استُخدِمت القنابل الذرية في الحرب مرتين فقط في التاريخ، في هيروشيما وناجازاكي في اليابان خلال الحرب العالمية الثانية. وقد كانت نتائج هذا الهجوم مدمرة للغاية لدرجة أن التهديد بهجوم نووي قد شكَّل السياسة العالمية منذ ذلك الحين، حسب ما يقول الكاتب جيريمي بلاك في تقرير نشرته مجلة «هيستوري إكسترا»، التابعة لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، والذي سلَّط فيه الضوء على 10 لحظات رئيسة في عالم السلاح النووي بعد الحرب العالمية الثانية.

ويُصَدِّر الكاتب تقريره بالتأكيد على أن ما لم يحدث بعد ربما يكون على القدر نفسه من الأهمية، إن لم يكن أكثر، مما حدث بالفعل. وخير مثال يُدلل على ذلك الأسلحة الذرية؛ إذ لم تُستخدَم القنابل النووية قط منذ عام 1945 عندما لعبت دورًا رئيسًا في إنهاء الحرب العالمية الثانية، إلا أنها شكَّلت عالم ما بعد الحرب. وقد كانت الأسلحة الذرية حجر الزاوية في الحرب الباردة، وهو ما ساعد على ضمان عدم تصاعد التوترات إلى أعمال عدائية شاملة.

تاريخ

منذ 6 شهور
«ناشيونال إنترست»: لماذا وجَّهت فرنسا أسلحتها النووية ذات مرة ضد ألمانيا؟

وخلال تلك الحقبة، ساعد امتلاك أسلحة نووية عابرة للقارات قادرة على تدمير كوكب الأرض في تحفيز الخيال الجماعي، وتشكيل ملامح المخاوف العامة، ووضع أعباءٍ ثقيلة على الاقتصادات الرائدة. وتُلقي القدرة النووية بظلالها على العلاقات الدولية حتى يومنا هذا، وهي أساسية للضغط الحالي على ما يسمى بـ «الدول المارقة»، مثل كوريا الشمالية. وفيما يلي يسرد الكاتب أبرز 10 لحظات في هذا الصدد:

1- 1948: أزمة برلين

يبدأ الكاتب بعام 1948 عندما أصبح الاتحاد السوفيتي أكثر حزمًا في أوروبا، صارت الولايات المتحدة بدورها أكثر التزامًا بالدفاع عن ديمقراطية أوروبا الغربية. وقد أثارت أزمة برلين القرار السوفيتي بحصار برلين الغربية، التي احتلتها القوات البريطانية والأمريكية والفرنسية باعتبارها جزءًا من تسوية ما بعد الحرب.

وردًا على ذلك، وإلى جانب الجسر الجوي الأنجلو أمريكي لتوصيل الإمدادات إلى المدينة، نصبت أمريكا قاذفات قنابل بعيدة المدى من طراز«بي – 29» في بريطانيا، في مخططٍ لإسقاط القنابل الذرية على الاتحاد السوفياتي في حالة نشوب الحرب. ولم يكن لدى السوفيت أي قدرة نووية في ذلك الوقت وساعد التهديد بالهجوم النووي على إيجاد حل للأزمة. ومع ذلك ظلت القاذفات في بريطانيا.

Embed from Getty Images

2- 1952: أمريكا تختبر القنبلة الهيدروجينية

اعتقدت الولايات المتحدة أنها أعادت تأكيد تفوقها النووي عندما اختبرت أول قنبلة هيدروجينية، ودمَّرت جزيرة «إليوجلاب» في المحيط الهادئ. واستخدمت القنبلة انفجارًا نوويًّا أدَّى إلى تسخين النظائر الهيدروجينية بما يكفي لاندماجها في ذرات الهيليوم، وهو تحوُّل أطلق طاقة تدميرية أكثر من القنبلة الذرية. بيد أن تفوق الولايات المتحدة لم يدم طويلًا: فقد أصبحت بريطانيا القوة الذرية الثالثة في عام 1952، في حين طوَّر الاتحاد السوفيتي قنبلتَه الهيدروجينية في عام 1953.

3- 1949: الاتحاد السوفيتي يمتلك القنبلة النووية

وفي محطته الثالثة يقول الكاتب إن التجسس الناجح على التكنولوجيا النووية الغربية مكَّن الاتحاد السوفيتي من استكمال تطويره لقنبلة نووية فعَّالة. وفي ضربة واحدة، انتهى احتكار الولايات المتحدة للسلاح النووي، الذي بدا وكأنه يقدم للأمريكيين وسيلة لإِمْلاء كلمتهم على السوفيت.

ولفت الكاتب إلى أن هذا التطور استلزم جهدًا هائلًا، ذلك أن تأثير الحرب العالمية الثانية قد دمَّر الاتحاد السوفيتي، لافتًا إلى هذا التطور استمر لأن ستالين كان يعتقد أن التكافؤ النووي وحده هو الذي من شأنه أن يسمح للاتحاد السوفيتي بحماية مصالحه ودفْعِها قُدمًا. ومع ذلك، ألحقت تلك السياسة ضررًا كبيرًا بالاقتصاد الروسي، إذ إنها أدَّت إلى انحراف مسار خيارات البحث والاستثمار. كما كانت أيضًا موضع شك من الناحية العسكرية، فقد استخدم السوفيت موارد الدولة لتحقيق التكافؤ النووي بدلًا من تطوير قدراتهم التقليدية على نحو أفضل.

4- 1957: إطلاق القمر الصناعي «سبوتنيك 1»

ألمح الكاتب إلى أن إطلاق الاتحاد السوفيتي لأول قمر صناعي يسبح في الفضاء كشف عن قدرة على استخدام صواريخ عابرة للقارات جعلت العالم بأسره يقبع في مرمى نيران السوفيت، وبذلك باتت الولايات المتحدة عرضة للهجوم. ومن الناحية الإستراتيجية، هدَّدت الصواريخ بتحقق العقيدة القتالية، التي سادت في العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين، بأن القوة الجوية تُشكِّل أداة رابحة للحرب، وفي الوقت نفسه، جعلت الصواريخ من القدرة النووية لقاذفات القنابل الأبطأ التابعة للقيادة الجوية الإستراتيجية الأمريكية مسألة عفا عليها الزمن.

وكذلك جعلت هذه القدرة الجديدة الاستثمار في تكنولوجيا الصواريخ الباهظة التكلفة يبدو ضروريًا، مما يغيِّر من طبيعة كل من أنظمة الدفاع المضادة للأسلحة النووية والردع النووي. وفي الولايات المتحدة، نبَّه تقرير سري أعدَّته لجنة غايثر الرئيس آيزنهاور بالتهديد المتزايد الذي يُشكِّله القمر الصناعي السوفيتي الأمن القومي الأمريكي.

Embed from Getty Images

5- 1960: صاروخ «بولاريس» الباليستي العابر للقارات

ويتابع التقرير: يمكن أن تتمركز الغواصات بالقرب من سواحل الدول المستهدفة، وهي تتمتع بدرجة عالية من القدرة على التحرك ويصعب اكتشافها. ونتيجةً لذلك، كان إطلاق صاروخ باليستي من الغواصة الأمريكية، يو إس إس جورج واشنطن، قبالة كيب كانافيرال بولاية فلوريدا، يمثل تحولًا في هيكل القوة، بعيدًا عن القوات الجوية ونحو القوات البحرية. وجادل سلاح البحرية الأمريكية بأن غواصاتها يمكن أن تشن ضربات تخضع لتحكم دقيق، مما يسمح لها بإدارة ردع وانتقام أكثر تعقيدًا. وتبعتها دول أخرى. وفي عام 1960 أيضًا، أصبحت فرنسا القوة الرابعة التي تمتلك قنبلة ذرية.

6- 1987: معاهدة الأسلحة النووية المتوسطة المدى

نوَّه الكاتب إلى أن معاهدة القوى النووية المتوسطة المدى كانت أول خطوة رئيسة للحد من خطر الحرب النووية في أوروبا. وقد ازدادت توترات الحرب الباردة طوال أوائل الثمانينيات، فقد دفعت المخاوف من العدوان السوفيتي «حلف شمال الأطلسي (الناتو)» إلى نشر أسلحة نووية تكتيكية، محمولة على صواريخ كروز وبيرشينج متوسطة المدى. وحظرت المعاهدة الصواريخ الأرضية المتوسطة المدى التي يتراوح مداها بين 500 و5 آلاف كيلومتر، وأنشأت أيضًا نظامًا للتحقق من خلال التفتيش الموقعي.

وكان لدى ميخائيل جورباتشوف، الزعيم السوفيتي، رغبة في تحدي وجهة النظر العالمية القائمة على المواجهة والمُبينة في تقارير المخابرات الروسية. وكان جورباتشوف مقتنعًا بأن السياسة الأمريكية بشأن الحد من التسلح النووي لم تكن مدفوعة بجدول أعمال خفي لإضعاف الاتحاد السوفيتي، وهذا ما شجَّعه على التفاوض مع الغرب.

7- 1962: أزمة الصواريخ الكوبية

أشار الكاتب في هذه المحطة إلى أن العالم كان على شفا حرب نووية عندما نشر الاتحاد السوفيتي الصواريخ في كوبا، وهي دولة شيوعية كانت تتعرض للتهديد من الولايات المتحدة. ومع وقوع واشنطن ضمن مدى هذه الصواريخ، فرضت الولايات المتحدة حجْرًا جويًّا وبحريًّا لمنع شحن المزيد من الإمدادات السوفيتية.

كما نظرت واشنطن في شن هجوم على كوبا، وهددت بضربة نووية انتقامية كاملة في حال إطلاق الصواريخ السوفيتية. وربما ساعد احتمال نشوب حرب نووية في منع العمليات العسكرية التقليدية، التي كانت لتبدأ بهجوم جوي أمريكي على القواعد السوفيتية في كوبا.

Embed from Getty Images

وفي الاتفاق النهائي، وافق الاتحاد السوفيتي على إزالة الصواريخ في مقابل سحب الولايات المتحدة صواريخ «جوبيتر» من حليفتها تركيا، ووافقت على عدم غزو كوبا. وخلال أزمة برلين في العام السابق لهذه الواقعة، أعاد الرئيس كينيدي التأكيد على استعداده لاستخدام الأسلحة النووية حتى لو لم يفعل السوفيت ذلك، وهذا يرجع إلى أن برلين الغربية كانت عرضة على نحو خاص للهجوم السوفيتي التقليدي.

8- 1970: أمريكا تنشر صواريخ «ميناتمان 3»

لفت التقرير إلى أن صواريخ «ميناتمان 3»، المزودة بمركبات إعادة الدخول المتعددة المستهدفة بشكل مستقل (إم آي آر في)، والتي أُختِبرت لأول مرة في عام 1968، استفادت من قدرة الضربة المعززة إلى حد كبير. ونتيجةً لذلك، ارتفعت أعداد الرؤوس الحربية، والقدرة التدميرية المحتملة لتبادل القصف النووي تبعًا لذلك، ارتفاعًا كبيرًا.

وكان هذا جزءًا من السباق من أجل تعزيز القدرة النووية، التي شهدت أيضًا خفض الأمريكيين وقت الاستجابة لصوارِيخهم الأرضية العابرة للقارات من خلال تطوير صاروخ «تيتان 2». ويعمل صاروخ تيتان باستخدام وقود سائل قابل للتخزين، مما مكَّن من عمليات الإطلاق من الصوامع وتحسين وقت رد فعل الصاروخ تبعًا لذلك في حالة نشوب صراع نووي.

9- 1972: معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية

وينتقل الكاتب إلى معاهدة «سالت 1»، وهي معاهدة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، والتي تُعد محاولة رئيسة للتقليل من إمكانية نشوب حرب نووية. وقصَرَت المعاهدة بناء نظُم الدفاع الصاروخية المضادة للصواريخ على منشأتين للصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية لكل بلد منهما، أحدهما حول تجمع للصواريخ الباليستية العابرة للقارات والآخر حول العاصمة.

وأوضح الكاتب أنه ومن خلال ترك كلتا القوتين عرضة للخطر، صِيغَت معاهدة «سالت 1» لردع الضربة الأولى، على أساس أنه لن يكون هناك دفاع فعَّال ضد الضربة المضادة. ومن ثم، كان من المفترض استخدام الأسلحة النووية لمنع الحرب النووية وليس لتأجيجها. وكانت المعاهدة، التي حدَّت من الترسانة النووية للقوتين، بمثابة الأساس للمزيد من المفاوضات التي أدَّت إلى معاهدة «سالت 2» في عام 1979.

10- 2003: باكستان والهند وصواريخ أرض – أرض قصيرة المدى

ويصل الكاتب إلى محطته الأخيرة فيقول إن القوة النووية لباكستان والهند أصبحت أكثر إشكالية مع انحسار توترات الحرب الباردة وفي ضوء تطويرهما لقواتهما الصاروخية. وقد امتلكت الهند السلاح النووي منذ عام 1974 وباكستان في عام 1988، ولكنهما أظهرا أسلحتها بشكل أكثر صراحة مع تنامي التنافس الوطني في أعقاب الاشتباكات على إقليم كشمير في أواخر التسعينات وأوائل الألفية الحالية.

علوم

منذ 6 شهور
مفاعل الصين النووي الجديد.. حرارته 10 أضعاف حرارة مركز الشمس!

وقد اختبرت الدولتان الأسلحة النووية علنًا في عام 1998. وفي ذلك العام، اختبرت باكستان صاروخها الجديد «غوري» المتوسط المدى، في حين أطلقت الهند في عام 1999 صاروخها الجديد «أجني 2» البعيد المدى، والذي يصل مداه إلى طهران وأغلب الصين وجنوب شرق آسيا. ويمكن للصواريخ أرض – أرض القصيرة المدى التي اختبرتها البلدان في عام 2003 حَمْل رؤوس حربية نووية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد