نشر موقع «ميدل إيست آي» تقريرًا لكاتبه أكرم خريف عن الاستعدادات العسكريّة الاستثنائيّة التي اتّخذتها الجزائر سنة 1988؛ من أجل إنجاح مُؤتمر قيام الدولة الفلسطينيّة، وتفادي ضربة إسرائيليّة محتملة ضد الوفد الفلسطينيّ، كتلك الّتي شهدتها تونس في منطقة حمّام الشطّ قبلها بثلاث سنوات.

يشير التقرير إلى أنّ الجزائر بعد الضربة الإسرائيليّة في تونس سنة 1985، جنّدت جهازها العسكريّ الأرضيّ والبحري والجويّ من أجل حماية المسؤولين المسؤولين المجتمعين في العاصمة الجزائر؛ من أجل إعلان قيام دولة فلسطين، وقد أنقذت حياتهم بلا شكّ.

يضيف التقرير: لقد قيل كلّ شيء تقريبًا عن إعلان قيام الدولة الفلسطينيّة في العاصمة الجزائر قبل 30 سنة. لكن تاريخ الهجوم الإسرائيلي المخطّط ضدّ «قصر الشعب» (المقرّ الذي عُقد فيه مؤتمر إعلان قيام الدولة) والذي أجهضه الجيش الجزائري قبل خمسة أيّام من المؤتمر، يبقى غير معروف لدى الكثيرين.

حمّام الشطّ.. القوّات الاسرائيليّة تصل الحدود الجزائريّة!

كل شيء بدأ في الفاتح من أكتوبر (تشرين الأوّل) 1985، على بعد 800 كم من العاصمة الجزائر؛ حين عاشت تونس العاصمة اللامعقول. الضاحية الصغيرة لتونس العاصمة المسمّاة حمّام الشطّ، كانت مستهدفة من قِبل غارة جويّة إسرائيليّة، استهدفت مكتب القوّة 17 لمنظّمة التحرير الفلسطينيّة، والحصيلة كانت ثقيلة: 68 قتيلًا من بينهم 50 فلسطينيًّا، الكثير منهم مسؤولون في المنظّمة.

من خلال تنفيذ هذا الهجوم بنجاح -يضيف التقرير- وبغضّ النظر عن رأي المجتمع الدولي وحتّى الولايات المتّحدة حليفة تونس، استطاعت إسرائيل أن تُثبت بأنّ لديها القدرات التقنيّة واللوجيستيّة على ضرب أهدافها دون خسائر أو مجازفات غير محسوبة، حتّى لو كان الهدف على بعد 3 آلاف كم من قواعدها، ومن خلال ضمان عامِل المفاجأة في حربها النفسيّة ضد المقاومة الفلسطينيّة.

Embed from Getty Images

عمليّة «الساق الخشبيّة» كما سمّتها إسرائيل، المصرّحة من طرف رئيس الوزراء شيمون بيريز، مثّلت إنجازًا تقنيّة تكتيكيًّا حقيقيًّا. فحينها، لم تكن تقنيّة التخفّي الجوّي شائعة، في الوقت الذي كانت فيه دول البحر الأبيض المتوسّط مُنقسمة بين مُعسكريّ الحرب الباردة، فيما كانت ليبيا في حرب مفتوحة مع الأسطول الأمريكي السادس.
من أجل تنفيذ مخطّطها، استخدمت الجويّة الإسرائيليّة طائرتين رائدتين (mother ship) من طراز «بوينج 707»، مموّهتين على أنّهما طائرتا خطوط جويّة، و10 طائرات حربيّة من طراز «إف 15» من أجل إلقاء حمولاتها على أعضاء منظّمة التحرير الفلسطينيّة. كل هذا الأسطول تحرّك في هدوء تام، ومن خلال تحرّك يشبه طائرات النقل الجويّ المدنيّ، ومع البقاء بعيدًا عن أي مراقبة من طرف سائقي الطائرات الأخرى الذين من الممكن أن يبلّغوا عنها.

يشير التقرير إلى أن ست طائرات من طراز «إف 15 بي» و«أب 15 دي» من سِرب «spearhead» افتتحت العمليّة، كلّ طائرة كانت تحمل تحت جناحيْها قنبلة ذات توجيه إلكتروضوئي من طراز «GBU-15» من صُنع أمريكي، وهي الباسنة اللازمة لتوجيه هذه الأسلحة بالإضافة إلى أربعة صواريخ «AIM-7 sparrow» من أجل حمايتها.
في ذيل التشكيلة، تتواجد طائرتا «إف 15 سي» من طراز «Twin tail»، مدجّجة بصواريخ «AIM -7 Sparrow» و«AIM -9 Sidewinder»، بالإضافة إلى ستّة صواريخ كلاسيكيّة من طراز «مارك 82».

قبل وقت قصير من دخول المجال الجويّ التونسيّ، انقسم السِرب إلى تشكيلتيْن تضمّ كلٌّ منهما أربع طائرات، يبتعدان عن بعضهما بأربع دقائق. وفي حين صادفت طائرتان من نوع «إف-15» أعطابًا ميكانيكيّة اضطرّتهما إلى إلغاء مشاركتهما في المهمّة، فيما أُجبرت باقي القوّة الجويّة على إعادة تغيير التشكيلة. الطائرات الثلاثة الأولى أطلقت قنابلها الموجّهة مِن بُعد 20 كم على منطقة حمّام الشطّ، فيما تبعتها طائرتان بعد ذلك بثوانٍ قليلة. بعدها، أنهت طائرتا «إف-15 سي» المتواجدتان في ذيل السِرب المهمّة بإلقائهما حمولتهما من القنابل التقليديّة على الهدف المحدّد بدقّة من خلال الدخان المتصاعد بفعل القنابل المُلقاة سابقًا، والمتمثّل في المجمع الفلسطينيّ.

 

كان الهجوم الإسرائيلي على تونس بمثابة «القنبلة» في الجزائر، إذ اتُّخذ قرار استعجاليّ بالإخلاء الفوري للمخيّم العسكري «الفتح» الواقع بتبسّة، الذي يبعث حوالي 10 كيلومترات من الحدود التونسيّة التي أصبحت في مرمى العدوّ. كما جرى إبعاد الجنود الفلسطينيّين إلى مدينة البيّض البعيدة في الجنوب الغربي للجزائر التي تشبه أجواءها أفلام الغرب الأمريكي.

«تعزيز الدفاعات المضادّة للطائرات في تبسّة لمجابهة أيّ هجوم إسرائيليّ مفاجئ كان يستلزم تموقُع راداراتنا في تونس، وحتّى بطّاريّاتنا المضادّة للطائرات» كما يروي لـ«ميدل إيست آي» أحد العقداء الجزائريّين المتقاعدين الذي أشرف على الدفاع الجويّ في شرق البلاد. ويضيف العقيد: «في تلك الفترة، كان الرئيس التونسي بورقيبة يصارع الجميع ضدّ قطع العلاقات مع الولايات المتّحدة الأمريكيّة، وقد رفض بسرعة الاقتراح الجزائري بتدخّل عسكريّ».

بعدها بثلاث سنوات في العاصمة الجزائريّة، وفي الوقت الذي لم يكن قرار إعلان قيام دولة فلسطين معروفًا إلا عند قلّة صغيرة، أُخذت احتماليّة هجمة إسرائيليّة على محمل الجدّ بشكل حقيقي. من أجل مجابهة هذا التهديد، جرى خلال ثلاثة أشهر كاملة تقييم المخاطر المحتملة، ثمّ اتّخذت الإجراءات الأمنيّة اللازمة. يضيف أحد القادة العسكريّين المنظّمين لهذه القمّة لـ«ميدل إيست آي»: «لم تكن الجزائر قبل هذه الحادثة قريبة من جوّ الحرب، حتى ضدّ المغاربة لم نأخذ كلّ هذه الإجراءات!».

في سنة 1988، كانت قدرات الجيش الجزائري في أوجّ شدّتها: لم يكن للجزائر من قبل مثل هذا العدد من الطائرات، والصواريخ المضادة للطائرات، والموارد البشريّة المكوّنة والقادرة على

تسييرها بصفة ممتازة.

بشكل عام، كان مجموع الرادارات والأنظمة المضادة للطيران في حالة طوارئ، جرى وضع طائرتيْ تصدّي ذات سرعة فائقة، بالإضافة إلى طائرتيْ «ميج-21» في دوريّة مستمرّة، كما وُضعت أجهزة إنذار في كلّ من البليدة، وبوفاريك، وعنّابة، ووهران. في سبتمبر (أيلول) 1988، جرى تكليف مسؤولين عسكريّين متخصّصين في الصواريخ المضادّة للطائرات بوضع خطّة دفاعيّة بعيدة عن العاصمة، وقد وُضعت تحت تصرّفهم ثلاثة مواقع: رغاية، وأولاد فايت، والكاليتوس، بالإضافة إلى فوج كامل من صواريخ «البيتشورا» التي تستطيع اصطياد طائرة على بعد 25 كم.

مهمّة التحضير كانت مقتصرة على التأكّد من أن جميع التجهيزات اللازمة كانت مضبوطة، وأنّ وسائل الاتصالات مع القيادة العسكريّة تعمل بكفاءة. مِن الصّفر، بدأت تحضيرات أعضاء الفرقة 31 المتخصّصة في بطّاريات الصواريخ أرض-جوّ (GBMSA) التي تعتمد على الدفاع المضاد للطائرات من طرف القوّات البريّة؛ متمركزين في كلّ من عنّابة شرق البلاد، وعين وسّارة في جنوب العاصمة، كان على هذه الفرقة أن تحدّد الأماكن الأنسب لثبّت فيها بطّاريات الصواريخ المضادة للطائرات قصيرة المدى «أوزاك».

هل تُحكم إسرائيل الخناق على الجزائر من جميع الجهات؟


المكان الأمثل لتثبيتها كان في أعالي حيّ عين البنيان غرب العاصمة، الذي يملك نظرة بانوراميّة لمدينة الجزائر. هذا الموقع يقع على بعد دقائق من «قصر الشعب» الذي ستجري فيه فعاليّات المؤتمر.

وصل قرار للعسكريين يفيد بفرض منطقة خالية من الطيران بقُطر يبلغ 20 كيلومترًا حول العاصمة، ومنطقة تحكّم على قطر 200 كم.

في مقرّ «قصر الشعب»، تمّ تنصيب بطّاريّات صواريخ محمولة قصيرة المدى «ستريلا 2 أم» فوق المدرّعات، بحيث تكون هذه الصواريخ آخر حلّ في حال استطاع هجوم العدوّ أن يخترق الرادارات، ويقترب من مقرّ المؤتمر.

جهّزت الفرقة 31 بطّارياتها الخاصّة بالتعرّف وتلك الخاصّة بالرّاجمات، والمتضمّنة لرادارات سوفيتيّة (P15 وPRV)، والمتخصّصة في تحديد مسافة العدوّ وارتفاعه. كلّ البيانات المرصودة من مختلف الرادارات يتمّ تركيزها وإرسالها إلى «مركز الرصد والمراقبة» الواقع بأعالي شريعة، يبعد 60 كيلومترًا عن العاصمة، المكلّف بإعطاء الأوامر بإطلاق النار على أيّة طائرات مُقاتلة مُحتملة.

إشارة غريبة تثير حالة طوارئ

في عنّابة، 500 كم شرق العاصمة، مركز آخر للرصد والمتابعة يأخذ بعين الاعتبار أيّة تهديدات قادمة من الشرق، بالتوازي مع المركز الواقع في العاصمة.

أمّا في البحر، فأعطت القوّات البحرية مدى أكبر للرادارات في القاع، فيما جرى نشر فرقاطات «كوني» بين عنّابة والعاصمة. تحت الماء، استعانوا بالغوّاصين الجزائريين للمراقبة تحت البحر لمدّة شهرين، بالإضافة لغوّاصتيْ «كيلو» جديدتين لاصطياد أيّة عناصر دخيلة.

يضيف التقرير أنّه في نهاية أكتوبر (تشرين الأوّل)، استلمت الجزائر فُرقاطة سوفيتية الصنع من نوع «كريفاك»، مجهّزة برادار عالي القوّة، إلى جانب فرقاطة أخرى كانت مكلّفة بإجراء دوريّات مراقبة وسط الجانب البحري الشرقي الجزائري. في تلك الفترة، كان السوفيت يضعون باخراتهم في ميناء الجزائر، بحيث يمكن رؤيتها من طرف جميع القنصليّات الأجنبيّة التي تطلّ على الميناء.

في العاشر من نوفمبر (تشرين الثاني)، ومع انطلاق المؤتمر، تمّ التقاط إشارة من طرف الرادارات الجزائريّة في عنّابة والعاصمة. تُفيد الإشارة بوجود تشكيلة من الطائرات الحربيّة المجهولة قادمة من شرق البحر المتوسّط. انحازت التشكيلة إلى منطقة سردينيا الإيطاليّة بعد تجاوزها صقليّة، ثمّ تجمّعت للتوّجه جنوبًا.

بالمقابل، كما يحكي أحد القادة العسكريّين الجزائريين في «مركز الرصد والمتابعة» بمنطقة شريعة لـ«ميدل إيست آي»، رصدت إحدى محطّات الاستقبال، اتصالات طيّار من الخطوط الجويّة الفرنسية «إير فرانس» فوق صقليّة، يسأل إن كان هنالك تنبيه جويّ (NATOM) قد أُصدر، يتعلّق بوجود مركبات غير معروفة وقوّات قريبة من رحلته. في مدينة رغاية، الفرقة رقم 31 التي رصدت الإشارات تقدّمت بطلب من أجل تأكيد أمر بإطلاق النار إلى «مركز الرصد والمراقبة».

Embed from Getty Images


في نادي الصنوبر، أين يوجد قصر الشعب الذي سيُجرى فيه المؤتمر؛ استعدّ المنظّمون لإخلاء المكان إخلاءً فوريًّا، لكن ما لا يعلمه قائد فرقة بطّاريات الصواريخ أرض-جو (GBMSA)، هو أن «مركز الرصد والمراقبة» لم يَدَع مثل هذا التهديد يمرّ مرور الكرام أو يقترب من الأرض، إذ أمر فورًا بإقلاع طائرتي «ميج-25» وطائرتي «ميج-21» بالإضافة إلى طائرتي «ميج-23».

ويحكي توم كوبر، المتخصّص في تاريخ الطيران في تقرير له عن تلك الوقائع: «الجميع كانوا متأكدين بنسبة 100% بأن الإسرائيليين كانوا سيهجمون، وبسبب ذلك أجرى الجزائريون استعداداتهم وفرضوا منطقة خالية من الطيران في دائرة قُطرها 20 كم حول نادي الصنوبر. كما جرى تكليف طائرتين من طراز «ميج-25» للبقاء في دورية متواصلة على وضع مستعدّ للقتال في ارتفاع عالٍ، وطائرتيْن على ارتفاع متوسّط كلما اجتمعت القيادة الفلسطينيّة، بالإضافة إلى صواريخ اعتراض إضافيّة في حالة طوارئ داخل قواعدها».

صرّح مسؤول تونسيّ متقاعد لتوم كوبر: «كما كان متوقّعًا، لقد أتوا (يقصد الإسرائيليّين). في العاشر من نوفمبر 1988، التقطت الرادارات تشكيلة من الإشارات المشبوهة قادمة من الشرق. التقط الرادار الجزائري إشارة قادمة من الشرق تقترب بمستوى متوسّط». ويضيف: «انطلقت على الفور طائرتا «ميج-25» و«ميج-23» من أجل تدعيم أربعة طائرات «ميج» متواجدة بالفعل فوق منطقة نادي الصنوبر، لم يأمر المسؤولون الجزائريّون الطيّارين باعتراض الإسرائيلييّن الذين كانوا على مسافة بعيدة، بل أمروا طائرات «الميج» بالارتفاع وأخذ مواقعهم». ويضيف المسؤول التونسي: «بسبب التحرّك الجزائري، كنّا أيضًا في حالة طوارئ. إذ إنّ راداراتنا التقطت إشارة سربيْن من الطائرات. في ذلك الزمان والمكان، لم تكن أيّة حركة تجاريّة أو عسكريّة قد أُعلنت مسبقًا.

بدأ التوتّر يتصاعد ليسود الأجواء والأراضي، وفي غضون الدقائق التالية بدأت محطّات المراقبة الجزائرية والتونسية ترصد الإشارات القادمة أكثر فأكثر. حسب المسؤول التونسي المتقاعد، فإن «يقظة الدفاعات المضادة للطيران الجزائريّة آتت أُكُلها أخيرًا».

 لم تكن سوى احتماليّة، ولكنّني أعتقد أنّهم رصدوا كلّ تلك الحركية الكهرومغناطيسيّة، ثمّ تتبّعوا مسارًا شعاعيًّا لبعض الوقت، ليرجعوا مجدّدًا من حيث أتوا شرقًا. هم لم يكونوا خائفين منّا، ولا من الجزائريين، ولكن لكي ينجح هجومهم؛ كان عليهم أن يُصيبوا منظّمة التحرير الفلسطينيّة دون أيّة خسائر، ولذلك قرّروا إلغاء العمليّة.

كيف تحولت الجزائر من بلد الموت إلى واحدة من أكثر 10 دول في العالم أمنًا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد