«هذا لم يكن من المفترض أن يحدث»، بهذه العبارة بدأ مايكل بيك مقاله في مجلة «ناشيونال إنترست»، وقال الكاتب المتخصص في قضايا الدفاع والأمن القومي إنه في صيف عام 1950، كانت أمريكا ما تزال تشعر بنشوة النصر الحاسم في الحرب العالمية الثانية. وكان هناك التهديد السوفيتي، خصوصًا بعد تضخم الكتلة الشيوعية بسبب انضمام الصين لها في عام 1949.

لكن الولايات المتحدة لا تزال لديها القنبلة النووية، وقاذفة القنابل الثقيلة B-29s لنقل القنبلة النووية، وأقوى القوات البحرية في العالم. كان هناك يقين كبير أن الحرب المقبلة ستكون حربًا نووية تعتمد على القوات الجوية والبحرية، وتكون وظيفة الجيش السيطرة على الأرض بعد تحولها إلى أنقاض.

ويلفت بيك إلى أن أمريكا كانت تتوق إلى الحياة الطبيعية بعد أربع سنوات من الحرب الشاملة المنهكة، وكذلك الجمهور الأمريكي لم يكن يرغب في تكوين جيش تقليدي كبير ومكلف؛ لذلك قلصت ميزانية الجيش في أواخر الأربعينيات، وقُيد التدريب على الذخيرة الحية، واختُصر التدريب الأساسي حتى أنه وصل لثمانية أسابيع، مقارنة بـ 10 أسابيع أو أكثر حاليًا. وطبق ذلك أيضًا مع قوات الاحتلال التابعة للجيش الأمريكي في اليابان، التي كانت وظيفتها الإشراف، وملاحظة انقياد السكان اليابانيين وطاعتهم.

اقرأ أيضًا: 10 أيام مجنونة.. طبول الحرب النووية تدق أبواب واشنطن وبيونج يانج

كيف ولماذا بدأت الحرب؟

لسوء الحظ، لم تكن مواجهة القوات الكورية الشمالية -75 ألف جندي- التي عبرت الحدود بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية في 25 يونيو (حزيران) 1950، بنفس سهولة الإشراف على انقياد اليابانيين. ويقول الكاتب إن الكوريين كان لديهم العديد من المحاربين المتمرسين الذين قاتلوا مع ماو في الحرب الأهلية الصينية، وكان جيشهم مجهزًا بشكل جيد بالدبابات والمدفعية السوفيتية، بالإضافة إلى الطائرات المقاتلة، وقاذفات القنابل التي أعطت كوريا الشمالية السيطرة الجوية في البداية.

فيما تفكك الجيش الكوري الجنوبي المدرب من قبل الولايات المتحدة، على غرار الجيش العراقي الذي يواجهه تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، أو الجيش الأفغاني الذي يقاتل طالبان.

جنود من أمريكا وكوريا الجنوبية يقفون حراسة أثناء الاحتفال بذكرى مرور 64 عامًا على اتفاق هدنة الحرب الكورية. بانمونجوم- كوريا الجنوبية، يوليو (تموز) 2017.

بعد تفويض الأمم المتحدة لاستخدام القوة -كان السوفيت قد قاطعوا مجلس الأمن محتجين على أن مقعد الصين كان من المفروض أن ينتقل إلى الصين الشيوعية، بدلًا من بقائه في قبضة الحزب الحاكم بتايوان- بدأت الولايات المتحدة إيفاد قوات لإنقاذ كوريا الجنوبية من غزو قوات كيم آيل سونج. وبطبيعة الحال، وصلت قوات الاحتلال المتواجدة في اليابان المجاورة أولًا.

وبحلول الأول من يوليو، وصلت فرقة سميث، بقيادة المقدم تشارلز سميث، التي كانت تتكون من سريتين مشاة مسلحتين بالبنادق من فوج المشاة 21 من فرقة المشاة 24. وكانت قوات الطوارئ تضم أكثر بقليل من 400 رجل، بالإضافة إلى عدد قليل من مدافع الهاوتزر من عيار 105 مل متر مع كتيبة المدفعية. ولم تكن بحوزتهم دبابات، أو دعم جوي قريب، أو أجهزة اتصالات قوية. وكان معظم تسليحها المضاد للدبابات من أسلحة البازوكا 2.36 بوصة التي لم تتمكن من تدمير الدبابات الألمانية قبل خمس سنوات في الحرب العالمية الثانية. وقد شارك بعض رجال فرقة سميث في الحرب العالمية الثانية، ولكن معظم الجنود كانوا عديمي الخبرة.

اقرأ أيضًا: لو قامت الحرب المنتظرة بين أمريكا وكوريا الشمالية.. من سينتصر عسكريًّا؟

بداية المواجهة بين أمريكا وكوريا الشمالية

أُرسلت فرقة سميث شمالًا لوقف تقدم كوريا الشمالية، وتخندقت بالقرب من مدينة أوسان -يقول الكاتب-، في صباح يوم 5 يوليو هاجمت صفًّا من الدبابات الكورية الشمالية من طراز تي– 34/85 من الفرقة المدرعة 105، في أول اشتباك بري أمريكي في الحرب الكورية.

ولم تتمكن مدافع الهاوتزر الأمريكية وقذائف هيت المضادة للدبابات من منع الدبابات الكورية الشمالية من اجتياح المواقع الأمريكية. وكان من المفترض أن تصد فرقة سميث هجوم الدبابات بقذائف البازوك، إلا أنها لم تتمكن من اختراق دروع المركبات السوفيتية.

كيف حدثت الهزيمة؟

وفي الوقت نفسه، واجهت فرقة سميث أيضًا تطويقًا من المشاة الكورية الشمالية. وقرر سميث الانسحاب. وينقل بيك عن أحد التقارير: «كانت هناك خطة لانسحاب منظم؛ إذ كل مجموعة تغطي الأخرى». تحت نيران العدو الثقيلة، تخلت القوات الأمريكية المدربة تدريبًا سيئًا عن الأسلحة والمعدات في هروب سريع في بعض الأحيان. لم يكن كلهم ​​قد تلقوا أمرًا بالانسحاب، وعانى معظم الأمريكيين في هذه المرحلة من تكبد خسائر فادحة.

ويقول المقال إن الأمريكيين خسروا حوالي 80 رجلًا بين قتيل وجريح، وأُسر نحو نفس العدد، أو ما يقرب من نصف فرقة سميث. وقد تكبدت كوريا الشمالية نحو 130 ضحية، بالإضافة إلى تدمير أو تعطيل أربع دبابات. أخرت التضحيات الأمريكية تقدم كوريا الشمالية لبضع ساعات فقط.

مدفعيات أمريكية تابعة للقوة الاستكشافية في منطقة أوكيناوا باليابان أثناء المشاركة في تدريب قتالي مشترك مع كوريا الجنوبية، يوليو 2016.

يشير التقرير إلى أنه قبل ست سنوات من ذلك التاريخ، وتحديدًا في أواخر عام 1944، تمكن الجيش الأمريكي من وقف النازيين في معركة الثغرة. لكن في يوليو 1950، كان الجيش مجرد مطب صناعي لتخفيف سرعة التقدم.

ويرى بيك أن المعركة لم تكن كارثة كبيرة بشكل عام. ولم تكن الخسائر سوى قطرة في دلو الحرب الكورية التي استهلكت في النهاية 54 ألف قتيل أمريكي. وفرت القوات الأمريكية من ساحة المعركة؛ لكنها فعلت ذلك أيضًا في معركة القصرين، ومعركة بول رن. ولم تكن هذه أول مرة تُهزم فيها القوات الأمريكية من الآسيويين، ويمكن للناجين من بيرل هاربور أن يؤكدوا ذلك. وبعد شهرين، تفككت قوات كيم آيل سونج بعد قتال قوات ماك آرثر في معركة إنشون.

ويختتم بيك مقاله قائلًا: إذا كان الدرس الوحيد المستفاد من فرقة سميث هو أن الجنود عديمو الخبرة قليلو التدريب والمعدات، وسيعطون تأثيرًا سلبيًّا في ساحة المعركة، أو أن الدولة لا ينبغي أن تدع جيشها ينهار، ستكون مجرد كليشيهات.

والدرس الحقيقي هو ما يحدث عندما يدخل الجيش الأمريكي في صراع مختلف تمامًا عما استعد له. إنها مسألة لا تزال قائمة اليوم، إذ إن أمريكا تفكر مليًا باستراتيجيتها في عالم به الصين القوية، وروسيا التي تستعيد قوتها، والإرهابيون الذين يسعون في الأرض فسادًا، والجهات غير الحكومية القوية مثل الجيوش الميدانية ذات الأسلحة المتقدمة.

أمريكا لا تملك الموارد لتكون قوية في كل الأوقات وفي كل الأماكن -يقول الكاتب-؛ مما يعني أن البنتاجون سوف يضطر إلى تخمين شكل الحرب، وأفضل طريقة للتحضير لها، وهل ستكون حربًا كبيرة أم صغيرة؟ حربًا تقليدية أم حرب العصابات؟ التكنولوجيا فائقة أم منخفضة؟ تذكر أيضًا أن الصين وروسيا ستضعان تخميناتهما وافتراضاتهما الخاصة للحرب. إنها لعبة تخمين، ولكن الأبرياء هم من سيدفعون الثمن.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد