عامل الناس كأنهم قذارة، وسوف يتحولون إلى قذارة بالفعل. أما إذا عاملتهم كبشر، فسيتصرفون كبشر

نشر موقع «بيزنس إنسايدر» تقريرًا كتبته «باز دريسينجر» أستاذ اللغة الإنجليزية بجامعة مدينة نيويورك وناقدة ثقافية، تروي فيه جولتها بمختلف السجون النرويجية. إذ تعد معدلات الجريمة في النرويج منخفضة للغاية، ومعدل الانتكاس والعودة إلى الجريمة بالكاد يصل إلى 20%. تحدثت الكاتبة أثناء جولاتها مع المسجونين والحراس على السواء، وتوصلت إلى أن نظام السجون في الولايات المتحدة في أمس الحاجة للإصلاح. فيما يلي بعض النقاط التي تناولتها في كتابها «أمم السجون: رحلة إلى العدالة في السجون حول العالم».

تقول الكاتبة إن أكثر ما استوقفها في نظام السجون النرويجي الرحيم أنه يعمل بنجاح وفعالية؛ إذ تنخفض معدلات الجريمة بشكل كبير، وتبلغ نسبة العودة إلى الجريمة مرة أخرى 20%. وتعتقد أنه المكان الأنسب لتنهي به جولتها، فهي أحد المعجبين الكثر بهذا النظام. ولكن السؤال الحقيقي: هل يرقى هذا النظام بالفعل إلى مستوى الضجة الذي أثارها؟ وتتساءل: «هل تدلني النرويج على ضالتي المستعصية المنشودة في أزهى صورها، ألا وهي العدالة؟».

سجن وإن كان جنةً

بعد أن أوصلها القطار إلى العبارة، آملة في التوجه إلى جزيرة باستوي، سألت الكاتبة اثنين من العاملين على متن السفينة: «هل تذهب هذه السفينة إلى السجن؟». أجابها أحد الرجلين «نعم»، بينما كان يفرك يديه ببعضهما استجلابًا للدفء، إلا أنه رمقها بنظرة متعجرفة بعينيه الزرقاوين من أعلى إلى أسفل، وتابع قائلًا: «ولكن للأسف، إنه مخصص للرجال فحسب»، ثم ضحك، وأشار إليها قائلًا: «تقدمي، تقدمي، أنت في المكان الصحيح».

سألها عامل السفينة الآخر فجأة: «هل تخافين من المجرمين؟»، وقبل أن تجيبه باغتها قائلًا: «نحن مجرمون». ثم ضحك العاملون، ما أثار حيرتها «هل يمزحان؟»، ثم أتبع مؤكدًا أنهما بالفعل مجرمين، وكرر سؤاله «هل أنت خائفة؟»، فأجابت في استهجان «لماذا عليّ أن أخاف؟»، إلا أنها تذكر أنها حتى تلك اللحظة لم تكن متيقنة إن كان يمزح أم لا.

مد أحدهما إليها يده بالمصافحة قائلًا: «أنا ويجو»، وكان بالفعل سجينًا يقضي عقوبة سجن مدتها 21 عامًا، وهي أقصى فترة عقوبة في النرويج، لكنه على الأرجح سوف يخرج في العام المقبل.

بينما الآخر يدعى «كاتو»، يقضي عقوبة مدتها عام ونصف لشروعه في ارتكاب عمل إجرامي، لكنه يصر أنه بريء. اصطحبها «كاتو» و«ويجو» إلى الرواق ليرياها جدول أعمالهما اليومية، والذي كان مُعلقًا على الحائط. يقول «كاتو»: «نحن نعمل في وردية من السادسة صباحًا حتى الظهيرة، ثم نعود إلى السجن للراحة. نؤدي بعض التدريبات الرياضية، ثم نعود للراحة في غرفتي مرة أخرى»، وسألها «هل تودين مقابلة القبطان؟ إنه ليس سجينًا، فكل من على متن هذه السفينة سجين، إلا هو».

في الطابق العلوي، صافحها القبطان الحازم، وقال ضاحكًا: «هل تحدثت مع هؤلاء المجرمين؟»، حاولت التملص من ذلك التهكم الهزلي على عقلية المجرمين المخيفة، ولكن يبدو أن لا شيء يثير الخوف هنا، والجميع مدركون لذلك. وبينما شرع القارب في الإبحار، وبدأت رحلتها إلى سجن باستوي، لاحظت مجموعات طويلة وكثيفة من أشجار الصنوبر تبلغ عنان السماء الرمادية وسط بحر رمادي. داخل منطقة الجلوس الصغيرة على متن القارب، جلس «كاتو» إلى جانبها، وشغل التلفاز على قناة التاريخ، وسألها «هل لديك حساب على فيسبوك؟» فسألته بدورها «هل يُسمح لك باستخدام الفيسبوك؟ والإنترنت؟».

أشار إلى أشجار الصنوبر البعيدة، وقال: «ليس أثناء وجودي هناك»، وأضاف: «لكنه مسموح عندما نكون في إجازة زيارة المنزل»، فدونت له اسمي على قصاصة من الورق. وللمرة الأولى منذ وصولي، يظهر بصيص نور رفيع في السماء الزرقاء في الأعلى. أخبرها «ويجو» أثناء مغادرتها المقصورة نزولًا من السفينة أن الناس يطلقون على السجن: «مخيم باستوي الصيفي». ولوهلة ظنت أنه يصحح لها فكرتها ويشعرها بتأنيب الضمير، إلا أنه أردف قائلًا: «ربما ستظنين أنت أيضًا ذلك. ولكن لا، إنه سجن. ثقي بكلامي. لقد توقفت حياتنا. تجمدت».

السجن المفتوح

إن 30 % من سجون النرويج سجون مفتوحة، وكان سجن باستوي في السابق إصلاحية أحداث سيئة السمعة، تحولت إلى سجن عام 1984

تتساقط أوراق الأشجار المرقطة فوق عدد من راكبي الدراجات السجناء، بينما يمر من جانبهم حصان وعربة، ويظهر منزل خبز الزنجبيل في المشهد باللون الأصفر الباهت، وزينة خضراء، وسقف أحمر.

لاحظت الكاتبة وجود أغنام وأبقار دون وجود سياج، أو سلك شائك؛ فسجن باستوي في نهاية المطاف يُعد سجنًا مفتوحًا، ذلك المفهوم الذي نشأ في فنلندا خلال ثلاثينات القرن الماضي، والذي أصبح الآن جزءًا أساسيًا من نظام السجون في الدول الإسكندنافية، حيث يستطيع السجناء في بعض الأحيان الاستمرار في ممارسة وظائفهم بالخارج خلال فترة قضاء عقوبتهم، والعودة يوميًا.

صورة لأحد البيوت على الجزيرة / السجن

تقول الكاتبة: «إن 30% من سجون النرويج سجون مفتوحة، وكان سجن باستوي في السابق إصلاحية أحداث سيئة السمعة، تحولت إلى سجن عام 1984، ولكنه غدا كـ«جوهرة التاج» لجميع السجون».

تقول الكاتبة: «حملتني شاحنة صفراء صغيرة يقودها ضابط بشوش الوجه إلى كوخ، حيث يجب أن أترك هاتفي المحمول، وكان هذا أول شيء يشير إلى أنه «سجن». قابلت «توم»، وهو الحاكم هنا، فهو ليس آمر السجن، ولا المراقب، بل الحاكم، وكان يشبه الممثل كيفين كوستنر. قدم لي قدحًا من القهوة، وجلسنا في مكتبه المزين، ستائر مزركشة بالأزهار، ونباتات الصبار، ويسري في المكان عبق دخان خفيف؛ ما يذكرني بغرفة قديمة الطراز جذابة، حيث السرير والإفطار في مكان ما بنيو إنجلاند».

تحدث «توم» إليها بشأن نظام السجون التقليدي، مؤكدًا: «إنه لا يحقق النجاح المطلوب، نتبعه لأننا كُسالى»، عمل «توم» لمدة 22 عامًا في النظام التقليدي قبل أن يدير هذا السجن المفتوح، وبينما يُكمل توم كلامه، يُدوي طنين ذبابة أمام النافذة.

قال «توم»: «كنت مرتابًا في بادئ الأمر، إلا أن ذلك قد تغير سريعًا. يجب أن تكون المزيد من السجون مفتوحة، بل يجب على جميعها أن تكون كذلك. نحن نستقبل سجناء قدر المستطاع، ولكن ليس هناك مُتسع للجميع». تقول الكاتبة: «إن بإمكان السجناء من جميع أنحاء البلاد التقدم بطلب للانتقال إلى سجن مفتوح مثل باستوي، وذلك في غضون ثلاث سنوات قبل إطلاق سراحهم، وانتهاء فترة حبسهم. يسكن الجزيرة 115 سجينًا، يُشرف عليهم 73 موظفًا، وتوجد قائمة انتظار تضم ما يقرب من 30 آخرين».

ويضيف «توم»: «هناك تصور أنه سجن لطيف، وأننا نأخذ الرجال الجيدين لسجن المخيم الصيفي، ولكن في الحقيقة هذا غير صحيح. فهناك أشخاص ارتكبوا أمورًا فظيعة، من مخدرات وعنف وما إلى ذلك. في الحقيقة واجه بعضهم مشاكل كبيرة في سجون أخرى، إلا أنهم عندما أتوا إلى هنا، وجدنا التعامل معهم سلسًا جدًا». يقول: «كنا نتعجب؛ هل هذا هو نفس الشخص الذي قلتم إنه صعب المراس؟ الأمر غاية في البساطة، عامل الناس كأنهم قذارة، وسوف يتحولون إلى قذارة بالفعل. أما إذا عاملتهم كبشر، فسيتصرفون كبشر». ثم فتح «توم» النافذة كي تخرج الذبابة، وعرض عليها الخروج في جولة حول السجن المخيم.

تذكر الكاتبة أنها خلال جولة في الغابة مرت على خيول رعي، ومنطقة لتربية الطيور، ودفيئة (صوبة زجاجية)، ومكان للشواء حيث يطهو الرجال غدائهم، يعيش السجناء في بيوت مشتركة تشبه الأكواخ الخشبية، وتنبعث رائحة زكية من الحطب المحترق في الهواء، ما يُذكرها بجزيرة روبن بجنوب أفريقيا، إلا أن جزيرة باستوي تختلف تمامًا عن شبيهتها رمز الوحشية والظلام؛ فهي النسخة الإنسانية من ذلك السجن المحكم.

الحياة على الجزيرة

يصف «توم» الوضع في سجن باستوي قائلًا: «لا يقتصر الأمر على إدارة سجن فقط، بل إدارة جزيرة بأكملها». إنها محمية طبيعية تُنتج قرابة 25% من طعامها، ومعظم السيارات الموجودة على الجزيزة سيارات كهربائية، فضلًا عن أنهم يعيدون تدوير كل شيء، ويوضح أن «الزراعة تمثل ركنًا أساسيًا من فلسفتنا؛ نحن أناس نهتم بالبيئة، والحيوانات لها مهمة اجتماعية أيضًا في تعليم التعاطف. الجميع هنا يعمل بالزراعة».

عندما سألته الكاتبة حول مكان سكنه، هل يعيش على الجزيرة أم لا؟ فأجابها قائلًا: «آتي بالقارب كل يوم. أحب ذلك؛ حيث لا مزيد من القيادة إلى أوسلو». وبينما كان يهز رأسه، قال: «لم أكن أعرف أي شيء عن كل هذا، كنت فتىً من المدينة مأخوذًا بها. أما الآن فقد صلحت حياتي بشكل كبير في هذا المكان، وفق أسلوب الحياة هنا. تمامًا مثل السجناء».

قاد «توم» الكاتبة إلى كنيسة خشبية مزينة بثريا نحاسية، وقال: «النرويج دولة علمانية، لذا فهذا المكان يعد مساحةً ثقافيةً بالأساس، فضلًا عن أن الكاهن يُعد معالجًا أكثر منه كاهنًا على الطراز القديم»، ثم اصطحبها إلى منطقة السوق التي تصفها بـ«البراقة»، حيث يباع عصير كاكاو الشوكولاته والصبار المميز. يوجد في منطقة السوق أكشاك هواتف حمراء للاستخدام الحر؛ إذ يؤمن «توم» بضرورة السماح باستخدام الهواتف المحمولة والإنترنت في السجون. تمتم توم متعجبًا «ما الذي نخشاه؟ لا يمكن قتل أي شخص باستخدام الإنترنت أو الهاتف».

بدأت الكاتبة تتساءل حول حال السجناء والعار الذي يلحق بالسجين والانتكاس والعودة إلى الإجرام. أجاب قائلًا: «في النرويج، عندما يُطلق سراحك، تُصبح حرًا بكل ما تحمله الكلمة من معان». وأضاف: «ليس هناك عار يلحق بالشخص بعد خروجه. أعرف شخصًا قضى 18 عامًا خلف القضبان، وها هو الآن يعيش في الحي الذي أعيش فيه، كأي شخص مسن عادي، لا أحد يهتم بذلك، وهناك أمثلة كثيرة مشابهة، لدي كثير من الأصدقاء سُجنوا من قبل. الشعب النرويجي شعب متسامح»، إلا أنه تابع بعد أن صمت قليلًا: «إنه أمر غريب؛ لأننا لم نكن كذلك على الدوام من قبل».

من أجمل أفلام السجون.. 11 فيلمًا أجنبيًا تدور أحداثهم داخل سجن

إلى أجمل سجون الأرض!

إن صالات الزيارة الكبيرة غير مجدية، كما هو الحال في أمريكا؛ كيف تستطيع العائلات أن تتواصل في ظل عدم توافر الخصوصية؟ وفي ظل الضجيج والزحام؟

تقول الكاتبة: «إن الهواء هناك متجمد، لذا التقطت صورة سريعة للسجن، ومن ثم هرعت من محطة القطار إلى موقف سيارات الأجرة، حيث حملتها سيارة دافئة إلى المرتفعات، وهناك وصلت إلى نوع آخر أكثر حداثة من الحصون، وهو سجن مغلق. يميزه جداره الإسمنتي بارتفاع 20 قدمًا – حيث لا يوجد سلك شائك، بل جدران فحسب، والذي لا يُعد جدارًا بالمعنى الدارج للكلمة، إذ تكسوه أشجار الصنوبر، ويتميز بقمته المستديرة».

تبدأ الكاتبة الحديث عن ذلك الحصن باسمه الشهير؛ إذ يُعرف باسم «سجن إيكيا»، ويرجع ذلك إلى طرازه العصري الأنيق، ويقال إنه يحاكي سلسلة متاجر الأدوات المنزلية السويدية الشهيرة. افتتح هذا السجن عام 2012 ليستوعب 259 نزيلًا، ومثلهم من طاقم عمل السجن، وتكلف بناؤه 252 مليون دولار، ومن قبيل المفارقة الساخرة يعرف بأنه «أجمل سجن في العالم»؛ إذ يُعد مثالًا على كيفية عيش من يُطلق عليهم «مجرمون» في النرويج بفندق خمس نجوم.

صورة من الداخل لسجن هالدن

لكنها من ناحية تتعجب «لماذا لا تسعى الدول القادرة إلى توفير أوضاع تأهيلية مناسبة لمن هم في أمس الحاجة إليها؟ ألا يُفترض أن يخضع السجناء لإعادة التأهيل؟»، وتضيف أنها بالفعل رأت صور سجن «هالدن»، لكنها ما تزال متحمسة للاطلاع على المكان من الداخل.

تقول الكاتبة إن مرشدها في هذه الجولة يدعى «لاسي أندرسن»، وهو شاب مرح يعمل مفتشًا للعمليات والعلاقات الاجتماعية، وقد بدا عليه الإحباط عندما لم تندهش الكاتبة، فضلًا عن عدم انبهارها بما يعرضه عليها بكل فخر؛ فليس هناك أي قضبان حديدية، أو زي موحد للسجناء، أو الوحدات السكنية المشتركة الرائعة، والتي تحتوي على أسطح مصنوعة من «الاستانلس استيل»، أو الأرائك الملفوفة، أو طاولات القهوة الأنيقة، أو النوافذ الرأسية التي تسمح بنفاذ أشعة الشمس اللازمة، كما لم تبهر بساحة السجن الأنيقة المزينة بنماذج رسوم جدارية عصرية للفنان المحلي «دولك لندغرين»، ولا بصالة الألعاب النظيفة التي تحتوي على حائط تسلق، أو جوقة السجن الودودة التي تتمرن على أحد الأغنيات الأمريكية حول السلام، أو المقطوعات الأدبية التي تزين الجدران، والتي تضم قصائد «بابلو نيرودا»، و«ويستن هيو أودن»، ناهيك عن الوحدة الصحية الرائعة، والتي تضم طاقمًا طبيًا بارعًا، ومجموعة كبيرة من الخيارات العلاجية للمخدرات، والمكتبة التي نُظمت بشكل رائع، حيث يتعمق رواد نادي الكتاب في مناقشات حول إحدى الروايات النرويجية.

إلا أن غرف الزيارة الجميلة الخاصة، الموضوع بها واقيات ذكرية والمزلقات، هو ما فاجأها، وأثار دهشتها حقًا. قال «لاسي» بينما بدت على وجهه علامات الاستهجان، «إن صالات الزيارة الكبيرة غير مجدية، كما هو الحال في بلادك». وأضاف متعجبًا: «أرى ذلك في بلجيكا، كيف تستطيع العائلات أن تتواصل في ظل عدم توافر الخصوصية؟ وفي ظل الضجيج والزحام؟»، تقول الكاتبة إنها تدرك تمامًا ما الذي يعنيه، لا سيما خلال الساعات الكثيرة التي قضتها الكاتبة في مثل هذه الغرف البغيضة الصاخبة، وفي غضون ذلك أشار «لاسي» إلى الألعاب الموضوعة بعناية في ركن الغرفة قائلًا: «نحن نحاول تقديم أفضل شيء للأطفال»، ثم يفتح غرفة زيارة أخرى قائلًا: «دعيني أصطحبك إلى وطنك!»، وإذا بصورة جدارية ضخمة لأفق مدينة نيويورك.

في تلك اللحظة عادت الكاتبة بذاكرتها إلى إحدى صالات الزيارة في سجن نيويورك، وصور التقطتها مع صديقها بعد السماح لنا بعناق وداع واحد فقط، وتضيف أن غرفة الزيارة في أي سجن تحتوي على منطقة للصور، حيث يقف أحد السجانين حاملًا كاميرا «بولارويد» قديمة ليلتقط صورة للسجناء مع أحبائهم الزائرين مقابل دولارين، وذلك أمام ستار منسدل أشبه بستائر خلفية حفلات التخرج، تُغير اللوحات بشكل أسبوعي، وقد أطلقت على واحدة منها اسم «المزرعة»؛ لأنها بدت وكأنها شرفة منزل «سيد»، وبه عبيد كثر، بينما سميت أخرى بخلفية «ليل المدينة»؛ لأنها تبدو كمدينة نابضة بالحياة، تقول الكاتبة: «إن تلك اللوحة الأخيرة من سجن مدينة نيويورك بدت متطابقة تقريبًا مع اللوحة الجدارية التي تنظر إليها في سجن هالدن، غير أن هذه اللوحة ليست غريبة لعدم توافقها مع المكان، بل لإنسانيتها المطلقة».

سجون إنسانية

تقول الكاتبة: إنه إذا كان من الضروري احتجاز بعض الناس بعيدًا عن الأشخاص الأقدر على «تقويمهم»، ألا وهم أحباؤهم، فإنه من الضروري أن يُسمح لهم ببعض الحميمية الحقيقية على أقل تقدير. أثبتت إحدى الدراسات التي أجريت في ولاية منيسوتا أن تحقيق ذلك «أمر مفيد للجميع»، فمن خلال البحث في الحالات التي أُطلق سراحها بين عامي 2003 و2007، وجد أن الزيارات تساهم بشكل فعال في خفض خطر الانتكاس والعودة إلى الجريمة، وتذكر الكاتبة أنها علمت من مراقبة التوعية العاطفية في سجن هالدن أن التحفيز الحميمي قد يصل إلى نشوء علاقات بين السجناء وموظفي السجن.

وأضافت مؤكدةً أن «العلاقات هي أساس نظامنا»، موضحًة أنها بالفعل دربت الضباط ليكونوا حازمين وواقعيين، لكنها أيضًا تقر بأن «البعض لا يرغب في تلقي المساعدة»، ومع ذلك يجب عليهم أن يكونوا منفتحين، وعلى استعدادٍ للمشاركة مع السجناء، وتقول إنها عندما تجد أحد الضباط الجدد قلقًا، ويحاول إخفاء بطاقة تعريفه، تدرك تمامًا «أنه ليس مناسبًا لهذه الوظيفة».

يجب على المتقدمين لهذه الوظيفة أن يكونوا حاصلين على درجة تعليمية لمدة سنتين من إحدى الأكاديميات الخاصة بالموظفين في هذا المجال؛ حيث يدرسون مزيجًا من علم الإجرام، والقانون، والدراسات الاجتماعية، والأخلاقيات التطبيقية، والعمل المجتمعي. تقول الكاتبة إنها زارت إحدى هذه الأكاديميات في المدينة، وانبهرت من مدى عمق وإنسانية منهجها، وتضيف: «إن معرفة كيف تُنشئ علاقةً مع سجين، وكيف تتعامل معه، وكيف ترى حقيقة الشخص الكامن وراء جريمته، هو الهدف من تدريب الضباط في تلك الأكاديميات. ولعل من الأمور الأخرى التي أدهشتها أن الضباط يتقاضون أجورًا أثناء دراستهم هناك، وتُعد تلك الوظيفة جيدة جدًا، مثل وظيفة الممرض أو المعلم، مع راتب ثابت، ومزايا جيدة».

تختتم الكاتبة بذكرها أن وظيفة الضباط من هذا النوع مرغوبة جدًا؛ إذ تُجرى في الوقت الراهن مقابلات لـ1300 شخص لشغل عدد وظائف يتراوح بين 150 و175 وظيفة. وعلمت أيضًا أن النرويج تقدم تدريبًا لموظفي السجون في البلاد الأخرى، بداية من بولندا، ومرورًا بروسيا، وانتهاءًا بالصومال؛ إذ أخبرها حاكم هالدن أنه عاد للتو من ناميبيا، وبينما كانت تفكر في كل الدول التي تهرول لاستيراد النموذج الأمريكي الفج، لم يكن بوسعها إلا أن تقر بأن هذا النهج بلا شك أفضل مما يجري في بلادها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
s