب التي أجريناها على النباتات ولا تؤدي إلى ابتكار علاجات جديدة، لكنها غيًّرت فهمنا الأساسي عن الطفرات وألهمت عديدًا من الاتجاهات البحثية الجديدة». 

ويختتم الكاتب تقريره بما قاله مونرو: «يعتقد الباحثون أيضًا أن الإشارات الكيميائية المنبعثة من الجينات الأساسية يُمكن استخدامها لتعزيز تقنيات تعديل الجينات التي يُمكن أن تساعدنا في إنتاج محاصيل أكثر تغذية ومقاومة للتغير المناخي». 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد