بالنظر إلى احتمالية إساءة استخدام برامج التجسس المتطورة، كان من المفترض أن تشرف وزارتا الدفاع والخارجية على بيع برنامج «بيجاسوس»، والحيلولة دون وقوعه في أيدي أولئك الذين يُزعم أنهم استخدموه للتجسس على الصحفيين والنشطاء، بعيدًا عن مهمته النبيلة في مكافحة الإرهاب.

عربي

منذ شهرين
قد تشعل أزمات دبلوماسية.. ما يهم القارئ العربي معرفته في تحقيقات فضيحة «بيجاسوس»

لا تزال فضيحة استخدام برنامج التجسس الإسرائيلي «بيجاسوس» في التجسس على الصحفيين والنشطاء التي كشفتها صحيفة واشنطن بوست الأمريكية محل اهتمام عدد من الصحفيين والكتاب، وقد نشر موقع صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية مقالًا للكاتب بن درور يميني استعرض فيه تداعيات تلك الفضيحة على سمعة إسرائيل ومسؤوليتها عن ذلك.

واستهل الكاتب مقاله بالإشارة إلى أنه لم يكن من قبيل الصدفة أن يُطلق على إسرائيل لقب «أمة الشركات الناشئة»، ذلك أن التكنولوجيا الفائقة مصدر فخر إسرائيل وسعادتها، فضلًا عن اعتماد الاقتصاد الإسرائيلي اعتمادًا كبيرًا على التطور التكنولوجي المحلي.

لكن وفي حين تحقق التكنولوجيا الإسرائيلية كثيرًا من الخير سواء في الداخل أو في بقية دول العالم، حسبما يرى الكاتب، فمن المنطقي أن يكون لها أيضًا جانبًا مظلمًا.

الجانب المظلم

وأوضح الكاتب أن مجموعة «إن إس أو» الإسرائيلية قدمت مؤخرًا دليلًا على الجانب ذي السمعة السيئة للتكنولوجيا الإسرائيلية، إذ كانت برامج التجسس المعروفة باسم «بيجاسوس» التي تطورها الشركة محور اهتمام التقرير الذي كشفته صحيفة واشنطن بوست، والتي قدَّمت فيه الصحيفة الأمريكية للعالم لمحة عن الجانب الأقل قبولًا لـ التكنولوجيا الفائقة الإسرائيلية.

Embed from Getty Images

ووفقًا للصحيفة، استُخدِم برنامج «بيجاسوس» باستمرار لاختراق هواتف الصحفيين والناشطين في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك دول مثل المكسيك والهند والمملكة العربية السعودية، وأفادت التقارير أن السعودية استخدمت برامج التجسس لتعقب الصحفي السعودي جمال خاشقجي قبل اغتياله في تركيا عام 2018.

إساءة الاستخدام

ولفت الكاتب إلى أن مكافحة العالم للإرهاب تعني التحوُّل إلى التعامل بطريقة أكثر شدة وحزمًا. ولا مجال في تلك المعركة للتعويل المفرط على حقوق الإنسان ولا حماية للخصوصية، حسبما يرى الكاتب. وطالما تُستخدَم برامج التجسس لفضح المتورطين في الإرهاب، فإن شركات مثل مجموعة «إن إس أو» التي تطور هذه البرامج تستحق الثناء. لكن المشكلة تكمن في حقيقة أنه عندما تشتري الحكومات مثل هذه البرامج القوية، يمكنها بسهولة تحويل أي معارض إلى هدف لها.

ووفقًا للصحيفة الأمريكية، استخدمت قائمة طويلة من البلدان برنامج «بيجاسوس» للتجسس على عشرات الآلاف من الأشخاص الذين لا علاقة لهم بالإرهاب أو ليس لديهم أي سجل إجرامي. ويبدو أن عشرات الآلاف من الصحفيين والنشطاء كانوا تحت المراقبة.

ولا يتطلب الأمر التجسس على عشرات الآلاف من الأشخاص لطرح تساؤلات بشأن سلوك «إن إس أو»، وذلك لأنه لا يوجد ما يبرر وضع أي صحفي مستقل تحت المراقبة.

موافقة ضرورية

وأشار الكاتب إلى أن «بيجاسوس» هو المنتج الأساسي لمجموعة «إن إس أو»، الذي كان ولا يزال يُستخدَم في التجسس. ونظرًا لخصائصه، يُنظر إلى «بيجاسوس» على أنه لا شيء أقل من كونه سلاحًا. وهذا يعني أن أي بلد يرغب في شراء برنامج التجسس يجب أن يحصل أولًا على موافقة من وزارتي الدفاع والخارجية الإسرائيليتين.

لذلك، وبافتراض استخدام «بيجاسوس» للتجسس على الصحفيين والنشطاء كما أفاد التحقيق الأمريكي، فإن المسؤولية تقع أيضًا على عاتق إسرائيل التي فشلت آلياتها الرقابية. وفي حين لا يُلقي تقرير الصحيفة الأمريكية الذي نُشر يوم الأحد الماضي باللوم على إسرائيل على نحو مباشر، بدأت التغطية العالمية للكشف بالفعل في ذِكر إسرائيل في التقارير.

وليست هذه هي المرة الأولى التي يجري فيها ربط «إن إس أو» باختراق هواتف الصحفيين والناشطين. ورفع تطبيق واتساب المملوك لشركة فيسبوك دعوى قضائية ضد الشركة الإسرائيلية في عام 2019 في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، بدعوى أن الشركة ساعدت في اختراق عشرات الحسابات. وقد أعقب هذه الدعوى عدد كبير من الاتهامات الإضافية ضد «إن إس أو» على مر السنين.

Embed from Getty Images

ويبدو حينها أنه كانت هناك علامات على وجود مشكلات بادية للعيان آخذة في الظهور. وشدد الكاتب على أن شخصًا ما في وزارة الدفاع الإسرائيلية أو أنظمة الإشراف والتراخيص بوزارة الخارجية كان يجب عليه أن يلفت الانتباه إلى ما كان يحدث مع الشركة الإسرائيلية، التي ارتبط اسمها بعديد من الهجمات الإلكترونية التي لا علاقة لها على الإطلاق بمكافحة الإرهاب.

وتنفي مجموعة «إن إس أو» من جانبها مزاعم تمكين مراقبة الصحفيين، وتدعي أيضًا أن لديها وسائل لإغلاق المراقبة غير السليمة في حال نفذتها أي دولة. وعلى الرغم من أن الغضب بشأن الكشف الأخير يمكن أن يهدأ في غضون أيام قليلة، كما هو الحال مع مثل هذه الحالات، فإن تقرير واشنطن بوست ذاته واستجابة الشركة لما حدث لا بد وأن يُفحصا بعناية، لأن حرية الصحافة على المحك، بحسب الكاتب.

ويختم الكاتب مقاله بالقول إن ما حدث في بعض البلدان، وربما الذي لا يزال يحدث، قد يتسلل إلى دول أخرى أيضًا، بل ربما إلى إسرائيل نفسها. ولمنع وضع من هذا القبيل، يجب أن يظلوا يقظين باستمرار.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد