نشرت مجلة «فورين بوليسي» مقالًا عن جمهورية مقدونيا الشمالية التي أصبحت للتو عضوًا في حلف الناتو. ووصف كاتبا المقال، إيفانا سترادنر، وماكس فروست، انضمام تلك الدولة بالحلقة الأحدث والأضعف في الناتو التي يمكن لروسيا أن تستغلها، الأمر الذي يجعل منها هدفًا سائغًا ودولة يسهل التدخل فيها.

ضم مقدونيا الشمالية للناتو قد يقوض وحدته

يذكر الباحثان في معهد «أميركان إنتربرايز»، إيفانا سترادنر وماكس فروست، أنه في عام 1938، مكن رئيس الوزراء البريطاني، نيفيل تشامبرلين، أدولف هتلر من الزحف نحو تشيكوسلوفاكيا على الرغم من التفوق العسكري الساحق لحلفاء براج الغربيين، لأن تشامبرلين قرر (آنذاك) أن القضية كانت «شجارًا في بلد بعيد، بين أناس لا نعرف شيئًا عنهم». واليوم، من الصعب بالمثل الاعتقاد بأن الناتو سيخوض الحرب بسبب التزاماته البعيدة في أوروبا الشرقية.

دولي

منذ 10 شهور
«حلف الناتو يحتضر».. كيف ستكون العلاقة بين أمريكا وأوروبا بعد انهياره؟

ومع ذلك، ففي 27 مارس (آذار)، قبل الحلف الغربي (جمهورية) مقدونيا الشمالية كأحدث وأضعف عضو بين أعضائه. وبذلك الإجراء، أعطى الحلف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فرصة رائعة لتوسيع نفوذه، وتقويض وحدة الناتو، واختبار مدى التزام هذا التكتل بالدفاع عن عضو في الحلف.

ويعتبر المقال مقدونيا الشمالية بمثابة التعريف (الأمثل) للحلقة الضعيفة والاختيار السهل بالنسبة لأي خصم. فهي دولة غير ساحلية محاطة بالكامل بحدود برية، ويبلغ عدد سكانها مليوني نسمة، ولديها مؤسسات سياسية ضعيفة، وتاريخ استقلال قصير للغاية. واعتبارًا من عام 2018، أنفقت 1٪ فقط من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع – أي أقل من نسبة الـ 2٪ التي حددها دليل الناتو – وكان لديها 8 آلاف جندي فقط في الخدمة الفعلية.

وهناك توترات طائفية مشتعلة (في البلاد) بين الأغلبية السلافية الأرثوذكسية والأقلية الضخمة ذات الأصول الألبانية، المسلمة أساسًا، مما يجعلها عرضة للتدخل. وداخل الناتو، لا نجد أقل من مقدونيا الشمالية إلا ألبانيا المجاورة فقط التي لديها ناتج محلي إجمالي أقل للفرد ومستوى أعلى من الفساد. ويصنف مؤشر الديمقراطية، الخاص بوحدة المعلومات التابعة لمجموعة الإيكونوميست، مقدونيا الشمالية على أنها البلد ذات الثقافة السياسية الأقل تطورًا في أوروبا.

المناورات الروسية محاكاة لهجمات على أعضاء الناتو

يشير المقال إلى أن موسكو تنظر إلى توسع الناتو في أوروبا الشرقية بارتياب منذ التسعينيات. ومع ذلك، وبحلول السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين، بعد أن تعافى الجيش والاقتصاد الروسيان من فوضى حقبة ما بعد الاتحاد السوفيتي، أعلن بوتين أن توسع الناتو شرقًا يمثل «تهديدًا مباشرًا» وواجه الحلف علنًا. وأوقف الغزو الروسي لجورجيا في عام 2008 – ليس من قبيل الصدفة أنه العام الذي أعلن فيه حلف الناتو اهتمامه بانضمام جورجيا في نهاية المطاف إلى الحلف – توسع تكتل الناتو إلى المناطق التي كان يسيطر عليها الاتحاد السوفيتي في السابق لإدخالها في مساراته.

علاوة على ذلك، أظهر غزو بوتين لأوكرانيا عام 2014، وضم شبه جزيرة القرم في وقت لاحق، على الرغم من أنه ليس هجومًا مباشرًا على عضو في الناتو ، عجزًا غربيًا أكبر في مواجهة العدوان الروسي. وعلى مسافة أبعد من الشمال، أجرت روسيا مناورات حربية ضخمة يقول خبراء عسكريون إنها كانت عبارة عن محاكاة مُقنعة ببساطة لهجمات على دول أعضاء في الناتو مثل بولندا ودول البلطيق.

حلف الناتو نمر من ورق

يضيف الكاتبان: الآن بعد أن انضمت مقدونيا الشمالية إلى الناتو، يبدو أن بوتين يستمتع بفرصته الأولى لإثبات أن الحلف ليس سوى نمر من ورق. وفي عام 2018، أعلن سفير روسيا لدى مقدونيا الشمالية أن البلاد ستصبح «هدفًا مشروعًا» إذا زادت التوترات بين الناتو وروسيا. ولكن لم يكن هناك «إذا» الافتراضية في ذلك الأمر: فحتى قبل أن تصبح مقدونيا الشمالية عضوًا، كانت روسيا تعمل بالفعل بدأب لزيادة التوترات في المنطقة.

فزودت موسكو صربيا المجاورة بصواريخ مضادة للطائرات من طراز أس-400، وسهلت وقوع محاولة انقلاب في الجبل الأسود، وحاولت زعزعة الاستقرار في البوسنة والهرسك عن طريق تأجيج التوترات الطائفية. وفي مقدونيا الشمالية نفسها، قامت روسيا بتمويل وكالات أبحاث الإنترنت التي استخدمت، من بين أمور أخرى، لاستهداف الحملة الرئاسية الأمريكية لعام 2016 من خلال بث معلومات مضللة.

وحاولت موسكو أيضًا التأثير على استفتاء مقدونيا الشمالية الذي جرى في سبتمبر (أيلول) 2018 بشأن عضوية حلف شمال الأطلسي، وتستخدم روسيا سفارتها وقنصلياتها هناك كقواعد لعمليات جمع المعلومات الاستخبارية، ونشرت دعاية تفصل المؤامرات الغربية المزعومة لتفكيك البلاد.

البلقان خاصرة الناتو الرخوة 

يذكر كاتبا المقال أن تهديد روسيا لأعضاء الناتو في أوروبا الشرقية ليس بالأمر الجديد بالطبع. بل حاولت روسيا منذ فترة طويلة تقويض دول البلطيق – ليتوانيا، ولاتفيا، وإستونيا – التي انضمت إلى الناتو والاتحاد الأوروبي بعد حصولها على استقلالها عن الاتحاد السوفيتي. ولكن دول البلطيق اليوم اندمجت اندماجًا جيدًا في هياكل التحالف وفي الاقتصاد الأوروبي، وهي مقر للآلاف من قوات الناتو. وفي حين أصبحت دول البلطيق جزءًا من جبهة الناتو المُصفحة، فإن البلقان هي خاصرتها الرخوة.

فموقف الناتو في مقدونيا الشمالية وما جاورها محدود للغاية. ودول البلقان هي أيضا أكثر فقرًا، وأكثر انقسامًا من الناحية العرقية، وأقل اندماجًا اقتصاديًا مع أوروبا. وعدم استقرارهم المحتمل وتدني احتمالية وجود استجابة قوية من الغرب يجعل مقدونيا الشمالية وجيرانها أهدافًا سائغة وسهلة التعرض للتدخل الروسي. 

ترامب يجاهر بحقيقة موقف الناتو

تقول مجلة «فورين بوليسي» إذا أخذنا صفحة من كتاب قصص التاريخ، نجد بوتين يفترض وهو مُحق أن معظم صناع القرار في عواصم دول الناتو سيعتبرون مقدونيا الشمالية «بلدًا بعيدًا» مكون من «أناس لا نعرف شيئًا عنهم». وأكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي تواصل علاقته مع بوتين جذب الانتباه، ريبة مماثلة فيما يتعلق بدولة الجبل الأسود المجاورة عندما بدا أنه يشكك في التزام الناتو بالدفاع عن الدولة البلقانية خلال مقابلة بثتها قناة «فوكس نيوز». وفي حين قد يكون البعض استاء من تصريح ترامب، لكن الحقيقة هي أنه يعبر عن رأي كثيرين.

فوفقًا لاستطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث في شهر فبراير (شباط)، فإن أقل من نصف سكان فرنسا، وإسبانيا، وتركيا، واليونان لديهم وجهة نظر إيجابية تجاه الناتو. واسترضاءً لمنتقدي الحلف، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في العام الماضي أن الناتو يعاني «موتًا دماغيًا». ويقول مواطنو ثلاث دول أوروبية فقط – بريطانيا، وهولندا، وليتوانيا – إن على بلادهم الرد بقوة عسكرية إذا ما هاجمت روسيا أحد أعضاء الناتو في أوروبا الشرقية.

تصريحات الغرب تحظى باهتمام الكرملين

وفي هذا الصدد، يقول كاتبا المقال: ليس من المفاجئ إذًا أن موقف الناتو تجاه أحدث أعضائه لا يزال غير واضح. وعلى الرغم من أن الناتو وسع تعريف التزامه الدفاعي المشترك – المادة 5 من ميثاق الحلف – ليشمل الهجمات الإلكترونية (السيبرانية) في عام 2014، إلا أنه فشل في توضيح ما يعنيه ذلك بالضبط. وعندما سُئل عن مستوى الهجوم السيبراني الذي قد يتعرض له أحد أعضائه ويكون من شأنه أن يؤدي إلى رد، قال الأمين العام للناتو ينس ستولتنبرج فقط: «سنرى».

وأعاد إعلان بروكسل لعام 2018 التأكيد على نية الناتو الدفاع عن الدول الأعضاء ضد الهجمات غير التقليدية، لكنه أكد فقط وعلى نحو وديع أنه «في حالات الحرب الهجينة، يمكن للمجلس أن يقرر اللجوء للمادة 5». وهذه الكلمات الغربية المراوغة ستحظى بالاهتمام الواجب في الكرملين.

روسيا وحماس

التدخل الروسي في انتخابات مقدونيا الشمالية يزعزع الاستقرار

يوضح كاتبا المقال أن نوع التدخل الذي تخصصت فيه روسيا يشمل التدخل في الانتخابات، وإشعال التوترات العرقية، وإثارة صراع عنيف. ويمكن لهذه الاحتمالات الثلاثة الحقيقية أن تؤدي إلى رد من جانب الناتو بموجب المادة 5. والقضية الأكثر إلحاحًا هي تأمين الانتخابات القادمة في مقدونيا الشمالية، والتي تأجلت الآن حتى إشعار آخر بسبب جائحة فيروس كورونا المُستجد. وأظهرت الاستطلاعات الأخيرة أن حزب (VMRO-DPMNE) القومي الموالي لروسيا، في حالة تعادل مع حزب الديمقراطيين الاجتماعيين الموالي للغرب. ولا يهدد التدخل الروسي في العملية الانتخابية أو النتيجة السيادة المقدونية فقط، ولكن إذا نجح، يمكن أن يؤدي إلى حكومة تميل بمقدونيا الشمالية نحو موسكو.

وقد تسعى روسيا أيضًا إلى الضغط على مقدونيا الشمالية وزعزعة استقرارها بطرق أخرى، بما في ذلك من خلال عميل موسكو الإقليمي، صربيا. وتتضمن الدعاية الروسية التي تستهدف مقدونيا الشمالية إثارة نظريات المؤامرة حول الأقلية الألبانية الضخمة في البلاد التي يفترض أنها تتواطأ مع حلف شمال الأطلسي وألبانيا لإدخال مقدونيا الشمالية في ما يسمى بـ«ألبانيا الكبرى» وسط (احتمالية) إراقة دماء هائلة.

وكما يعلم أي طالب يدرس تاريخ البلقان، أدى مثل هذا الخطاب إلى العنف العرقي في المنطقة من قبل. وبدلًا عن ذلك، قد تثير روسيا صراعات متصاعدة في صربيا، التي تتاخم منطقتها غير المستقرة المعروفة بـ«بريسيفو» مباشرة مقدونيا الشمالية، أو تثير نزاع كوسوفو الذي لم يُحل. ويمكن لأي من النزاعين أن يمتد بسهولة إلى مقدونيا الشمالية.

إجماع المادة 5 يشل دفاع الناتو الجماعي

ترى المجلة المهتمة بتحليل القضايا العالمية، فورين بوليسي، أن خطوات حلف شمال الأطلسي القادمة لتأمين عضوه الجديد يمكن أن تشتمل على تكييف الأساليب الناجحة التي أستخدمت عندما انضمت دولة الجبل الأسود إلى الحلف في عام  2017 (لتنطبق على مقدونيا الشمالية). إذ قدم فريق إلكتروني يرعاه الناتو لحكومة الجبل الأسود الدعم الفني لتعلم كيفية التعرف على الحرب الهجينة ومواجهتها. ورفع الناتو حالة الوعي بفوائد التمتع بعضوية الناتو من خلال العمل مع المسؤولين والمجتمع المدني والحكومات المحلية والمنظمات الإعلامية. كما عمل أيضًا على تحسين الحوكمة في قطاع الدفاع في الجبل الأسود.

Embed from Getty Images

وزير خارجية مقدونيا الشمالية 

وعلى غرار ذلك، فإن الاتحاد الأوروبي، الذي فتح للتو محادثات الانضمام مع مقدونيا الشمالية، يمكن أن يتحرك بسرعة ليؤكد للعالم أن دول البلقان جزء لا يتجزأ من أوروبا. ولكن على نطاق أوسع، يحتاج الناتو إلى آلية للرد على العدوان الروسي في حالة عدم موافقة أعضاء الحلف بالإجماع على القيام بذلك. إذ تتطلب المادة 5 الإجماع قبل اللجوء إلى الدفاع الجماعي، لكن أعضاء الناتو يختلفون في مواقفهم تجاه روسيا.

ويتمثل أحد الحلول في تشكيل تحالف، كدعم في حالة الاحتياج إليه، من الراغبين يضم أعضاء الناتو الذين يتمتعون بقدرات دفاعية موثوق بها ومستعدة لمواجهة روسيا، وإعداد رد جماعي على أي هجوم.

وعلى الرغم من التفوق العسكري الشامل لحلف شمال الأطلسي، إلا أن يده ضعيفة في البلقان، وتستمر روسيا في تجاوزه بالمناورة هناك. ومن ثم، يجب على الناتو أن يدلل بسرعة على أنه لا يزال صامدًا، وما دام قرر ضم مقدونيا الشمالية لعضويته، فإن هذا يعني أنها عضو لا يتجزأ من الحلف. وإذا فشل الناتو في دعم الأعضاء الجدد مثل مقدونيا الشمالية، فسوف تزداد فرص أن يواجه عدوانًا روسيًا – سواء كان عدوانًا هجينًا أو تقليديًا – الأمر الذي قد يعني فقط نهاية الناتو كحلف موثوق به. 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد