ثمة سباق على الذهب في الشرق الأوسط، لكنه ليس نوع الذهب الذي لطالما عرفناه. بل هو سباق على بيع المفاعلات النووية، الذي مضى على الجدال حوله عقود، لكن الأمر الآن بات يحظى بزخم كبير. حتى الآن، تأتي روسيا في الصدارة. فبعد بنائها أول مفاعل نووي لتوليد الطاقة في المنطقة، مفاعل بوشهر الإيراني، فستبدأ قريبًا في بناء أربعة مفاعلات في تركيا في وقت لاحق من العام الحالي أو في العام القادم، على أن تبدأ عملية توليد الطاقة منها بحلول عام 2020. كما أبرمت اتفاقيات مع كل من الجزائر ومصر وإيران والأردن، كما تسعى إلى دخول السوق السعودي.

تحاول دول أخرى تعويض ما فاتها، فقد تعاقدت كوريا الجنوبية بالفعل على بناء أربعة مفاعلات في الإمارات، التي من المتوقع أن يبدأ تشغيلها بحلول عام 2017. كما تسعى دول مثل الأرجنتين وكندا والصين واليابان والمملكة المتحدة ودول أخرى إلى إبرام اتفاقيات لبناء مفاعلات أو توفير قطع غيار أو خدمات. أما الولايات المتحدة، التي تخضع لنص المادة 123 من قانون الطاقة الذرية الأمريكي، والذي ينص على ضرورة التزام المستفيدين من الطاقة النووية بمعاهدة حظر انتشار السلاح النووي أو نقل المواد النووية أو المعدات أو المكونات، فتجد نفسها مقيدة أكثر في دخول تلك الأسواق. ورغم ذلك، وبالإضافة إلى إمدادها الإمارات بقطع الغيار والمساعدة الهندسية، تقول غرفة التجارة الأمريكية أن ثلاث شركات أمريكية تسعى إلى بناء مفاعل في السعودية.

لكن الوعود الوردية حول الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية تتبدد مع وجود مخاطر أمنية عند بناء مفاعلات نووية في الشرق الأوسط. يكمن هذا الخطر في احتمالية أن تصبح تلك المفاعلات أهدافًا أو رهائن للجماعات المسلحة، مما قد ينتج عنه كارثة مشابهة لكارثة تشرنوبل أو فوكوشيما.

تاريخيًّا، تبدو الصورة معقدة. فمن ناحية، لم تنجح أي جماعة إرهابية في شن هجوم ناجح على مفاعل نووي لتوليد الطاقة. أقرب مثال على ذلك كان محاولة الصرب تدمير مفاعل كرسكو في سلوفينيا إبان الحرب اليوغوسلافية.

إلا أن ما حدث في يوغوسلافيا السابقة ليس فيه عزاء لدول الشرق الأوسط. فهي تظل المنطقة الوحيدة التي وقعت فيها هجمات على مفاعلات نووية. ولكن لحسن الحظ فإن تلك الهجمات، شن العراق غارات متكررة على مفاعل بوشهر خلال حربه مع إيران ودمرت إسرائيل مفاعلين في العراق وسوريا في العامين 1981 و2007 على التوالي، دمرت مفاعلات قيد الإنشاء. العمل العسكري الوحيد الذي وقع ضد مفاعل نووي قيد التشغيل كان مفاعل ديمونة الإسرائيلي، حين تعرض للقصف من جانب العراق وحركة حماس في العامين 1991 و2014 على التوالي.

ولا تزال المفاعلات النووية أهدافًا جذابة، فقد هدد حزب الله بقصف ديمونة حال اندلاع حرب بينه وبين إسرائيل. وبالنظر إلى الدمار الذي أحدثه ظهور جماعات من على شاكلة تنظيم الدولة الإسلامية، فإن مصداقية التهديد بمحاولة شن هجمات على مفاعلات نووية لا يمكن إنكارها. وبالنظر إلى تباين مستوى الجيوش في الشرق الأوسط، فإن حماية المفاعلات تعد أمرًا غير مضمون.

إذا هاجم الإرهابيون مفاعلًا نوويًّا في الشرق الأوسط، فإن انتشار الغبار النووي سيعتمد على مدى تماسك أنظمة الاحتواء الخاصة بالمفاعل وقدرة أطقم الطوارئ على الحد من الانبعاثات، التي هي مهمة صعبة حتى بالنسبة إلى أكثر الدول تقدمًا، كما حدث مع اليابان في فوكوشيما.

ربما تظهر حاجة لخوض المخاطر الأمنية المترتبة على بناء مفاعلات نووية إذا ما واجهت المنطقة نقصًا حادًا في الطاقة. فالدول الغنية بالنفط والغاز، مثل الجزائر والسعودية وغيرها، تواجه نقصًا في الوقود الأحفوري. أما دول أخرى مثل مصر والأردن، تظل مصادر الوقود الأحفوري محدودة لديها، لكن ثمة بديل عملي أكثر لدى دول الشرق الأوسط ألا وهو الطاقة الشمسية.

بالنسبة إلى دول مثل المغرب والجزائر والإمارات، تعتبر الطاقة الشمسية بالفعل جزءًا متناميًا من قطاع توليد الطاقة داخليًّا. ففي عام 2013، افتتحت الإمارات ما كانت تعد حينها أكبر محطة لتوليد الطاقة الشمسية في العالم. كما تعهدت كل من مصر والأردن وإيران بالتمدد سريعًا في استخدام الطاقة الشمسية، وتخطط السعودية لإنتاج ثلث احتياجاتها من الطاقة عن طريق الشمس بحلول عام 2040. لكن الرياض تخطط إلى بناء ما يصل إلى 18 مفاعلًا نوويًّا، مما سيوفر مصدرًا لتعويض نقص الطاقة الشمسية المخزنة خلال الليل.

سيكون من الصعب تبرير بناء مفاعلات نووية بهذا الشكل، فقد تحسنت قدرة تخزين الطاقة في البطاريات وأصبح بناء محطات الطاقة الشمسية أكثر فعالية وأرخص عن بناء المحطات النووية. وستظل محطات النفط والغاز كمصدر احتياطي للطاقة.

لا بد على صناع القرار في الشرق الأوسط أن يسألوا أنفسهم ما إذا كان التعاون مع روسيا في بناء مفاعلات نووية يستحق المخاطرة. فالوقت الآن مناسب، قبل أن تتكاثر المفاعلات، حتى يعيد خبراء وضع الخطط الخاصة بالطاقة التفكير ثانية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد