آخر حزب إسلامي في مصر يتشبث بالحياة، لكن إلى متى؟

منذ عام 2012 ورؤساء مصر يحكمون البلاد من خلال قرارات، دون برلمان أو مجلس تشريعي يتحقق من سلطتهم، وهذا الوضع على وشك التغيير. بدأت المرحلة الثانية والأخيرة من الانتخابات البرلمانية التي طال انتظارها، امتلأت قوائم المرشحين بكل الاتجاهات العلمانيين والقوميين وحتى كبار رجال الأعمال، بينما تقلصت اختيارات الاسلاميين لتنحصر في اختيارٍ واحدٍ: حزب النور.

فهذا الحزب السلفي المحافظ المتشدد والمؤيد للنظام الحاكم أيضًا هو كل ما تبقى من الإسلام السياسي في مصر.

أصبح حزب النور قوة رئيسية في أعقاب ثورة يناير 2011، التي أطاحت بالرئيس المستبد محمد حسني مبارك بعد حكمه البلاد سنوات طويلة. وبعد عقودٍ من التهميش، حانت الفرصة أخيرًا لوجود بديلٍ إسلامي للسياسة العلمانية، واستغل حزب النور الفرصة.

يعتنق السلفيون نسخة أصولية متشددة عن الإسلام، فهي تأمرهم بالعيش كما فعل النبي بالضبط، وبسببها يعارضون دفع الفوائد على القروض البنكية، ويرفضون الوقوف أثناء غناء النشيد الوطني، ويرفضون وضع صور المرشحات النساء على ملصقات الحملات الانتخابية. في انتخابات 2011-2012 التي أعقبت سقوط مبارك، استنكر حزب النور جماعة الإخوان المسلمين – الحركة الإسلامية العريقة والمعروفة في مصر من قبل – ووصفها بأنها ليبرالية للغاية. وانتهى الحال بحزب النور بالحصول على 25% من المقاعد في الانتخابات البرلمانية، مما جعله يأتي في المرتبة الثانية بعد جماعة الاخوان المسلمين. ومع ذلك، هذا البرلمان الذي سيطر عليه الإسلاميون صمد فقط حتى يونيو 2012، عندما أصدرت المحكمة الدستورية العليا قرارًا بحله لمزاعم تتعلق بالانتهاكات الانتخابية.

 

تُجرى الانتخابات البرلمانية هذا العام على مرحلتين، الأولى تضم محافظات شمال وغرب مصر، وأجريت في 16 و18 أكتوبر. أما المرحلة الثانية تغطي باقي أنحاء البلاد وبدأت منذ بضعة أيام. لكن نتائج المرحلة الأولى التي ظهرت بالفعل، تؤكد أن ساعة حزب النور السياسي قد انتهت. فمنذ اللحظة الأولى بعد انتخابه، عزز الرئيس السيسي من سيطرته السياسية على مصر، حيث قضى على بقايا الإسلام السياسي من المشهد، واستمال البقية. وحتى الآن حزب النور هو الحزب الإسلامي الوحيد المتبقي والذي أيضا تلحقه هزيمة نكراء في سباق الانتخابات البرلمانية. يعني ذلك أن مصر على الرغم من كونها بلدًا محافظًا جدًا، سيتم تمثيلها تقريبًا ببرلمان علماني تمامًا.

 

كان سقف توقعات حزب النور لتلك الانتخابات منخفضًا منذ البداية، لكنهم عولوا فوزهم على محافظة الإسكندرية معقلهم، والتي كانت من بين محافظات المرحلة الأولى. لكنهم كانوا مخطئين. فعلى الرغم من أن الحزب سعى للفوز بـ 102 مقعد في انتخابات المرحلة الأولى، فاز بـ 10 مقاعد فقط. في تصريح له عقب الانتخابات، يقول عمر مكي مساعد رئيس رئيس لجنة الشؤون الخارجية بحزب النور، وأحد المرشحين عن الحزب «ما حدث تجاوز أسوأ توقعاتنا، توقعنا أن يفوز الحزب في محافظة الإسكندرية».

سارع حزب النور بإلقاء اللوم على قانون الانتخابات الجائر، ووسائل الإعلام المعادية، والمسؤولين الفاسدين على فشله الكارثي في المرحلة الأولى. لكن يقول أشرف الشريف – أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية في القاهرة وشريك سابق مع مؤسسة كارنيغي – «ليس هذا سبب خسارته، هم خسروا لأن السلفيين في الدائرة الانتخابية الرئيسية لهم لم يصوتوا لحزب النور. ويرجع ذلك لاعتقادهم أن الحزب باع قضية الإسلاميين، والقضية السلفية».

 

منذ عزل الرئيس مرسي المنتمي إلى جماعة الاخوان المسلمين في يوليو 2013، سعى النظام المدعوم عسكريًّا بقيادة الرئيس السيسي للقضاء على منهجية الإخوان. تمكن حزب النور والدعوة السلفية من النجاة، بسبب دعمهما للحكومة الجديدة، وتخليهما عن زملائهم من الإسلاميين المُحاصَرين. يصر حزب النور على أن القرار كان قرارًا عمليًا. في تصريح له، يقول عبدالمنعم شحات، المتحدث باسم الدعوة السلفية «كان جليًا أن ما حدث، قد حدث». مضيفًا أن حزب النور اتخذ قرارًا استراتيجيًا، وأيدته الدعوة السلفية.

 

لكن كان قرار حزب النور الاستراتيجي لجماعة الإخوان المسلمين وأنصارها بمثابة طعنة غدر.

 

اضطر حزب النور مجبرًا للاختيار بين الانقراض أو تأييد النظام، يقول شادي حامد زميل بارز لمعهد بروكينجز «فمنذ اليوم الأول للانقلاب، راهن حزب النور على أنه سيتلقى شيئًا ما مقابل دعمه للسيسي».

 

لم يراهن حزب النور بالقليل فقط، بل بكل قوته؛ بعبارة أخرى هم تطرفوا. ففي الانتخابات الرئاسية دعموا حملة السيسي. يقول الشريف: «كان بإمكانهم الامتناع، لكن لا، هم قرروا البقاء ودعم السيسي. وكان هذا الاختيار استفزازيًا للغاية للإسلاميين». تحمَّل حزب النور غضب زملائه من التيارات الإسلامية الأخرى على أمل أن يحصل على فرصة عادلة عندما تحين الانتخابات البرلمانية، حتى ولو كانت تلك الفرصة هي مجرد التلميح بالقبول من قبل الإدارة.

 

ومع اقتراب المرحلة الأولى من الانتخابات في شهر أكتوبر، بدا واضحًا أن فوزه أمر بعيد المنال. يوضح حامد قائلاً: «فقد أصابهم النظام الحاكم بخيبة الأمل المرة تلو الأخرى، وقام بتهميشهم تدريجيًّا، والزج بهم خارج العملية كلها».

 

باعتباره مرشحًا عن حزب النور في المرحلة الأولى في مدينة الإسكندرية، يقول مكي أنه فوجئ لدى رؤيته السلطات تتحالف بفعالية مع أطرافٍ ضد السلفيين. وأضاف: «لم نكن نتوقع من الحكومة أن تغض الطرف عن كل أنواع الانتهاكات. كان الناس يشترون الأصوات أمام اللجان الانتخابية، واعتقلت الشرطة 17 شخصًا من المتطوعين في حملتي الانتخابية في دائرة الرمل بالاسكندرية في أول يوم من الانتخابات، وقضيت يوميّ الانتخابات في قسم الشرطة».

لا ينبغي أن يصدم حزب النور جراء أمر كهذا، حيث يؤكد حامد أن «تصرف حزب النور كما لو أن المنافسة في الانتخابات شرعية إلى حد ما، وهي من المستحيل أن تكون هكذا». لذا، كان افتراضهم الأَوَّلي خاطئًا، وخسروا رهانهم.

 

واجه حزب النور ما هو أكثر من مجرد معارضة الدولة له. فقد عارضته بقوة العديد من القوى السياسية، وبالطبع بما في ذلك العدو القديم المتمثل في جماعة الإخوان المسلمين. كان حزب النور قاب قوسين أو أدنى من أن يُمنَع من المشاركة في الانتخابات، حيث فشلت حملة (لا للأحزاب الدينية) في رفع دعوى قضائية ضد الحزب، تحت ادعاء أنه انتهاك للدستور الذي يمنع تأسيس أحزاب على أساس ديني. وعندما لم تحرك الدولة ساكنًا للدفاع عنهم، صرح حزب النور أنه فقط سيتنافس على الحد الأدنى من المقاعد، على أمل أن يظهر في صورة المعتدل، وأنه ليس بمصدرِ تهديدٍ. وعليه ترشح في الانتخابات على قائمتين انتخابيتين بدلاً من أربعة، وعلى 160 مقعدًا فرديًّا بدلاً من 448 مقعدًا. ومع ذلك هوجم بلا هوادة من قبل منافسيه السياسيين ووسائل الإعلام العلمانية. يقول أشرف ثابت، مسؤول بحزب النور وأحد المرشحين الخاسرين في الانتخابات الأخيرة، كان حزب النور في كفة، وباقي الأحزاب المصرية في كفةٍ أخرى».

أظهرت النتائج الأولية للانتخابات أن حزب النور لم يفشل فقط في الحصول على دعم الدولة، لكنه أيضا فشل فشلًا ذريعًا في الحصول على دعم معظم الحركات الإسلامية؛ ولعل الأسوأ من ذلك أنه فقد تأييد المسلمين الوسطيين على نطاقٍ أوسع. يقول الشريف أن حزب النور «فشل حقًا في قراءة عامة الناس. فهم تصوروا أن عامة الناس الذين صوتوا لهم في انتخابات 2011، سيصوتوا لهم مجددًا، وهذا تحديدًا ما لم يفهموه».

حاولَ حزب النور تكوين علاقة صداقة مع الدولة العلمانية، في حين أنه يحاول تمثيل التنوع في المجتمع الإسلامي المصري، وفشل في كليهما. يقول الشريف «فشلهم أمر منطقي، لأنهم سعوا للقيام بمهمة هم غير مؤهلين لها من الأساس». وأضاف «حاولوا أن يلعبوا دور الطرف الإسلامي العقلاني الوسطي الرشيد، الذي بمقدوره ان يكون عمليًّا، وينقذ الإسلاميين من الانقراض. لكن، لن يفلح ذلك من وجهة نظر الليبراليين، ببساطة لأنهم يعتبرونه متطرفًا وخطرًا، ولن يفلح أيضا مع الإسلاميين لأنهم يعتبرونه منافقًا».

 

على الرغم من أن حزب النور ما تزال أمامه فرصة للفوز بـ 118 مقعدًا في المرحلة الثانية، باتت نظرة الحزب المستقبلية قاتمة. فتلك الجولة من المنافسة ستكون أكثر ضراوة، حيث يتنافس فيها حزب النور في القاهرة؛ قلب الحركة المناهضة للإسلاميين. يقول مكي إنه “في أحسن الأحوال” يأمل في الحصول على 10 مقاعد أخرى فحسب، وبالتالي يكون إجمالي المقاعد التي حصدها حزب النور 20 مقعدًا، أي بالكاد يقرب من 3%. ويضيف مكي: «هل يمكننا حقًّا فعل أي شيء في البرلمان بـ 10 أو 12 مقعدًا فقط؟ لا أعتقد ذلك».

 

إلا أن حزب النور تمكن من فعل شيء لم يستطع أي من منافسيه الإسلاميين تحقيقه: ألا وهو النجاة. يقول حامد: «حزب النور هو الحزب الإسلامي الوحيد الذي لم يتم استئصاله بشكل أساسي. فقيادة الحزب ترى أن النجاة وحدها تعتبر نوعًا من النجاح».

 

كما تعتقد قيادة حزب النور السلفي أنه طالما تمكن الحزب من البقاء على قيد الحياة، سيظل خيارًا محتملًا للمصريين المحافظين على طول الطريق. ويؤكد أشرف ثابت أنه «في نهاية المطاف، يدرك حزب النور جيدًا أن المجتمع المصري ليس مجتمعًا علمانيًّا، إنما مجتمع محافظ متدين، لذلك يحتاج لاعبين أيديولوجيين فاعلين أصحاب منهج إسلامي. وحزب النور بإمكانه تقديم هذا الدور».

لذلك سيشارك حزب النور في اللعبة الطويلة. سيحتفظ باختلافه عن الدولة، مع العمل على مصالحة فصائل التيار الإسلامي المتنوعة في نفس الوقت. وسيستمر في وضع نفسه في صورة البديل الإسلامي الأخلاقي، وعندما يعود التيار الاسلامي للرواج مجددًا ( فالتاريخ يشير إلى ذلك) سيكون حزب النور حاضرًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد