7,084

قال زيشان عليم في مقال له على موقع «Vox» إنّ الافتراض الرائج لدى الغرب بأنّ كوريا الشمالية يديرها شخص معتوه هو افتراض ليس خاطئًا فقط، وإنّما يحمل الكثير من المخاطرة.

وتساءل عليم عما إذا كان هناك مبرر لنعت زعيم كوريا الشمالية كيم جونج أون بالجنون لأنّه يشتبه في قيامه باغتيال أخيه غير الشقيق بغاز الأعصاب، وتعذيب الناس حتى الموت، والتهديد مرارًا بقصف الولايات المتحدة بالسلاح النووي.

وأشار الكاتب إلى أنّ العديد من السياسيين الأمريكيين البارزين يعتبرونه كذلك. فقد حذر سفير أمريكا لدى الأمم المتحدة من أنّ العالم «لا يتعامل مع شخص عاقل يفكر بطريقة سليمة». بينما وصف السيناتور جون ماكين زعيم كوريا الشمالية بـ«الفتى السمين الأخرق». وقال عنه السيناتور برادلي باير «إنّه غير عاقل، فكيف نتعامل معه؟».

يرى باحثون ومؤرخون من كوريا الشمالية أنّ زعيمهم أبعد ما يكون عن الجنون، بل إنّ دونالد ترامب هو الشخص الذي لا يمكن التنبؤ بتصرفاته.

يرى عليم أنّ وجهة النظر الأمريكية تحدد أسلوب تعامل واشنطن مع بيونج يانج، وتحصرها في نطاق استخدام القوة لردعه، وأن تهديد كيم جونج أون بتدمير الساحل الغربي لأمريكا سيناريو واقعي. وهو ما قد يدفع إدارة ترامب إلى شن عملية عسكرية استباقية ضد المنشآت النووية لكوريا الشمالية لردعها. وقد لوّح الأمريكيون بذلك بالفعل.

لكن الكاتب يقول إنّه قد تحدّث إلى باحثين ومؤرخين في كوريا الشمالية، وقد رفض جميعهم فرضية أن يكون زعيمهم معتوهًا. وبرروا ذلك بأنّ القسوة والنبرة الحادة لا يجب خلطها مع عدم العقلانية. وأشاروا إلى أنّه يتصرف بجدية تامة عندما يتعلق الأمر بإحكام قبضته على البلاد، وهو في ذلك يسير على درب والده وأجداده.

ويرى أولئك الباحثون والمؤرخون أنّ زعيمهم أبعد ما يكون عن الجنون، بل أنّ دونالد ترامب هو الشخص الذي لا يمكن التنبؤ بتصرفاته.

اقرأ أيضًا: مترجم: لماذا سيكون الانهيار المفاجئ لكوريا الشمالية جحيمًا على الأرض؟

العقلانية لا تعني سهولة التعامل مع الشخص

لا يمكن تحديد معنى «العقلانية» بدقة عندما يتعلق الأمر بالعلاقات الدولية بين الدول – يشير عليم. فمصطلح العقلانية قد يعني قدرة الدولة على اتخاذ قرارات منطقية في سبيل تحقيق مصالحها بناءً على الموارد التي تمتلكها.

إنّ أهم مصلحة لأي دولة هي الحفاظ على أمنها. وفي سبيل ذلك، قد يتخذ قائد الدولة قرارات خطيرة، ولكن يستحيل أن يلجأ إلى أفعال تبيد بلاده عن عمد.

وهكذا – يضيف الكاتب – عندما نتساءل عن مدى تعقل كيم جونج أون، فالمقصود هو هل يتمسك بغريزة البقاء الرئيسية؟ إن لم يكن كذلك، فهذا يعني أنّه لا يمكن ردعه. وإذا كان خصمك لا يهتم بتعرضه للتدمير، فهذا يعني أنّه لا سبيل لديك لمنعه من أذيتك.

لذا فالخوف لدى الغرب من زعيم كوريا الشمالية نابع من إمكانية عجزهم عن ردعه عن قصفهم بالنووي، بصرف النظر عن حدة انتقام الغرب منه.

اقرأ أيضًا: «الجارديان»: الحرب النووية أو السلام.. كيف سيتعامل ترامب مع كوريا الشمالية؟

كوريا الشمالية تعلمت التاريخ جيدًا

إذا ما نظرنا عبر التاريخ لوجدنا أنّ كوريا الشمالية تخشى الولايات المتحدة. فمنذ أن انتهت الحرب الكورية – يقول عليم – لم تحاول كوريا الشمالية استعادة الشطر الجنوبي، حتى في أصعب الفترات التي مرت على سيؤل، مثل الانقلاب العسكري عام 1961، وانسحاب بعض وحدات الجيش من على الحدود مع الجارة الشمالية في عام 1980. ويعزى هذا في جانب كبير منه إلى التواجد العسكري الأمريكي الضخم في كل من كوريا الجنوبية واليابان لردع بيونج يانج إذا ما فكرت في شن حرب.

ولكن في المقابل – يؤكد الكاتب – لم تكف بيونج يانج عن استفزاز أمريكا وحلفائها، إذ أنّها قد أسقطت طائرات التجسس الأمريكية، وقتلت أشخاصًا في المنطقة منزوعة السلاح بين البلدين، وما انفكت تطور ترسانتها من الأسلحة النووية والصواريخ البالستية على نقلها.

فلماذا لا تكف كوريا الشمالية عن استفزاز دولة عظمى قادرة على إبادتها؟ أو ليس هذا تصرفًا متهورًا؟ يتساءل عليم.

يقول جيمس بيرسون – الخبير في شئون كوريا الشمالية في مركز ويلسون – إنّه وعلى عكس ما يعتقده الكثيرون، فالاستفزاز وسيلة فعالة لجذب انتباه أمريكا، والتفوق عليها في أحيان كثيرة. ويؤكد بيرسون أنّ بيونج يانج قد درست سلوك الأمريكيين تجاه أفعالها، وأيقنت أنّ استفزازاتها غالبًا ما تؤدي إلى خضوع الولايات المتحدة.

للتدليل على ذلك، يذكر عليم حادثة استيلاء كوريا الشمالية على سفينة التجسس الأمريكية USS Pueblo عام 1968 وعلى متنها 83 فردًا. كان من الممكن أن يشعل هذا التصرف غير المسبوق حربًا شاملة.

إنّ عجرفة كوريا الشمالية لا علاقة لها بالجنون، وإنّما تصرفات متعمدة
مبنية على إدراك شديد لرد الفعل العالمي. وهي في ذلك تسعى إلى أن تبدو قوية
أمام شعبها، وإرهاب سيؤل، وتصدير فكرة إلى العالم مفادها أنّ شنّ حرب على
بيونج يانج مخاطرة عظيمة.

لكن ما حدث كان مغايرًا لذلك تمامًا – يستدرك الكاتب – فقد حققت كوريا الشمالية نصرًا سياسيًا مبينًا، حين أجبرت الولايات المتحدة على الجلوس والتفاوض لمدة عام كامل لإطلاق سراح المحتجزين، الذين تعرضوا للتعذيب خلال احتجازهم. وأجبرت بيونج يانج واشنطن على الاعتراف بنواياها العدائية تجاه كوريا الشمالية، واحتفظت بالسفينة، بعد أن أطلقت سراح طاقمها.

وفي حادثة أخرى، أسقطت المقاتلات الكورية الشمالية طائرة تجسس أمريكية عام 1969، وكان على متنها 31 شخصًا لقوا حتفهم جميعًا. فكر الرئيس الأمريكي آنذاك ريتشارد نيكسون في توجيه ضربة عسكرية لبيونج يانج، لكنه تراجع عن ذلك «خوفًا من انتقام بيونج يانج من كوريا الجنوبية»، وفقًا لبيرسون.

مما سبق، يتبين لنا بوضوح سبب عدم اشتعال الحرب في شبه الجزيرة الكورية منذ عام 1953، إذ أنّ كلاً من بيونج يانج وخصومها يخشون إشعال حرب في تلك المنطقة الصغيرة، ستقضي على الأخضر واليابس، وتزهق أرواح الملايين من كلا الجانبين.

وهذا ما يدركه جيدًا قادة كوريا الشمالية – يواصل الكاتب حديثه – فهم يعرفون أنّ إلحاق ضرر بالغ بكوريا الجنوبية هو أكبر رادع للولايات المتحدة. ولهذا، فلديهم فسحة في استفزاز واشنطن وحلفائها.

إنّ عجرفة كوريا الشمالية لا علاقة لها بالجنون، وإنّما تصرفات متعمدة مبنية على إدراك شديد لرد الفعل العالمي. وهي في ذلك تسعى إلى أن تبدو قوية أمام شعبها، وإرهاب سيؤل، وتصدير فكرة إلى العالم مفادها أنّ شنّ حرب على بيونج يانج مخاطرة عظيمة.

اقرأ أيضًا:  10 أيام مجنونة.. طبول الحرب النووية تدق أبواب واشنطن وبيونج يانج

الأسلحة النووية هامة للحفاظ على القوة

تسعى كوريا الشمالية بكل ما أوتيت من قوة إلى الحصول على السلاح النووي حتى تتمكن من التصرف باستفزاز أكبر في المنطقة بدون خوف من العواقب.

ويرى بيرسون أنّ كوريا الشمالية تضع نصب عينيها ما حلّ بأنظمة دكتاتورية أخرى فشلت في الحفاظ على السلاح النووي، وقد ذكر تحديدًا صدام حسين في العراق، والعقيد معمر القذافي في ليبيا، فالأول أُعدم بعد غزو أمريكا لبلاده، والثاني أطاحت به ثورة دعمها الناتو.

صرح جوناثان بولاك – زميل بارز في معهد بروكنجز متخصص في استراتيجية الولايات المتحدة في آسيا والمحيط الهادي – لمعدّ التقرير بالقول إنّ بيونج يانج تنظر إلى الأسلحة النووية على أنّها الضامن لعدم حدوث أمور مشابهة، فالزعيم الكوري الشمالي يراها «سيف العدالة الثمين»، وفق تعبير بولاك.

ويرى بيرسون أنّ تهديد ترامب بتمزيق الاتفاق النووي مع إيران يزيد من الحافز لدى بيونج يانج بسرعة اقتناء السلاح النووي.

اقرأ أيضًا: مترجم: أهم 10 أفلام صنعها نظام كوريا الشمالية للبروباجاندا

كيم ليس فتى سمينًا مجنونًا

ينظر الكثيرون في الغرب إلى إقدام زعيم كوريا الشمالية كيم جونج أون على إعدام عمه وأخيه غير الشقيق على أنّها تصرفات غير عقلانية. لكن المحللين يرون أنّ تلك محاولة للحفاظ على كرسيّه، وهذا أمر شائع لدى الأنظمة الشمولية.

ويرى ديفيد كانج – باحث متخصص في مسائل الأمن في شرق آسيا في جامعة جنوب كاليفورنيا – أنّه لا يمكن لكيم جونج أون الصمود طوال هذه الفترة في الحكم دون أن يكون مدركًا لكيفية مكافأة الأصدقاء، والتخلص من الأعداء. ويعتقد بيرسون أنّ من السهل للغاية التنبؤ بتصرفات كوريا الشمالية.

يمكن القول إنّ إدارة ترامب أكثر غموضًا من نظام كوريا الشمالية – يؤكد عليم. فقد كان نهج ترامب في التعامل مع كوريا الشمالية مرتبكًا للغاية، فتارة يهددها بالعمل العسكري، وتارة أخرى يصرح أنّه مستعد للحوار معها. وتراجع ترامب بشدة عن سياسته تجاه الصين رغبة منه في تدخلها لدى كوريا الشمالية.

لعلنا نعتبر نظام كوريا الشمالية ظلاميًا. ولكن في غضون ذلك، ستستمر بيونج يانج في فعل كل ما تراه حاسمًا للحفاظ على نظامها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك